الدراسات النقدية عن رواية 23 يوم

يسعدني نشر دراسة المقاربة التي كتبها سعادة الناقد د. حسين المناصرة, حول رواية "23يوم" والتي جرت عبر استضافة نادي أبها الأدبي للمناصرة, في ليلة احتفائية برواية "23يوم" تم خلالها نقد الرواية من قبل الدكتور المناصرة, أعقبها حفل توقيع وعشاء.
ونشرت أغلب الصحف السعودية تقارير صحفية عن الرواية, مثل جريدة الوطن والشرق والرياض والمدينة والبلاد والمجلة الإخبارية.
رابط تقرير جريدة الشرق السعودية عن رواية"23يوم" لعبدالله سعد/ http://www.alsharq.net.sa/2012/07/05/378258

وأترككم الآن مع الدراسة:

منابع اللغة  السردية
قراءة في رواية " 23يوماً" لعبد الله سعدالعمري
                                 بقلم : د. حسين المناصرة
 
 
·       مقدمة
أحياناً، تبدو الرواية الأولى لكثير من الروائيين سيرة ذاتية أو مكوَّناً حميماً من سيرهم الذاتية؛ لأنها تجربة أولية مسكونة باحترافية معرفة الذات من جهة، وتعبر عن تجربة معيشية، تستحق أن تكتب وتنشر  في منظور كاتبها من جهة أخرى، وهي ربما حالة فرح أو  حزن بالكلمات من جهة ثالثة ..إلخ!!
لكن أن تسعى الرواية الأولى  إلى أن تكون تجربة إنسانية متكاملة نسبياً، باستثناء صفحات محدودة  تمثل سيرة كاتبها، فهذا يعني أن تلك التجربة الإنسانية عميقة ومختمرة إلى درجة أن تكتب صاحبها قبل أن  ينوي كتابتها بآليات الباحث أو الإعلامي؛ فهي تجربة  إنسانية كيميائة  إبداعية ، لا بدّ أنها ستخرج  في ثوبها الفاعل المؤثر، وبأحاسيس صادقة ذات سقف عالٍ تجاه صراع غير متكافئ، بين قوة صهيونية شريرة تمتلك أسلحة القتل والدمار كاملة، وقوة أخرى تتمثل في شعب فلسطيني شبه أعزل، تُدمر بيوته فوق أطفاله ونسائه، دون حول أو طول، باستثناء  الأمل بالله سبحانه وتعالى.
عندما تقرأ هذه الرواية القصيرة نسبياً، لا بدّ أن تشعر بأنك أمام عمل سردي ليس تاريخياً ولا إعلامياً، وليس أدب مقاومة، أو إيديولوجيا "شوفينية"... إنه قصيدة شعرية طويلة ... أو  وهج إنساني تأملي ... أو  فانتازيا "اللامعقول" ...
بدت هذه الرواية أبعد ما تكون عن اللغة العادية السكونية التراتبية التي يمكن أن توحي بأنها مملة... وكذلك أبعد عن أن تصل فيها إلى نتائج  أو أحكام جمالية غير مبشرة بخير من خلال عشر صفحات أو أكثر... بدت  لغة السارد – في عمومها –إبداعية متدفقة متنوعة  متناصة ، ومن ثمّ فإنها إشكالية  في مستوياتها اللغوية، الأمر الذي برر عنوان هذه المقاربة "منابع اللغة"، كمدخل جمالي إشكالي، يمكن تفحصه في سياقات عديدة: العنوان، والأنثى، والإعلام، والحوارية، والوصف، وخصوصية المكان، والموت، والمقاومة، وكسر السرد، وفلسفة الواقع التراجيدي، وكنز الواقعية السحرية، والنهاية المفتوحة...وغيرها؛  وهي المفردات  التي شكلت العناوين الفرعية  في هذه المقاربة.
1-      فضاء العنوان
يفضي عنوان  الرواية الرئيس "23 يومًا" والعنوانان الفرعيان: العربي "عملية الرصاص المسكوب"، وقبله العبري"מבצעעופרתיצוקה" (مڤتسع عوفرت يتسوكه-عملية رصاص مسبوك) إلى اجتياح  الكيان الصهيوني  لغزة في أواخر عام 2008، فيما شاع في الإعلام بـ "عملية الرصاص المصبوب"؛ أي إن" المصبوب " تعني أن يكون الرصاص سائلاً، بفعل النار، فيصب أو يسكب، أو يسبك... ومن ثمّ تفضي هذه الكلمات الثلاث الإعلامية (مصبوب)، والعبرية( الترجمة الحرفية: مسبوك ) والسردية (مسكوب)... إلى دلالة  أو إشارة وحيدة تكشف عن  طبيعة الحرب المدمرة التي خاضها كيان الاحتلال الصهيوني ضد الفلسطينيين في أكثر منطقة في العالم كثافة سكانية، ما يؤكد معاناة الإنسان العربي الفلسطيني وتضحياته الهائلة  بفعل آلات المجازر الصهيونية الإجرامية.
من هذا الفضاء الذي تتشكل فيه عناوين الرواية الثلاثة، تغدو الكتابة عن غزة عربياً أو عالمياً ذات أبعاد إنسانية  في الدرجة الأولى، وهي كتابة لا تحتاج إلى تجربة يخوض فيها أي كاتب المعاناة الحاصلة بسبب هذه القوة  الصهيونية العظمى التي تهيل الرصاص أو تصبه على البشر والحجر والشجر... بحيث يصبح الإنسان تحت هذا الركام المتشكل من هذا الفعل الوحشي حكاية أو حكايات فاجعة، لا بدّ أنها ستلهم المبدعين درجات عليا من التفاعل  بها؛ لتخرج نصوصهم المتخيّلة ربما أكثر  واقعية من الواقع نفسه بطريقة أو بأخرى، وذلك بعد أن غدا  هذا الواقع (أو هذه الحرب غير المتكافئة)  أكثر تخييلاً من أي خيال موغل في التخييل والأسطرة. وكثيراً ما ردد غسان كنفاني صاحب رواية "أم سعد" أن الواقع الفلسطيني في ظل الاحتلال الصهيوني، وما نتج عنه من شتات في المخيمات، وما يتعرض له من مجازر عديدة، قد غدا أكثر تخييلاً من الخيال؛ أي أنّ ما يحدث في الواقع الفلسطيني هو أكثر غرائبية مما نتخيله في الخيال الغرائبي أو العجائبي، وهذا ما يحدث في سوريا اليوم على أيدي عصابات الشبيحة ورعاع الحشاشين الجدد.
2-       الأنثى بطلةً
اختار السارد ( عبد الله سعد)  بطلاً لروايته  أنثى، ولم يختر ذكراً... قد نفسر ذلك تفسيراً إشكالياً، يفضي إلى  كون الحرب الفعلية حرباً نفسيةفي مثل هذه الحرب الجائرة أو غير المتكافئة، أي إنها تعدّ ذات أبعاد نفسية بالدرجة الأولى. ولعلّ أبرز المواقع التي تتشكل فيها  الأزمات النفسية داخل الشخصيات، هي مواقع إنسانية المرأة الأنثى تحديداً،  في حرب  يعد الذكور فيها وقودها  الجسدي لا النفسي؛  لذلك يصبح التكوين الأنثوي النفسي محفزاً للمبدع؛ كي يتغلغل داخل أعماق هذه النفس البشرية الرقيقة، وهي تتشكل من خلال حجم المعاناة وتفرعاتها في حراك تراجيدي للأنثى بطلةً أو شخصيةً رئيسة؛ لأن  السارد ليس مؤرخاً ولا إعلامياً، بقدر كونه صاحب رؤية جمالية متكاملة، وتعدّ الرواية سيدة الكتابة الإبداعية اليوم  في إنتاج كثير من الرؤى والجماليات والمواقف والخطابات ...إلخ.
