عمل المرأة في المحاماة.

* أشار الدكتور .هاني الجبير في بحث له في هذا المجال : أنه لا تزال قضيّة المرأة وما يتصل بها من أوضاع، تتصدر الساحة الفكريّة في جدل كبير، وأحسب أن رائده طلب الأصلح للمرأة ومجتمعها، وهذا النزاع يتجاذبه اتجاهان أساسان، أولهما: اتجاه محافظ يتطلب للمرأة بقاء حالها كما هو في عرف المجتمع، وقد يحمله ذلك على تفسير النصوص الشرعية بمقتضى هذا العرف.
واتجاه ثان: يريد للمرأة تغيرًا في وضعها يضاهي ما عرف في مجتمعات أخرى، وقد يحمله ذلك على تأويل النصوص أو تفسيرها بمالم يعرفه أهل العلم.

وأحسب أننا بحمد الله لا نحتاج لهذا الجدل، ذلك أن النظر المصلحي متعلّق بمستقبل الأيام، وهذا يدل على أن الصواب فيه غير متيقن، وإنما قصارى الجهد أن يبذل الإنسان وسعه في استشراف المستقبل، ويحدد أحسن الخيارات المصلحيّة وفق نظره، ثم لا يثرب على غيره ما دامت المسألة من موارد الاجتهاد التي لا قاطع فيها.

وإذا تقرر ما عُلم بالاضطرار من كون الشريعة الإسلامية قد جاءت بكل ما فيه مصالح البشر في العاجل والآجل، وأن التمسك بهذا الشرع لا ينافي مصلحة المجتمع في أي زمان ومكان، وأنه قد جمع بين خصيصتي التطور والثبات في تناسق مبدع، بحيث قرر قواعد عامة ثابتة قطعيّة لا مجال لتغيرها، ثم أرشد المجتهدين لما يمكنهم به من استخراج حكمها حسب مقتضى الزمان والمكان والحال.

فإننا -والحال ما ذكر – لابد واجدون في قطعيات وثوابت الشرع، وفي أدلته المجيبة عن أسئلة اختلاف الأحوال والعوائد؛ حكمًا ظاهرًا واضحًا لكل قضيّة.

وجاء الشرع بشواهد تدل على ترافع المرأة عن غيرها، مثاله: كونها ناظرة وقف، فالنظارة هي تولي إدارة الوقف وترتيب شئونه والمدافعة عنه، وهو متضمن لإقامة الدعاوى عن الوقف .

وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنته حفصة ناظرةً على وقفه الذي بخيبر تليه ما عاشت .

وقد ترافعت المرأة بنفسها أمام النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعده، كالمرأة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني فأراد أن ينتزعه مني. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنت أحق به ما لم تنكحي"

إلى أمثلة كثيرة جدًا يطول حصرها وإيرادها.

وهي تدل على جواز ترافع المرأة أمام القاضي، سواء كان ذلك لأمر يخصها كطلبها الطلاق ودعواها الحضانة، أو كان لأمر هي نائبة فيه ككونها ناظرة للوقف.

وكذلك ثبتت استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة رضي الله عنها، وقبوله لرأيها في يوم الحديبية.

وقد قرر أهل العلم جواز التوكيل في الخصومة، ولم يشترطوا لذلك الذكورة، بل قاعدة الفقهاء في هذا الباب أن من صح تصرّفه في الشيء صح له التوكيل والتوكل فيه، والمرأة يصح ترافعها بنفسها فلها أن تتوكل عن غيرها في ذلك.

قال ابن قدامة: (كل من صح تصرفه في شيء بنفسه، وكان مما تدخله النيابة، صح أن يوله فيه رجلاً كان أو امرأة) .

وهذا الأمر مع تقرره فقهًا بدون إشكال، فهو المستقر عملاً وتطبيقًا في المحاكم، فلم يزل القضاة يسمعون دعاوى النساء متوكلات عن النساء والرجال، ولا يمتنعون من ذلك.

إلا أن نظام المحاماة الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/38 عام1422هـ رتب وضع المترافعين عن غيرهم، ومن ذلك أنه اشترط لمن توكل عن غيره أن لا يزيد عن ثلاث قضايا عن ثلاثة أشخاص، ولا يقبل أن يتوكل عن غيرهم حتى يكون من المحامين المقيدين الممارسين، فهل للمرأة أن تنال رخصة المحاماة، مع قيامها فعلاً بدوره أم لا.

وللجواب عن ذلك فإن ما يمكن أن يرصد من ملاحظ ومناطات الحكم الشرعي هو ما يلي:

1- الترافع أمام القضاء نيابة عن الغير، وتقدم أنه لا إشكال فيه.

2-    افتتاح مكتب خاص بذلك، ولا يظهر لي أن هذا الوصف سبب للتحريم، فإن للنساء أماكن مخصصة لهن، فلهن عياداتهن ومشاغلهن وغيرها، وكل ما يمكن طرحه سببًا للإشكال أو مظنة لحصول فساد، فإنه يوجد مثله في توكل الرجال عن النساء، وقد توجه بعض الباحثين(10) إلى عدم جواز امتهان المرأة للمحاماة مستدلا بأنه عمل يخالف طبيعة المرأة؛ إذ قال الله تعالى عنها: "أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين". [الزخرف: 18].

وبقول قتادة: ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتها على نفسها.

وأن عملها في المحاماة سبب لاختلاطها بالرجال، وهجرها لبيتها مما يؤدي لضياع أسرتها، وقد يضطرها عملها للخلوة بموكليها.

ولكنه مع ذلك قرر أنها تملك الترافع عن نفسها وغيرها، والمحظور في نظره هو حصولها على رخصة المحاماة وامتهانها لها، إلا في حال وجود أماكن مقتصرة على النساء لتنتفي الإشكالات.

والحقيقة أن استدلاله بالآية وقول قتادة يبطل ما قرره من جواز ترافعها عن غيرها، لأن عليه إما أن يقرر عدم صحة ترافعها عن غيرها لكونه يخالف طبيعتها أو أن لا يستدل بكونه مخالفًا لطبيعتها.

فإن من حمل الآية على النساء من المفسرين قال إن المرأة غير قادرة على تقرير دعواها وإقامة حجتها لنقصان عقلها وضعف رأيها .

وهذا يستوي فيه ترافعها عن نفسها، وعن غيرها وامتهانها للمحاماة.

مع أن لهذه الآية تفسيرًا آخر بأن المراد بها: الأصنام المصنوعة من الحلي ذهبًا وفضة، فإنها ساكتة عن الجواب لا تبين، ولا ترجع قولاً.

على أن هذه الآية تعيب على المشركين نسبتهم البنات لله سبحانه، في الوقت الذي كانوا يعيبون البنات بما ذكر، فهو من التنـزل في الخطاب. والله أعلم.

وأمّا بقية ما ذكره فإنه ينطبق على كل عمل تمتهنه المرأة سواء كان في مجال الطب أو التعليم أو غيرها، بل وينطبق على ترافعها بدون حصولها على رخصة محاماة.

وما سبق يظهر أن المرأة لا يوجد – في الشرع، ولا النظام – ما يمنع عملها في المحاماة. والله أعلم.