مقالات منتقاة..
القراءة البحثية
د. عبدالكريم العبدالكريم
القراءة هي مفتاح العلم والثقافة، وهي تمثل معياراً من معايير تقدُّم الأمم، وارتقائها، وأصبحت القراءة في عصرنا الحاضر أسهل بكثير من عصور فارطة؛ ذلك أن الكتاب أصبح يطبع بطباعات فاخرة،...بل تعدَّى الأمر إلى تحميل الكتب في أجهزة الجوالات النقالة، والأجهزة الكفية الأخرى، فأصبحت المكتبة لا الكتاب رفيقاً دائما للإنسان في حضره وسفره.
وحينما نقلب صفحات التراث نجد نماذج من القرَّاء المتميزين، ينهلون من الكتب بنهم كبير، وبحرص واضح ، وبهمة عالية . يقول ابن الجوزي –يرحمه الله - " ... ما أشبع من مطالعة الكتب ، وإذا رأيت كتابا لم أره فكأني وقعت على كنز ، ولقد نظرت في بيت الكتب الموقوفة في المدرسة النظاميّة ، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف كتاب ...".
و الشيخ علي الطنطاوي في العصر الحديث يمثل أنموذجا فذا للقارئ الحاذق، فكانت قراءته ينبوعا من ينابيع ثقافته الموسوعية. يقول في ذكرياته :" قلتُ : ومن يقرأُ أكثر مني ؟ أنا من سبعين سنةِ إلى الآن ، من يوم كنتُ صبياً ، أقرأُ كلَّ يومٍ مئةَ صفحة على الأقل ،وأقرأُ أحياناً ثلاث مئة أو أكثر ، ما لي عمل إلا القراءة ، لا أقطعها إلا أن أكون مريضاً أو على سفرٍ ، فاحسبوا كم صفحة قرأتُ في عمري . لقد قرأتُ أكثرَ من نصفِ مليون صفحة وأعرفُ من قرأ أكثر مني كالأستاذ العقاد والأمير شكيب أرسلان ومحمد كرد علي ومحب الدين الخطيب رحمهم الله ".
ومن يقرأ في سير العلماء والمفكرين سيجد كما هائلا من القصص والأحداث الدالة على عنايتهم بالقراءة، والانتفاع بها، حيث كانت سبيلاً للاستزادة من العلوم الجديدة، وملاذا لهم إذا داهمتهم الهموم، وهواية أدمنوها إلى حد انزعاج محيطهم بعزلتهم ، وانكبابهم على الكتب ، ولهثهم وراء الجديد في عالم الكتب.
إن القراءة اليوم بقيت حاضرة في ثقافة الأمم المتقدمة، وهي أصناف ، فمنها : قراءة التسلية، وقراءة التثقيف، وقراءة الانتظار، والقراءة البحثية، ولكل لون من ألوان القراءة مايناسبه من كتب ،ووقتٍ، ومستوى تركيز، والحديث في هذا يطول، غير أن مايعنيني –هنا- هو القراءة البحثية، التي تعتمد على الاستقصاء، والتركيز، وتكرار القراءة للكتاب، واستخدام القلم الرصاص للتعليق، وغير ذلك من أبجديات تعين الباحث على الاستفادة مما بين يديه من كتب.
إن القراءة البحثية تنبع من حاجة القارئ إلى تحقيق مسألة ما، أو النظر فيها، أو مناقشتها وفاق منهج علمي للاستنباط، والتدليل، وهنا يجد الباحث أنه محتاج إلى القراءة، والبحث عن المصادر والمراجع التي تعينه على تحقيق مراده، فليبدأ باستقراء المصادر والمراجع، وترتيبها حسب الأهمية، والاقتراب من قضيته البحثية، إثر ذلك سيحتاج الباحث إلى جو هادئ مركّز، يستطيع من خلاله أن يقرأ بدرجة تركيز عالية، ولابد أن يستوعب الفكرة في المصدر كاملة، وقد يخطئ بعضهم ، فيقرأ جزء ويترك جزءاً ، وربما يكون فيما ترك رأي آخر، أو دليل مهم، ولذا فنبذ الاستعجال منطلق مهم لهذا اللون من القراءة.
كما أن اصطحاب قلم الرصاص، وأوراق خارجية مهم للباحث، وإن شاء فليصور مايريده من مسائل، ومقالات، ثم يكسوها بتعليقاته واستنتاجاته، فربما طرأت على الباحث فكرة ، وطلبها فعزَّت عليه، وتدوينها قيدٌ لها .
ومما يحتاجه الباحث في القراءة البحثية أن يكرر القراءة، فربما ظهر له شيء، ووجد خلافه في القراءة الثانية، ولعل استشارة ذوي الخبرة ، والمتخصصين تسهم في رفع بعض إشكالات القراءة ، وتوضح الغامض، وتزيل المبهم.