يضاف إلى ذلك أن المرأة الراوية أو البطلة  تجعل من الرواية خطاباً بعيداً عن نمطية الكتابة السردية الذكوريةالخطابية الاستعلائية  في الحروب؛ أي أن يدعي كل فريق  أنه المنتصر، من خلال أنماط السرد الذكورية إعلامياً وإبداعياً، وحينئذ تصبح  الكتابة السردية مجرد  تجريد للأحداث في مستوى الدفاع عن إيديولوجيات محددة، على طريقة انتصارات المهزوم التي تشير إليها حركة حماس -على سبيل المثال-بعد هذه الحرب، ومن ذلك انتصارات حزب الله بعد اجتياح الكيان الصهيوني لجنوب لبنان، في المنظور "الشوفيني" عند هؤلاء المهزومين المنتصرين، علماً بأن الهزيمة ظاهرة إنسانية محضة، عندما تتعلق بمجابهة الإنسان شبه الأعزل  لآلة الحرب الصهيونية التي تجتاح غزة  جواً وبحراً وبراً، كما اجتاحت مخيم جنين وجنوب لبنان  قبل ذلك.
هكذا تشكلت في بداية الرواية  شخصية الفتاة الفلسطينية" زهرة بنت محمد هاشم"، ابنة الثمانية عشر عاماً، وهي تعيش مع أمها "انتصار"، بعد أن فقدت أخاها ( شادي) شهيداً في إحدى مواجهات انتفاضة الحجارة لجيش الاحتلال الصهيوني، هذا الجيش الذي  تعوّد على أن يصب الرصاص على الأطفال صباً،وكذلك فقدت أباها، الذي فقد بصره  في أثناء سجنه تسعة أعوام في سجون الاحتلال أيضاً، ثمّ توفي بوباء التهاب الكبد الذي أصابه في السجن... فأسماء: زهرة، وانتصار، وشادي في هذه العائلة المتفائلة المحبة للحياة كما تظهر في سيميائية أسمائها، توحي  بإنسانية الإنسان التي تستلب بمدافع الكيان الصهيوني أو رصاصه المصبوب في سياق الشهادة والموت !!
يختزل السارد من خلال شخصية "زهرة" مكونات الشخصية الفلسطينية، فهي الفلسطيني المحاصر بالجيش والجدران والحواجز والمعابر، المكبل بجوعه وفقره وشقائه وخوفه وعزلته، المتشكل في فلسفته وثقافته وتدينه  الأكبر من عمره بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين، المسكون بكوابيس التفكير  بمصيره، وأرضه المحتلة، ووحدته الوطنية والحصار الذي يخنقه... إلى درجة أن يغدو اسم "زهرة" (هذه الزهرة التي تذبل سريعاً)لا ينسجم مع الواقع الذي تعيشه هذه الشخصية في زمكانية الاحتلال على أرضها المحتلة، تقول:" لماذا لم أكن (حنظلة! أو ليمونة!)هذا هو الاسم المناسب لهذه البيئة ! آآه!"([1]). كذلك نجد أنّ أمها " انتصار"  لا يتحقق انتصارها إلا من خلال قدرتها على التحمل والصبر على فقد الابن والزوج، ،وتربيتها لابنتها، وصمودها مع هذه الابنة، في مستوى هذا الصمود غير القابل للانكسار أو الهزيمة، وكل ذلك من خلال شعرية هذا السرد  في التعبير  عن تجذر الزهرة بأرضها بعد أن غدت حنظلة أو ليمونة بالضرورة، في رمق من الأمل الذي يصارع  الموت :"لم يبق لزهرة سوى شمعة أمل أضناها التعب من الاشتعال، والريح تحاول وأد هذا النور، ودفن هذا المستقبل المحفوف بكامل الخطورة"([2]).
لكن"زهرة" تختلف عمن حولها، في كونها" أديبة أريبة تنظم الشعر وتعشق الكتب، بل وتسحر بمنطقها الناعم العقول"([3])، وهي مغامرة تحقق أهدافها رغم استحالتها، ولهذا السبب أو لغيره تتوافق العلاقة  العاطفية بين السارد المبدع  وبطلة روايته المبدعة أيضاً، وهذا يعني  حرص السرد على إبراز شاعرية  الحرب  في كونها حرباً مدمرة من جهة، و أنها تبرز الشخصية الفلسطينية القادرة على أن تتحمل كل هذا الدمار الذي  ينهال عليها من جهة أخرى؛ لأنها شخصية صاحبة حق متمكن في الأرض والسماء معاً، كما هو حال العلاقة بين زهرة الأرض  وهديل السماء؛ باعتبار  الفتاة "هديل" صديقة  لزهرة  في الجيرة والمدرسة والأحلام .
إذن،  يعدّ تَشَكُّل معظم شخصيات الرواية من النساء: زهرة  وأمها، وهديل  وأمها، وبثينة النجار ، ونساء أخريات... بعداً إشكالياً،  يجعل هذه الرواية أقر ب إلى بنية العلاقات الإنسانية في مواجهة مارد الاحتلال الصهيوني المجرم.
3-     حاسة الفلسطيني السادسة
شكّل الاحتلال الصهيوني في حياة الفلسطيني حاسة سادسة، هي حاسة الشعور أو التوقع بما سيحدث على أيدي مجرمي الحرب هؤلاء، وهنا يتشكل التوقع بصفته استجابة طبيعية  للمعاناة اليومية، ولكنها معاناة تصبح جحيمية من خلال هذا  القصف المتواصل جواً  وبراً وبحراً على غزة وغيرها. لهذا حمل صباح اليوم الأول للحرب -قبل أن تبدأ-  إحساس هذا الفلسطيني بالمصيبة، سواء أكان  هذا الإحساس من خلال الروائح الكريهة التي انبعثت مع الفجر، أم من خلال التشبع بالتوجس المنبعث من الشعور بحدوث شيء ما، أم من بعض التصرفات على طريقة شر البلية ما يضحك... هذه ثقافة شعبية دارجة في المجتمع الفلسطيني، لا تدخل في باب التطيّر؛ لأنها ثقافة  تكشف عن أن الاحتلال الصهيوني، يحمل في كل حين من الإجرام ما يؤكد أنه شر مطلق، وبذلك لا تطيُّر في هذا التوقع أو التوجس أو الإحساس بوجود شر  الحرب داخل إنسانية الإنسان في وطنه المغتصب .
وبعد أن تبدأ الحرب، فليس هناك إلا الرصاص المصبوب من الطائرات الصهيوينة على أنفس لم تعد تتوجس؛ لأنها ألفت "دوي الانفجارات وصوت القذائف، وزمجرة القنابل! في بضع ساعات لم يعد يشكل لهذه الأنفس أنّ ما يجري هاجس؛ إذ انضموا جميعاً  لفكرة المقاومة، وصخرة الصمود([4])، من منظور أن المقاومة والصمود، ومن ثمّ التضحيات والخسائر الفادحة هي خيار هذا الشعب في مواجهة هؤلاء المجرمين، الأمر الذي شكل حاستهم السادسة، نحو توقع الشر والإجرام الصادر من هؤلاء المستعمرين المستوطنين القتلة. وتعد هذه الحاسة جزءاً  من بوابة التخييل في كتابة الرواية.
 
4-     السياق النفسي
يلتفت السارد في الفصل الثاني أو اليوم الثاني  للاجتياح إلى البعد النفسي لدى البطلة( زهرة)، فإذا كان اليوم الأول يحمل في طياته حاسة التوجس، ثم هجمة الرصاص المصبوب الأولى، فإن اليوم الثاني الذي لم تغب عنه الانفجارات، تبدو الحالة النفسية  فيه أكثر إشكالية من غيرها، حيث البعد النفسي للفلسطينيين أكثر تماسكاً ووحدة في سياق الحرب.
