صراع الإنسان المغرور والبكتيريا الذكية
بواسطة aalsarkhy في 07 أبريل 2015
الموت كان مصير كثير ممن أصيب بتلك الأمراض التي تسببها الكائنات المجهرية المسماة بالبكتريا، وكانت الأوبئة والأمراض تتناوب على البشر وتقضي على أعداد كبيرة منهم بلا هوادة، مثل السل وذات الرئة والخُراجات والتهابات الجروح، وقتها لم يكن أمام الأجيال السابقة سوى رفع راية الاستسلام، وهذا لم يكن له سوى معنى واحد، الموت أيضاً.
كانت الأمور بهذه الصورة المأساوية وأكثر، حتى جاء ذلك اليوم من عام 1979م، عندما يسّر الله عز وجل على يد العالم الفرنسي «ألكسندر فلمنج» اكتشاف البنسلين، كأول مضاد حيوي فعّال ضد البكتيريا وكان الفتح، حتى أن هذا الاكتشاف يُعتبر واحداً من أهم اكتشافات القرن العشرين.
ما يطلبه المشاهدون
ومنذ ذلك الحين انطلقت مصانع الأدوية لتنتج أطناناً من المضادات الحيوية في تجارة تقاس عائداتها بالمليارات، وانطلق الناس يبتلعون هذه الأطنان بوصفة أو بدونها لأي مرض، وكأنما هذه المضادات الحيوية هي الدواء السحري لكل داء، وتنازل بعض الأطباء عن قناعاتهم الداخلية – خاصة في المراكز الصحية الخاصة- أمام ضغط المرضى ليكتبوا لهم ما يطلبونه اتباعاً لقاعدة «ما يطلبه المشاهدون» وتناسى الطرفان في لحظة تلك العواقب التي قد يسببها تصرفهم هذا، وكان أن ظهرت الكارثة!
لم تعد بعض أنواع تلك المضادات ينفع، فقد بطل مفعولها واستطاعت تلك المخلوقات الصغيرة – وفيها انطوى السر الكبير – أن تكتشف كلمة السر في هذه المضادات وأن تفك شفرتها، لتنتج أجيالاً جديدة تستطيع مقاومتها.
والضحية… الكبد
وبدأت جولة جديدة بين الإنسان والميكروب، ملؤها التحدي من الميكروبات لكسر غرور هذا الإنسان المستهتر، وملؤها الإصرار من العقل البشري للبحث عن بدائل جديدة من المضادات الحيوية، ليس حفاظاً على ماء وجهه فقط بل حفاظاً على حياته أمام هذا المخلوق المجهري، لكن المعادلة ما زالت ناقصة، فما زال الناس يبتلعون الأطنان من هذه الأقراص بسبب وبدون سبب، مع أقرب لفحة هواء، أو نزلة معوية، أو حتى ارتفاع طفيف في درجة الحرارة، وكأن كل إنسان قد أصبح طبيب نفسه وأهله وأولاد الحارة، لما لا والبقالات – عفواً أقصد الصيدليات- تبيع المضادات الحيوية لكل من دفع وكأنها تبيع العلك، والرقيب في سبات عميق.
لقد أمسينا الآن نرى التهابات ميكروبية معتادة لا نستطيع علاجها بالمضادات التقليدية، فهي لا تكاد تمس الميكروبات إلا باستحياء، ولكنها تعض كلانا وأكبادنا بصفاقة.
إن الصورة قد تكون أخطر مما نتوقع، فربما يأتي اليوم الذي يموت فيه الآلاف من البشر بسبب مرض كان له علاج في يوم ما كمرض مثل السل الذي عاد مكشراً عن أنيابه، نعم قد تكون الصورة متشائمة لكنها الحقيقة التي يجب أن نعيها جميعاً.
ولكن، هل الخوف من مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية هو مصدر الخوف الوحيد على صحة الإنسان جراء هذا الاستهلاك المجنون للمضادات الحيوية؟ هل ابتلاعنا لأطنان الأقراص من هذه المضادات يمر هكذا دونما ضرر على أجسادنا؟
اسألوا أكبادنا كم تُستنزف خلاياها في محاولاتها المضنية لتصفية ما تبقى منها في أجسادنا، واستنطقوا كلانا عن الكميات الضخمة من هذه الأدوية والتي من المفترض أن تطردها الكلى، اسألوا الأجنة كم تضررت وتشوهت جراء بعض هذه المضادات التي تؤخذ دون استشارة الطبيب، حتى الميكروبات النافعة في أمعائنا، والتي تشكل في أجسامنا أحد خطوطه الدفاعية الصديقة، نأتي نحن ونقتلها بالكميات الكبيرة من المضادات التي لا نحتاجها، والتي لا تُفرق بين الصالح والطالح من الميكروبات، ليموت حلفاؤنا بنيراننا الصديقة تاركين داخلنا ثغراً خاوياً، لا يلبث أن تحتله البكتيريا الضارة التي لن ترقب فينا إلاً ولا ذمة.
إننا نحتاج إلى وقفة صارمة مع أنفسنا حتى نحميها أولاً، ونحمي الأجيال القادمة ثانيًا، تلك الأجيال التي قد يأتي يوم ما يُقال فيه إنها ماتت بسبب مرض كان له علاج في يوم ما، وعندها لات حين مندم!
نشرت في صحيفة رسالة الجامعة 29 مارس 2015
http://rs.ksu.edu.sa/125416.html