ومن الأمور التي لابد من الإشارة إليها في بعض التخصصات أن طبعات الكتاب ، وتحقيقاته، وتعليقاته قد تتغير، فالمرور السريع على الطبعات، واستشارة المتخصصين قد تختصر عليك وقتاً وجهدا.
إن القراءة طريق للتعلم، ومنارٌ للتثقيف، ومتعة يجد فيها القارئ سياحة لايشعر بلذتها إلا من جرّب ، وعاش مع الكتاب، فكان الكتاب أنيسه في الوحده، وقائده في الظلمة...وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البحث .. علم أم فن؟؟ سعود موسى الصلاحي
البحث .. علم أم فن؟ يظل هذا السؤال محوراً أساسياً في معظم النقاشات حول المصطلحات والمفاهيم التي يشترك في بنائها جانبين: المعرفة (النظرية) والممارسة (الخبرة). فعلى سبيل المثال يواجهنا هذا التساؤل في أكثر من مجال في العلوم الاجتماعية، قد يكون أحدها: هل الإدارة علم أم فن؟ أو هل التدريس علم أم فن؟ ويظل أصحاب الشأن في هذا المجال منقسمين في الإجابة، فمنهم من يرى بأنها علم ومنهم من يرى بأنها فن، و لكن الغالبية ترى بأنها مزيج مشترك من العلم والفن.
فهل هذا ينطبق أيضاً على مفهوم البحث؟
البحث بمعناه العلمي عبارة عن محاولة جادة لاكتشاف المعرفة، والتنقيب عنها، وتطويرها، وتحقيقها بتقصٍ دقيق، ونقدٍ عميق، ثم عرضها عرضا مكتملا (الرفاعي، 1998). كما عرَّفه آخرون بأنه "التقصي المنظم حول ظاهرة معينة باستخدام أساليب ومناهج علمية محددة، بهدف التوصل إلى نتائج أو حقائق يمكن تعميمها". وبهذا يتضح بأن البحثَ عمليةٌ علميةٌ ممنهجةٌ، وتنطلق من فلسفةٍ محددةٍ يعتقدها الباحث أو يختارها بناءً على مناسبتها لموضوع البحث المراد. ويتضح من التعريف بأن البحث ليس بالعمليةِ الصعبة أو المستحيلةِ؛ في ظل توفر مراجع العلم وكتب مناهج البحث وفلسفاته وطرقه. وفي ضوء ماتقدم يكون البحث علماً خالصاً.
غير أن علمية البحث لاتخلو من تأثير قدرات الباحث وإمكاناته الفنية، فلكل باحثٍ بصمته الخاصة التي تتجلى في كيفية صقْلِ تلك القراءاتِ و إعادةِ صياغتها وربطها بواقع البحث بأسلوب الباحثِ وديباجتهِ و من ثم تأصيل هذا الربط و تدعيم مبررات اختيار المنهج والطريقة التي يستخدمها لجمع بيانات بحثه ليُخرجه كحُلّةٍ مصبوغةٍ بصبغته الفنيةِ الخاصة به. وهنا يتجلى الجانب الفني في عملية البحث.
وعلى الباحث الجيد أن يكون قارئاً جيداً، فمن خلال القراءة الواسعة يمكنه أن يلمّ بأهم ما كتب عن موضوع بحثه من بحوث ودراسات سابقة ذات صلةٍ مباشرةٍ أوغير مباشرةٍ ببحثه. كما يتوجب عليه أن يكون "دقيقاً في فهم أراء الغير وألا يأخذها على أنها حقيقةٌ مطلقةٌ أو ثوابتٌ مسلمٌ بها. والباحثُ الجيد أيضاً لا يقيس الأمورَ استناداً على وجهة نظره البحته بل يعتمد مجموعةً من الفروض والنظريات ويخضعها لدراسةٍ منهجيةٍ ويفحصها بدقةٍ إما ليؤكدها أو ينفيها، أو يدرس الظاهرة لاستكشافها وسبْر أغوارها، أو يدرس مشكلةً لتغيير واقعها أو ليزيد وعي الناس بها. كما يلزمه التأكد من أن بحثه سيقدم ابتكاراً أو يضيف جديدا" ، وعليه أن يكون قوي التأثير من خلال عرضِ الشواهدَ والمبررات و استخدام لغةٍ أكاديميةٍ وعلمية.
جميع ماتقدم لايعفي الباحث من أن يكون على درايةٍ علميةٍ بتصميم و إجراءات ومكونات البحث، وهو ما سنتناوله في مقالنا القادم بإذن الله، فانتظرونا ,,,