تحضر لغة "الشعب الجبار" في وحدته وتكاتفه، وهذا ما يؤكد هويته على لسان الأم (انتصار) بقولها:"إحنا مثل الماء كل ما بيتفرق بيجتمع من جديد"([5])، وهذا أيضاً ما يكسر  -في المنظور السردي- الآلة العسكرية الصهيونية وما تحمله من حرب نفسية من جهة، ويؤكد صمود هذا الشعب رغم العجز العربي، وامتلاء محطاته الفضائية بالحفلات الغنائية وبرامج التسلية والترفيه من جهة أخرى، بل يتبع ذلك أن يرفض الناس طلب "الحكومة المقالة" بأن يتركوا بيوتهم، ويتوجهوا إلى الملاجئ ومدارس الأونروا ، ومن ثمّ فهم يصرون على البقاء في البيوت في مواجهة قدرهم المحتوم في الصمود على أرضهم وداخل بيوتهم:"رامين كلمة نابليون ( ينبغي إنقاذ الشعوب رغماً عنها) بالحجارة"([6]).
يحاول السارد (الكاتب) أن يتغلغل بوساطة إشارات عديدة إلى أعماق النفس الفلسطينية خلال الحرب–ولا أميل إلى استخدام ألفاظ الغزية والغزاوية- في مواجهة قوة صهيونية مجرمة في ظل عجز عربي وعالمي، وواقع فلسطيني مجهض بالفقر والكوابيس والتشرذم قبل الحرب تحديداً.
ولعلّ أهم مؤشرات النفس المطمئنة للفلسطيني أنها تتولد من خلال إيمان الشخصيات الفلسطينية المطلق بقدرة الله على حمايتهم، ووقايتهم مما يصبّ عليهم من دمار وموت؛ لهذا يكثر السارد من التناص مع الإشارات الدينية المُطَمْئِنة(آيات وأحاديث)،التي تفضي إلى الإيمان بالقضاء والقدر خيرهما وشرهما . وهذه هي فكرة الخلود والاطمئنان إلى السلامة النفسية في مواجهة شبح الموت.
5-     توظيف لغة الإعلام
يشكل الإعلام (التلفاز)  وسيلة رئيسة في التعرف إلى الحرب ،وإلى ردود الفعل في العالم؛ لهذا تبدو أخبار "عاجل" لافتة للشخصيات التي انقطعت صلتها بالعالم، والتي تعد التلفاز وسيلة وحيدة – عندما تكون هناك كهرباء-  لمعرفة ما يجري حولها، وهي الشخصيات التي لم تعد تسمع سوى أصوات الانفجارات، ولا ترى غير شموس القنابل الحارقة؛ لهذا يصبح النوم لديها بعين واحدة؛  لتحدق العين الأخرى بالتلفاز ومداخل الأبواب.
في العموم، تبدو صورة الإعلام العربي سيئة في الذاكرة الفلسطينية، وهذا ما تقدمه هذه الرواية في مستوى  الانتقاد للإعلام العربي بلسان شخصيات فلسطينية، ليس عبثاً أن تكون جَدًا وجَدّة، باعتبار  الأجداد من ذوي الخبرة العالية  في الاكتواء بسلبية هذا الإعلام، الذي يخدم – في عمومه- السياسة الصهيونية، ومن ثمّ لا يخدم المعاناة الفلسطينية : "الجد يقول: إنتو بس تطلعوا صواريخ المقاومة! وتقاطع الجدة: وين الحصار والجوع اللي عايشين فيه4 سنوات؟ وألحين حرب المطر! وش سويتوا لنا؟... الجدّ ... بعض القنوات كلها رقص وأغاني، إذا جاءت الأخبار  طلعوا صواريخ المقاومة، وأطفال إسرائيل!"([7]).
يكشف هذا النمط من التحليل الشعبي العميق لفشل الإعلام العربي المستَلب في مواجهة الإعلام الصهيوني المهيمن،عن درجة عالية من الوعي، بل إن  هذا الإعلام غالباً ما يخدم مكر هذا الكيان؛ عندما تبدو صور الصواريخ الفلسطينية في هذا الإعلام كأنها تدمر  المستوطنات الصهيونية أو أطفال الصهاينة تحديداً؛ ليغدو  الوضع الفلسطيني وفق هذا التصور الإعلامي في سياق الضحيّة التي تتحول إلى جلاد، والجلاد الذي يتحول إلى ضحية – في المنظور السردي!! 
وكثيراً ما تكشف هذه الرّواية المعنية بالتعمّق في إشكاليات الواقع الفلسطيني، عن هذه الظواهر اللافتة المستنبتة تاريخياً وواقعياً لمصلحة الكيان الصهيوني الذي يملك طاحونة إعلامية مهيمنة!!
6-     الحوارية والوصف
تجاوزت اللغة السردية السرد التقريري، إلى الاحتفاء بالوصف بصفته تقنية سردية مهمة، تلتفت إلى التفاصيل والهوامش؛ وكأنك كمتلق  تعيش في هذا الواقع مع هذه الشخصيات، وهذا يسهم في تخصيب اللغة، وهي تحتفي بتحولات المكان بفعل الدمار، وبتحولات نفسيات الشخصيات، التي قررت أن تعيش مصيرها على صخرة الصمود التي حطت عليها رحالهم، رغم محاولات الاحتلال الصهيوني في تدمير نفسيات الناس، ودفعهم إلى الرحيل والهرب!!
وإضافة إلى تقنية الوصف، نجد مساحة للحوار  بين  زهرة وأمها من جهة، وبين هاتين وعائلتي أم هديل  وأبو رامي، وزهرة وبثينة... الأمر الذي يضفي ألفة حميمة بين هذه الشخصيات في وضع يعاني من قلة الطعام، ونفاد الماء، وتلوث الهواء، بالإضافة إلى القصف المستمر، وسقوط الجرحى والشهداء، وتدمير البيوت على سكانها!! ولعل ميل اللغة إلى اللهجة الحوارية الفلسطينية الدارجة "المفصَّحة" إلى حد ما، هو سياق لغوي يعطي  اللغة  درجة حرارة عاطفية عليا، ومن ذلك بحث زهرة عن أمها، بعد أن تصحو من التخدير  في حوار مع الطبيب والممرضة:
-  دكتور! أمي! أمي!
-  الحمد لله على السلامة يا أختي، إنت بخير إن شاء الله وما فيك إشي.
-  أمي فين ؟ فين أمي؟ ...
-  أمك إن شاء الله بخير ! أنت نامي ألحين...
-  أمي ماتت ولا شيء؟
-  وين أمي؟ جاوبي وين أمي؟" ([8]).
هناك مشاهد حوارية عديدة، كالحوار بين زهرة والصحفي، وزهرة والشاب الذي يطلق الصاروخ، وحوار زهرة مع الناس في سياق دورها الإعلامي الجديد، الذي تحولت فيه إلى صحفية مبتدئة في هذه الحرب . والأهم من ذلك أنّ حوارها مع  شاليط يعبر عن حتمية الصراع العربي الصهيوني، بصفته صراع وجود لا صراع حدود.
كذلك يتميز أسلوب السارد بالاحتفاء بالوصف، الذي يتناول التفاصيل في وصف الأمكنة والأزمنة والشخصيات، وذلك من خلال تعميق الصلة بزمكانية حراك شخصياته، وتحديداً شخصية  زهرة، ومن ذلك وصف حراك أم حمزة في أثناء الطبخ:" تطبخ أم حمزة على أخشاب عمارة مجاورة ، لم تتمكن من الاكتمال بعد! تضع حب الذرة في ماء عكر قليلاً، ويظل فوق النار لنصف ساعة، يتبادلن خلالها الحديث! ويلهو طفل خلود على أنقاض منزل جارهم المدمر" ([9]). ومن ذلك أيضاً هذا الوصف لقلق زهرة وتوتر نفسيتها تجاه خطبتها لابن التاجر الثري: " يتسم تفكيرها بالجدل! القرار السريع أو التأني! تذهب للنوم، وتطرق بابه  فلا يجيب! تتقلب كالحية! تحدث نفسها كالمجنون! ما بين إشباع العاطفة وشق طريقها إلى ما تريد!حاجتها للرجل كالنظرية الهندية للحب! فهي ولدت بنصف شطر، والذي تحبه يكون قد ولد بالنصف الآخر"([10]) .
7-     خصوصية المكان
يتشكل المكان في قطاع غزة من خلال الحرب المدمرة، حيث البيوت المردمة،  والشوارع المليئة بآثار الدمار، وحركة الناس في اتجاهات عديدة:" الركام وقطع الإسمنت المتناثر وصوت صفارات الإنذار وضجيج الإسعاف...كانت الشوارع على غير  عادة الحروب، ففي وسطها الناس غادية ورائحة! منهم من يسعف ومنهم الشارد! ومنهم من يصور! ومن تملكه الفضول ليعيش أجواء  هذه المغامرة" (ص 23) .
وتعد حركة زهرة في المكان هي الحركة  الرئيسة، بما تمتلكه هذه الحركة من فنتازيا، كوصولها إلى الأسير الحمساوي "جلعاد شاليط"، الذي تحتجزه حركة حماس في أنفاق تحت الأرض، ثم هروبها بعد أن أجرت حواراً سياسياً معه، ومحاولة عناصر حماس أن يلحقو بها  لقتلها أو أسرها  ظناً منهم أنها عميل للاحتلال، بعد أن تنكرت بلباس كتائب القسام، وكأنها أحد عناصرهم؛بسبب قصف الطائرات( نسور الجيف) لكل الأمكنة، التي تبدو صورتها على هذا النحو :"عندما خرجت على الشارع مرة أخرى!وتوارت عن الحي الدافئ؛ استلهم دموعها منطق الاشتراك بلغته البسيطة لا المذهبية!أحست بأنها عادت لأصلها، إذ لامس قلبها منظر الدماء، وشاهدت أعمدة الدخان الأبيض والسام، ورأت نسور الجيف تحوم في القطاع وتقصف!"([11]).
يبدو المكان مسكوناً بالخراب والدمار ؛ لأنه تحت الحصار والقصف والإجرام. وقد بدت الصورة الكلية للفلسطيني ملتحماً بمكانه ( وطنه) المصيري؛ لأنه لا يجد بديلاً عنه في مواجهة احتلال مغتصب، يستلب المكان بالدمار والقتل باستخدام أسلحة محرمة دولياً ضد شعب أعزل.
 
8-     إشكالية الموت
من  الطبيعي  أن  يشكل الموت في أحياء  غزة ظاهرة  رئيسة في هذه الحرب؛ وقد بدت الرواية حريصة  على إظهار فعل  الصدمة، التي تحدث  لزهرة أو لأمها أو لمن حولهما، في هذه الحرب التي تصب الرصاص والمتفجرات على الناس صباً، فيقع الموت تحت كتل الإسمنت أو على الشوارع، ما جعل رائحة الأمكنة تستشري في الهواء بسبب الجثث والأشلاء التي  لم تدفن نتيجة تواصل القصف، وقد ظهر ذلك من خلال نشر  أعداد كبيرة للشهداء، ومن ضمنهم  شهداء انهيار البناية التي تقيم "زهرة" في  قبوها، وقد مات جميع من في البناية باستثنائها، حيث كسر  ساعدها وسبابتها ورضّ ساقها، ثم كانت فجيعتها بسبب وفاة أمها  في هذا الانهيار.
في السرد، لا بدّ ألا تموت "زهرة" في هذه الحرب، في الأقل قبل أن تنتهي الرواية، والسبب يعود إلى أن اختيارها بطلة للرواية يحتم على السارد ألا يميتها  على الرغم من تعرضها للموت عدة مرات، لهذا كان بقاؤها حية  أشبه بالمصادفة أو الفانتازيا ،التي تعيدنا إلى مخزون  الحكاية الشعبية، التي تصر على انتصار الأبطال، فهل ستنتصر زهرة؟! أم أنها  ستبقى الراوية والمروية بضمير الغائب في هذه الرواية التي كانت نهايتها مفتوحة؟!
يتحول الموت إلى مشهد متكامل في حياة زهرة التي تفقد أمها بعد أن فقدت أخاها وأباها، لكن موت أمها جعلها كأنها تفقد حياتها؛ لأنها فقدت الانتصار. ولعلّ ما تشاهده في المشفى من حالات إسعافية كارثية: الأم تجهض، والطفل يسقط، والرجل يبكي، والشيخ يحتضر، حيث تبدو كأنها ملقاة على مقبرة فيها بعض حياة، ولا منقذ غير الخالق –سبحانه وتعالى- من هذه المصائب الجمّة؛ لذلك تقرر زهرة أن تخرج من المشفى، بعد أن تأخذ من الصحفي المصاب (تامر ريان) الكاميرا والسترة الواقية، وتنطلق إلى شوارع غزة  بصفتها صحفية مبتدئة  في قناة الحقيقة، وكأنَّ الإعلام في مستواه الإنساني هو النقيض للموت في هذه الحرب الجائرة!!
كذلك يصبح الموت بالنسبة إلى الفلسطينيين أرحم من الحياة ، عندما تكون هناك أساليب حربية بشعة، وبالذات من خلال استخدام الكيان الصهيوني  للأسلحة المحرمة دولياً، مثل:"الفسفور الأبيض الذي ينسج التشوه نسجاً، فيذيب اللحم ويصنع السرطان! فيترك أثراً بالغ الخطورة؛ فيفقأ العين، ويشل الأعضاء، ويبقي ضحيته في صراع دائم حول جدوى الحياة بعد الإصابة به"([12])
هكذا يشكل الموت بعداً محورياً في التهام شخصيات الرواية الرئيسة،فالكل ينتظر دوره في هذا الموت الفاجع  بفعل  القصف الصهيوني المتواصل، الذي يستل الأرواح " كيوم النحر عند القطيع"([13])، وفي ذلك تأكيد لإنسانية القضية  العربية الفلسطينية التي يتناولها  السارد في هذا الخطاب السردي  المهم في مجالي التأريخ والكتابة الجمالية  عن الصراع العربي الصهيوني.
9-     تهميش المقاومة الفلسطينية   
 تغيب فاعلية المقاومة الفلسطينية عن الرواية، وهي إن حضرت فإنها تتمثل في صواريخ  حركة حماس في الفصل السادس، ومع هذا الظهور يتشكل نقد السرد للإعلام الذي يظهر هذه الصواريخ  بجانب خوف أطفال الكيان الصهيوني منها، حتى يحرض عالمياً على الفلسطينيين، وكأنّ المقاومة الفلسطينية المشروعة هي التي تهاجم الكيان الصهيوني. 
هذه لفتة سردية مهمة جداً؛ لأن"إسرائيل" معنية مع إجرامها بحق الفلسطينيين أو غيرهم أن تظهر نفسها إعلامياً بأنها ضحية كبرى عاجزة عن التصدي لصواريخ الإرهاب الفسطيني في زعمها. من هنا بدا صوت الصاروخ الفلسطيني:"غريباً! له فحيح كالحية، وينطلق كالأعمى لا يدري أين يقع" ([14])، وهذا يفسر أيضاً كون الصواريخ طعماً أو مبرراً كي يجتاح به الكيان الصهيوني غزة، كما اجتاج جنوب لبنان، وقبل ذلك مخيم جنين؛ لأنّ هذا الكيان معني بهذا الطعم؛ وكأن المعركة حرب بين قوتين متكافئتين، أو أنّ حماس هي الأقوى والأدهى في هذه المعركة، التي تأتي فيها آلات الحرب الصهيونية على كل شيء في غزة، ولا يكاد  يحدث شيء للصهاينة على أية حال. لكن يصور وضعهم  في أسوأ أحوالهم؛ ليبرروا إجرامهم!!
هناك لفتة سياسية أخرى مهمة في الرواية تجاه المقاومة في غزة، كما تظهر من خلال الحوار بين زهرة وبثينة، فبثينة التي تريد أن تنخرط في المقاومة الشعبية الرسمية دفاعاً عن النفس، في الوقت الذي ترفض فيه زهرة هذا الانخراط، تمسكاً بـ" الرأي الذي يقول: إن المقاومة جزء من الجدار الرامي إلى تسببها في دمار الشعب وانقسامه!"([15])، هذا باعتبار المقاومة مختزلة في  "حركة حماس"، التي انقلبت على السلطة الفلسطينية، واستقلت بغزة، ربما في سياق المشروع الصهيوني الساعي إلى تشرذم الصف الفلسطيني، والتخلص من غزة التي تضم أكثر كثافة سكانية في العالم، من خلال إقامة  إمارة إسلامية هشة، في التصور العام للتشرذم الفلسطيني.
وبجانب هذه المقاومة المنتقَدة في السرد يظهر  الجانب الآخر  الأسود، وهو جانب العملاء الذين يخدمون الاحتلال، ومن هؤلاء والد بثينة النجار، التاجر الذي يتعامل مع الاحتلال من خلال استيراد البضائع التجارية "الإسرائيلية"، وهذه العمالة وإن لم تكن مباشرة فهي  تعد  في غير مصلحة المقاومة، وهذا ما يجعل ابنته "بثينة"، تتخلى عنه، وتنخرط  في المقاومة الشعبية مع زهرة! من خلال تأسيسهما لـ"جمعية حقوق الفلسطينيين" برئاسة زهرة، هذه الجمعية التي ستلاقي تأييداً -كما تتصوران- وبالذات من النساء. وهناك أحد العملاء يتجسس على  الجمعية وزهرة، بل إنه ساعد إحدى الطائرات الصهيونية على اقتناصها، إلا أنها نجت بأعجوبة، ثم يظهر دور هؤلاء العملاء وتآمرهم من خلال شخصية "العميل حاتم"، والعميل الآخر المتابع لزهرة  بصفتها (العَمَليَّة77)، والعميل التائب  سليم([16]).
10-كسر السرد
 في متن الرواية روافد عديدة، تسهم في كسر  البنية  السردية التراتبية، فتتحول هذه البنية  إلى بنية درامية، أو حوارية صحفية،أو حوارية فلسفية كونية، أو قصة قصيرة، أو حلم ( كابوس)، أو قصيدة، أو  وصف، أو مذكرات، أو ذكريات، أو خطبة دينية-سياسية، أو  رحلة، أو  تقارير صحفية، أو حكاية شعبية،أو مقامة، أو تناص مع خطابات أخرى عديدة: آيات قرآنية كريمة، وأحاديث شريفة، وحكم وأمثال، ومقولات سياسية وفكرية وفلسفية مختلفة...إلخ.  
إنّ هذا النهج -بكل تأكيد- هو إغناء للكتابة السردية، ومحاولة جادة لإعطاء الرواية بعدها الجمالي التجريبي في تعددية الأجناس، وفي هجينية الكتابة السردية، وفي تنوع الخطاب اللغوي وتعدديته، على الرغم من محدودية الشخصيات أو الأحداث في الرواية !!
يمكن بناء شجرة متنوعة  لتعددية الأجناس في هذه الرواية القيرة نسبياً، الأمر الذي جعل بنيتها هجينية، وهذه السمة تعد من أهم سمات الرواية غير التقليدية (الرواية ذات البنية السردية الحكائية). وهذا ما جعل  هذه الرواية  لم تكتمل  في ذهن القارئ إلا بعد أن يتم قراءتها كاملة.
11-فلسفة الواقع
يلجأ السارد إلى الخروج من أجواء الحرب على غزة، فيلتفت إلى الواقع الفلسطيني ذاته، في نسيجه الاجتماعي، الذي يتلقى القصف الصهيوني جواً وبراً  وبحراً؛ وذلك بصفته مجتمعًا  فيه قضايا  وإشكاليات اجتماعية مختلفة، تستحق أن تحظى باهتمام السرد. من هنا يسعى السارد إلى أن يفلسف هذا الواقع، من خلال بعض الظواهر  المهمة فيه، منها: التركيز على إنسانية القضية الفلسطينية، من خلال "جمعية حقوق الفلسطينيين" التي أنشأتها زهرة وساعدتها في ذلك بثينة، والنظر إلى المشافي الفلسطينية التي تعاني من نقص كبير في إمكانياتها في ظل حرب جائرة، وتماسك الأواصر الاجتماعية الإنسانية بين الناس في أثناء الحرب، وظاهرة ثراء التجار  في القطاع ودورهم في مساعدة الناس مادياً، وبعض ذكريات الطفولة التي تجعل زهرة ذات ارتباط عميق بماضيها الطفولي، وتشكل ظاهرة العملاء التي ولدت منذ الاحتلال الصهيوني، ما مكن هذا الكيان الغاصب من تنفيذ خططه الإجرامية بمساعدة هؤلاء العملاء، وكذلك بعض الظواهر الطبيعية الجميلة، كهطول المطر ، وغير ذلك.
في هذه المواضع  السردية وغيرها، تتكون  إشكالية جدلية السرد من خلال  تداخل الشخصيات مع واقعها بخيره وشره؛ ففي سياق العملاء المتعاونين مع الاحتلال الصهيوني- على سبيل المثال-  تحضر فلسفة السواد الكامنة في البشر، تقول زهرة لبثينة:"  كل إنسان يا بثينة يمتلك سواداً في قلبه، ينفق منه عند الحاجة وغير الحاجة! إنه الإنسان! الوحش الذي غطى بشاعته بلباسه!غطّاه نابليون بنفاقه!ونوبل بندمه! الإنسان يا بثينة أناني بطبعه، تماماً كما يقول ديفيدهيوم( تدمير العالم ولا خدش في إصبعي !)"([17]).
كذلك تغدو حال المشافي مزرية؛ لأنها لا تستطيع استقبال الأعداد الكبيرة من الجرحى، يقول الطبيب سمير حمودة في لغة إخبارية مسكونة بالمعاناة :"يأتينا في الساعة أختي العزيزة بل في الدقائق عشرات المصابين  في هذا المستشفى الصغير الذي قُصِف جزءه الجنوبي قبل يومين بالتحديد؛ليؤكد لنا هذا العدو انتفاء الرحمة منه، وضربه بكل المناشدات الدولية والإنسانية عرض الحائط"([18]).
وعندما يهطل المطر  ينسى الناس الحرب؛ ليستمتعوا بأجوائه الجميلة، وكأن الحرب غير موجودة؛ لأن الناس تعودوا على هذا العدوان، وأنّ ثقتهم بالله هي الحاضرة في نفوسهم:" في ذلك اليوم تكونت إحدى السحب الركامية وسمع الرعد! كان جواً جميلاً أدخل البهجة إلى زهرة وبثينة وكل من في القطاع . ظلوا جميعاً يتراقصون تحت المطر، وينظرون الى السماء! كأنه ليس هناك سوى مغيث واحد هو الله، وهو حقاً كذلك!"([19]). في هذه الأجواء أيضاً تعمق الصلات في التكافل الاجتماعي، كما يظهر من خلال العلاقة بين النساء، وعملهن المتواصل لتجاوز هذه المحنة الكبرى، على الرغم من معاناة كل منهنّ:" لا تستطيع زهرة اليتيمة، ولا بثينة المهاجرة، ولا خلود المترملة أن يكنّ بمعزل عن العمل، أو يضعن أنفسهن في إجازة مفتوحة!"([20]).
وتلتفت البنية السردية إلى التجار، الذين يضطرون تجارياً إلى استيراد البضائع " الإسرائيلية"، وكأنهم في هذا السياق جزء من العمالة للاحتلال، ما يحقق لهم ثراء كبيراً بجانب  الفقر الشديد في المجتمع كله، الذي يجعل أكثر من ثمانين بالمئة من سكان غزة تحت خط الفقر بسبب الحصار الصهيوني المفروض عليهم، لهذا تأتي صورة الثراء الذي تعيشه زهرة مع صديقتها بثينة في بيت والد بثينة التاجر لوحة رمزية لافتة، فتشعر  زهرة حينئذ بمظاهر الثراء في السكن والطعام، بل يطلب أحد  التجار خطبتها لابنه، ما يولد لديها صراعًا في كونها من عائلة فقيرة، ستصعد فجأة  إلى ثراء فاحش، بعد أن لجأت مؤخراً إلى حي الأثرياء الذي لم تقصفه طائرات العدو، في إشارة رمزية إلى عمالة للاحتلال بطريقة أو بأخرى: "مائدة الغداء لم تر زهرة  مثلها يوماً عدا نظيرتها في التلفاز! رغد عيش وابتسامة غنى! تؤكدها روائح العطورات وتلك المباخر المبهرة!...لا روائج أشلاء  ولا مناظر  دماء ولا أعداد شهداء داخل إطار هذا القصر!هذا البيت كأنه صمم  لمن أراد نسيان الحرب!"([21]).
وتزداد فلسفة الواقع تعقيداً في منولوجات زهرة ، وهي تعيش لحظة الصراع  في الموافقة أو عدم الموافقة على الزواج من إسماعيل ابن أحد أثرياء التجار  في غزة، ما يجعلها تعيش صراعاً ذاتياً، يتحول إلى أشعار وخطب، في عالمها الخاص، الذي غدا يموج بالسرحان الشديد والشك، و" كأنها رائدة فن الشك"([22]).
لكن فلسفة هذا الواقع الفلسطيني الإنسانية تبدو أكثر حميمية من غيرها عندما تحاول شخصية زهرة أن تعبر عنه من خلال ماضيها في أسرتها التي لم يبق منها أحد (الجد، والجدة، والأب، والأم، والأخ)، لذلك تحرص على الاحتفاظ بكيسها أو بكنزها الذي يربطها ببعض آثار ماضيها الإنساني الحميم: "هناك في الكيس الذي يحمل جزءاً من ذكرياتها  صوت ينادي عليها في هذا الوقت، لتسترجع ما تشاء من طفولتها عبر مشاهدة ما تبقى منها! تخرج من الكيس غترة جدها هاشم المرقشة بالسواد، والتي لم تفارق دولابها البني المهلهل عندما كانت في منزلها قبل الحرب! وخمار جدتها الذي  كان آخر  من صافحها عند موتها، وقميص أبيها المخطط الذي استمر يرتاده طوال العشر سنوات الماضية"([23]).
لا شك في أنّ هذا الواقع يكتنز بأكثر من هذه المشاهد المتنوعة، التي حاول السارد أن يقدمها في سياق آثار الحرب على الحياة الفلسطينية، وبذلك لم يحصر خطابه السردي في التركيز على الحرب ذاتها، حيث يعمل هذا التركيز على أن يجعل الرواية تفقد تنوع لغتها وإيحاءات دلالاتها.
12-الكنز والواقعية السحرية
 على طريقة الرواية التاريخية، نجد أنّ هناك جانبين: أحدهما تاريخي والآخر عاطفي مع وجود تنوع في الموضوعات الأخرى، فقد حاول السارد (الكاتب) أن يبث هذه الطريقة في روايته، عندما جعل زهرة في سياقها التاريخي تتشكل كشاهد عيان على ما يحدث في غزة من إجرام يرتكبه الاحتلال، وهي في الوقت نفسه  - في هذا السياق التاريخي- كانت تبحث عن كنز، لم نعرف كنهه إلا في نهاية الرواية، وأيضاً وجد في حياتها الجانب العاطفي (الحب والزواج) من خلال العلاقة الجديدة التي عرضت عليها؛ في أن تكون زوجه لإسماعيل ابن أحد أثرياء غزة، بعد ما أبدته من فصاحة وبلاغة ووعي في الدفاع عن حقوق الفقراء على مائدة الأغنياء في اجتماع التجار الأثرياء، وكأنّ هذا العرض نوع من أنواع الاستقطاب لإجهاض مشروع زهرة نحو تأسيس جمعية حقوق الفلسطينيين.
كان هناك على امتداد الرواية الرواية كنز سري، في مكان سري، تسعى زهرة للوصول إليه، وقد استعانت ببعض معارفها أو  أقاربها في الوصول إلى هذا الكنز، الذي يتلخص -في المحصلة- في بحثهاعن "جلعاد شاليط"، الذي أسرته عناصر حركة حماس، وكان أحد أهم الأسباب التي أدت إلى غزو القطاع، وكان هناك حرص شديد لدى حركة حماس في المحافظة عليه؛ لمقايضته فيما بعد بأسرى فلسطينيين  في سجون الاحتلال الصهيوني.
يذكرنا هذا البحث برحلات السندباد الخطرة، وقد لاقت زهرة خطراً كاد أن يودي بحياتها؛ إلا أنها تتمكن أخيراً من الوصول إلى نفق تحت الأرض، يحتجز فيه شاليط، بعد أن تلبس ملابس عناصر حركة حماس، التي تظهر عينيها فقط، وقد ضخمت صوتها لتبدو  ذكراً، ثم تتمكن من الوصول إلى "شاليط"، وإجراء حوار معه يتلخص في (أسئلة فلسطينية وإجابات صهيونية). 
كل ما تكبدته من عناء في هذه الرحلة كان من أجل أن تستفيد من الحوار  مع " شاليط" عالمياً، في سياق لفت أنظار العالم إلى تأسيسها لجمعية حقوق الفلسطينيين، التي أسستها وتولت رئاستها بالانتخاب. وبعد أن تنهي الحوار معه، وتسعى إلى الخروج من النفق، يشك عناصر حماس في تصرفاتها؛ فيقتلون الشاب الفلسطيني الذي ساعدها، ويلاحقونها؛ لاعتقالها أو قتلها، ظناً منهم أنها "عميل"  للموساد الصهيوني، لكنها تنجو منهم نسبياً في نهاية سردية مفتوحة، في ضوء مفهوم الواقعية السحرية   في بناء الأحداث السردية في جانب " الكنز" تحديداً.
13-النهاية  السردية المفتوحة بالضرورة
جاءت نهاية حكاية زهرة  في عالم غزة المجهض بالحرب الجائرة  نهاية مفتوحة. ربما تفضي هذه النهاية إلى رواية أخرى،  كما يصرحُ تركي  كاتبُ الرواية  في نهاية  كتابته لها... فقد تمكنت زهرة من الوصول إلى "شاليط"، وأصبح لديها تسجيل فيه حوارها معه، وتمكنت من الهروب من النفق المظلم الذي يعج بعناصر حركة حماس تحت الأرض، حيث المدخل  إليه من بين العمارات السكنية، وفي نهاية جريها الفانتازي، تختبئ تحت شجرة وارفة الظلال، لكنها لم تنج نهائياً؛ لأنّ هناك بندقية لأحد عناصر حماس تشير  إليها؛ ولا نعرف إن كان سيقتلها أو يعتقلها أو تتمكن من التمويه والنجاة منهم، خاصة أنها تخلصت من لباس عناصر حركة حماس، وعادت إلى لباسها  الأنثوي، الأمر الذي يكشف عن  تدني مستوى الشبهة بها .
 هكذا جاءت هذه النهاية  المفتوحة الملبسة، على هذا النحو:" نزعت ما عليها من الزي العسكري، فعادت كسائر الفلسطينيات المحتشمات، ومضت تمسك بيدها الحوار العربي الإسرائيلي! قفزت قبل وصول رجال الحركة من نافذة الطابق الأول التي تؤدي إلى مزرعة صغيرة، بها شجرة كين. لم تر زهرة شجرة كين بهذا الحجم الضخم ! تنهار قواها وتجلس تحتها... يا شجرة الكين! أعندك من حل لما نحن فيه؟ يا شجرة الكين! أفيضي علينا الظل دوماً! كانت ترفع رأسها  والمطاردون يحيطون بها، تسأل الجماد والنبات! تجيبها شجرة الكين بحشرجة أوراقها، وأعضاؤها تتمايل يمنة ويسرة، لاوية رأسها تقول:" لا"! ترى أحدهم يشير إليها ببندقيته!" ([24]).
هذه النهاية الحوارية الشاعرية المفتوحة لحكاية زهرة التي تذكرنا بحكايات شعبية فلسطينية كثيرة، تتحاور فيها الأنثى مع الشجر والحجر... هي نهاية تكشف عن وعي بجمالية  أن تكون النهاية على هذا النحو  من الإلغاز والترميز؛ لأن الواقع الفلسطيني غدا -كما أسلفنا-أكثر خيالية من الخيال، في ظل هذه الحرب الجائرة التي يشنها الكيان الصهيوني المحتل على غزة وغيرها، وأيضاً مع وجود تناقضات سلبية كثيرة داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.
14-الحكاية الإطارية
بدأت  الرواية  بزمكانية محددة، في الصفحة التي تلي الإهداء :"الجمعة 30ديسمبر 2008م (واشنطن- فندق فور سيزون- شارع بنسليفينا أفينيو- بالقرب من البيت الأبيض)"([25]). وقد  بدا التاريخ  والمكان  كأنهما يخصان البطلة الراوية زهرة بنت محمد هاشم ، ثم نكتشف في نهاية الرواية أنهما  يخصان كاتب الرواية  تركي  العربي الذي يدرس  في قسم السياسة بجامعة "جورج تاون"،  فهو الذي كتب رواية عن الحرب على غزة، وقد جعل نهاية الرواية  أو حكاية زهرة  تتوقف في تلك اللحظة الحرجة – كما أسلفنا، حيث يبحث عناصر حماس عن الشخص  الذي دخل إلى النفق، وأجرى حواراً مع الأسير "جلعاد شاليط".
 وهذا يعني أنّ هذه الرواية جاءت ضمن حكاية إطارية، وهي حكاية زهرة الفلسطينية داخل حكاية تركي العربي مع صديقية: اليهودي ألكس، والمسيحي مايكل، وهذه الحكاية الإطار هي حكاية مختصرة، تبدأ بتاريخ  ومكان، هما بداية حكاية زهرة : الجمعة، 16 يناير 2009م ( واشنطن -فندق فور سيزون -شارع بنسيليفيا أفينيو)، مروراً بهؤلاء الطلاب الثلاثة: عربي ( تركي) مهموم بحرب غزة ، ويكتب رواية عن هذه الحرب، ويهودي (ألكس) لا يعترف بإسرائيل، لكنه يتبنى أفكارها عن الإرهاب في غزة ، ومسيحي ( مايكل)  متعاطف مع الفلسطينيين، حتى كاد أن يصبح فلسطينياً خالصاً.
 تدور  بين الطلاب الثلاثة حوارات سياسية، لكنهم في المحصلة أصدقاء  متعايشون في معاداة الصهيونية  في ظل الحرب المسعورة على غزة ، على الرغم من وجود أستاذ صهيوني، يسعى دوماً إلى النيل من تركي والحط من شأنه ؛ لأنه عربي تحديداً؛ وانتهاءً بقدرة تركي العربي  على أن يكتب هذه الرواية التي تستجيب لعاطفته الإنسانية الواعية تجاه هذه الحرب الجائرة، التي تؤهل قياداتها إلى درجة مجرمي الحرب.
15-التركيب والخلاصة
ثمة إشكاليات جمالية ( فنية)، وأخرى رؤيوية (الرؤيا والرؤية)، وثالثة في المضمون والمواقف، تتمتع بها هذه الرواية، التي تكتسب قيمتها من كونها حرصت على عديد من المزايا السردية، التي يمكن إجمالها في العناصر الآتية:
1-     خلعت هذه الرواية الثوب التاريخي، أو ما يفترض أنه ثوب يؤرخ للحرب الصهيونية التي اجتاحت غزة، وكذلك تحررت من الثوب الإعلامي  التقريري الوصفي، الذي غالباً ما يفقد اللغة حرارتها الإبداعية؛ ليركز على الخبر أو الحدث بصفته خبراً أو حدثاً صادماً . وقد انتابني قبل أن أبدأ قراءة هذه الرواية الشعور بالتوجس من أن تكون اللغة إنشائية أو تقريرية تجريدية، ومن ثمَّ سيفقد المتن السردي صلته بالواقع أو بالتخييل الذي ينبغي أن ينهل من واقعية الواقع؛ أي أن تكون اللغة مجرد مقالات إعلامية إنشائية...ثم وجدت بعد القراءة ومنذ الصفحات الأولى في الرواية أن اللغة حية، تنبع من واقع المأساة الفلسطينية، من خلال حراك شخصياتها، التي تتكلم بلغة الشارع الفلسطيني، دون أن تتخلى اللغة كليةً عن بعض المظاهر الإنشائية، التي تميل إلى المبالغة غير المبررة أحياناً، وإلى العبارة المسجوعة أو الخطابية في واقع لا يقبل السجع من ناحية أخرى...ولكن الرواية- في المحصلة- لغة إبداعية ذات رؤى إشكالية.
2-     بدت الرواية  في المستوى التجنيسي ذات منحى هجيني بانورامي؛ لأنها اعتمدت على نصوص وخطابات عديدة، إبداعية وعادية. ويعد هذا النهج في الكتابة السردية  بعداً جمالياً تجريبياً ؛ لأن  الرواية الحديثة  لا تتوقف عند الحكي أو السرد التقليدي باستخدام أحد الضمائر لتقديم حكاية أو حدث. وقد ساعدت تقنية الفصول القصيرة على هذا التنوع في الكتابة السردية، التي تكسرت فيها حركية السرد  من خلال الحوار، والوصف، والشعر، والتأمل، والتناص، وغيرها. وبذلك يوجد في الرواية بعد تجريبي واضح، يتضح تحديداً من خلال تقنيتين سرديتين: إحداهما تعددية الأجناس الأدبية والخطابات التداولية، وأخراهما غياب أفق التوقع بالنسبة إلى المتلقي، الذي لا تكتمل عنده حكاية الرواية  وبنيتها المتكاملة قبل أن ينتهي من قراءتها.
3-     جاءت اللغة السردية -في عمومها- لغة شاعرية، قد وصلت إلى درجة كتابة الشعر  عدة مرات، عدا عن كون اللغة النثرية نفسها مكتنزة بالشاعرية، التي تبعدها إجمالاً عن اللغة التقريرية المباشرة!! ولعل عاطفة السارد الجياشة تجاه هذه الحرب هي البؤرة التي عمقت صلة لغته بالشاعرية؛ لأن القيم الإنسانية العميقة لا تحتمل لغة عادية أو لغة مناسبات، تفتقر لحميمية تكوينها وصدقها العاطفي والفني معاً.
4-     قدمت الرواية شخصية الأنثى بطلة وشخصية رئيسة، فأسندت البطولة إلى الفتاة " زهرة"، وشاركها في هذه البطولة شخصيات رئيسة عديدة من الفتيات والنساء منذ بداية الرواية إلى قبيل نهايتها.ومن ثمّ همشت الشخصية الذكورية، ربما استناداً إلى أن المرأة هي الأقدر من غيرها  في الاطلاع على تفاصيل الحياة اليومية  والحراك بحرية أكثر  في الأمكنة من الرجال، الذين غدوا مطلب  الطائرات التي تترصدهم وتقصفهم؛ لهذا مكنت شخصية زهرة الكاتب من التعامل مع فضاء أوسع في تعددية المضامين، التي تخصب العمل السردي، وتبعده  عن السرد التاريخي  الممل.
5-     تغلغلت الكتابة السردية إلى داخل النفسيات الفلسطينية، فأظهرت توقعاتها، ومعاناتها، وآمالها... ولم تقتصر على وصف الأشياء في سياقها الظاهري  أو الشكلي؛ لذلك بدت زهرة أكثر حياة مما نتوقع في ظروف حرب طاحنة، ينبغي أن تهيمن على كل شيء، لتجعل أية رواية كأنها تقرير إخباري أو صحفي. ولكن الكاتب جعل الحرب خلفية رئيسة ومهمة في حياة زهرة والفلسطينيين، وفي الوقت نفسه ركز في هذا السياق على دواخل الشخصيات، فكانت اللغة حميمية إلى حد معقول نسبياً، مقارنة ببعض الروايات التاريخية، التي تهتم بالوقائع الظاهرية وأصدائها الخارجية . 
6-     لم تقتصر اللغة على أن تكون أدبية خالصة  أو بلاغية لافتة فحسب، وإنما قدمت مستويين  آخرين من الخطاب؛ الأول: متكئ على اللهجة الفلسطينية الدارجة في الحوار بين الشخصيات،  والثاني: اللغة الإعلامية المثيرة المباشرة من جهة أخرى، وبهذا تتعدد مستويات اللغة بين الإبداعية، والإعلامية، واللهجية... ولكن في العموم يعد الاتكاء على السياقين الإعلامي واللهجي محكومين بطبيعة الحوار بين الشخصيات، ومقام التوصيل الذي يحتاج إلى لغة إعلامية  ميسَّرة.
7-     لم يعش السارد في المكان، لكنه استطاع أن يتعامل مع خصوصيات هذا المكان بصفتها  صورة  يومية كانت تشاهد في كل حين على الفضائيات و"الإنترنت"؛ لذلك بدت جماليات المكان  مألوفة، ولا تحتاج إلى خبرة بها؛ لأن الحرب ذات طبيعة خاصة في تكوين مشاهد الدمار  وحركة الجيش، وحضور الموتى  والجرحى... وما إلى ذلك في هذه الحرب العدوانية، التي تغيب عنها التوازنات؛ ومن ثمّ لا مقارنة بين رصاصة صغيرة، وصاروخ ضخم يهدم عدداً من البنايات!!
8-     يعدّ تهميش المقاومة الفلسطينية وبطولاتها في الرواية رؤية مهمة  في سياق  التوجه الجمالي لها ؛  لأن المفاخرة  بالبطولات في سياق العجز عن مجابهة قوة عظمى، هو من قبيل الحماقة السياسية والثقافية والإنسانية، فلا يعقل  أن تتلقى ضربات قاتلة من عدوك  على مرأى من العالم كله، وتريد أن تثبت للعالم  أنك انتصرت!! ربما هذا ما جعل  نواتج الحرب  على غزة أو على جنوب لبنان سلبية من الناحية الإعلامية، عندما  روجت حركة حماس لانتصاراتها فيما أطلقت عليه اسم حرب "الفرقان"... لكنّ الكتابة السردية توازنت في تعبير ها عن مأساة فلسطينية إنسانية، لا تحتمل المبالغة في الحديث عن المقاومة الفلسطينية أو عن النصر الذي حققته على الاحتلال ؛ فالاحتلال في الرواية مجرم  حرب  والفلسطيني  ضحية إنسانية عظمى!!
9-     النص السردي -في مجمله- نص مثقف؛ يكشف عن شخصية سارد مثقف، استطاع أن يوظف نصوصاً  ومرجعيات عديدة، خدمت البنية السردية ذات الطبيعة الفسيفسائية، وهي نفسها الفكرة البانورامية التي أشرت إليها سابقاً. وإذا لم تكن الرواية على هذا النحو من التنوع الذي يفضي إلى مرجعيات عديدة، فإنها حينئذ لا تستحق أن تتجاوز كونها حكاية، ربما يجد الكثيرون أنفسهم في غنى عن قراءتها في سياق خبرتهم بما حدث، نتيجة المتابعة التلفازية / النتيّة لتلك الحرب!!
10-هذا النص السردي يمتلك وعياً إعلامياً سياسياً اجتماعياً، من خلال بعض البؤر الواعية ذات المواقف المحددة في انتقادها للسياسة أو الإعلام أو المجتمع، فالإعلام العربي شبه فاشل، والسياسة الفصائلية الفلسطينية  أكثر فشلاً، والعمالة للاحتلال داخل النسيج الاجتماعي الفلسطيني جناية...إلى غير ذلك من إشكاليات يصعب حصرها!!
11-لا يمكن الادعاء بأن هذه الرواية مميزة في جمالياتها الفنية، لكنني أعتقد أنها على جانب كبير  من الاحتفاء بجماليات فن الرواية، وبخاصة أنها نص قصير، له زمكانية محددة، وتقنية سردية  متنوعة، ومحاولة  لجعل الشخصيات الرئيسة (شخصية زهرة تحديداً) شخصية حية داخلياً وبملامح واقعية، ومن ثمّ فإنّ هذا النصَّ يملك خصائص التناص والمثاقفة  والتنوع.
12- بكل تأكيد ،هناك سلبيات، وبخاصة في الجوانب اللغوية التركيبية، حيث توجد أخطاء نحوية وأسلوبية ...وكذلك نجد أحداثاً قليلة مفتعلةً أو غير مبررة واقعياً...  وكذلك الوقوع في بعض الهفوات التي تجعل غزة  كأنها منفصلة عن فلسطين ...ولكن هذه الهنات محدودة ، ولا تؤثر  في روائية هذه الرواية وجمالياتها المتنوعة!!
 
 
 
 



[1]عبد الله سعد: 23 يوماً (عملية الرصاص المسكوب)، دار الفكر العربي، الدمام، 1433هـ.،ص10.
[2]نفسه، ص9.
[3]نفسه،ص16.
[4]نفسه،ص16.
[5]نفسه، ص20.
[6]نفسه،ص21.
[7]نفسه ، ص42.
[8]نفسه ، ص28-29.
[9]نفسه، ص79.
[10]نفسه ص100 .
[11]نفسه ،ص105.
[12]نفسه ، ص62.
[13]نفسه، ص 45.
[14]نفسه، ص41.
[15]نفسه، ص53.
[16]نفسه ، ينظر الفصل العاشر ، ص ص65-71.
[17]نفسه، ص 70.
[18]نفسه، ص76.
[19]نفسه، ص79.
[20]نفسه، ص79.
[21]نفسه، ص89.
[22]نفسه، ص103.
[23]نفسه،ص97.
[24]نفسه، ص 111-112.
[25]نفسه، ص6.