رسالة مفتوحة إلى السيّدة الفاضلة مديرة مدرسة الينابيع العالميّة
بقلم أ. د. حاتم عبيد، كلّية الآداب، جامعة الملك سعود
ما كنتُ لأكتبَ إليك هذه الكلمات، لو لم أجد نفسي أهدّئ من روْع ابنتي الصغرى، وهي تستيقظ صباح الخميس على حلم أفزعها. نعم، لقد رأتْ ابنتي فيما يرى النائم أنّ أحدا سرق معطفها في المدرسة. ولمّا حاولتُ أن أفسّر هذا الحلم على طريقة فرويد الحديثة، لا على نهج ابن سيرين في كتابه "تفسير الأحلام"، اكتشفتُ بسرعة وبيسرٍ، أنّ المشهد الذي جرى صبيحة يوم الأربعاء في المدرسة والذي تمثّل في اعتراض حضرتكم عددا من التلاميذ وانتزاع معاطفهم الملوّنة منهم، أثّر في ابنتي أيّما تأثير ورسخ في ذاكرتها، حتّى صارت تلْهج بذكره، ما إن عادتْ إلى البيت، وتُكرّرُ الحديث عنه، إلى درجة جعلتْني أنا وأمّها ننهاها عن الكفّ عن ذلك الحديث وعدم العودة إليه، فلم تجد البنيّة-أمام قهْر المدرسة وقمع الوالدين-غير الحلم ملاذا للتنفيس عن ذلك الكابوس الذي أقضّ مضجعها.
نعم، لا أشكّ في أنّه قد تناهى إلى سمعك استياءُ كثير من الأولياء ممّا وقع صبيحة يوم الأربعاء، ولا أشكُّ البتّة في أنّك استأْتِ من بعض الردود التي بدت لك عنيفة وانفعاليّة أكثر من اللاّزم، وأنا أيضا لا أشكّ في أنّك تعاملتِ في قرارة نفسك مع تلك الردود تعاملا سريعا لم يهمّك فيه إلاّ التماسُ العذر لنفسك والبحثُ عن مبرّرات لما قمتِ به، ولم تسمعي من الأصوات التي تعالتْ في داخلك، إلاّ صوتا واحدا كان يهمس إليك ويُزيّن لك فعلتَك، ويُظهرك في مظهر الحريصة على احترام القانون، والسهر على تطبيق اللّوائح بحذافيرها. لذلك لم أجدك تُصغين بانتباه شديد إلى الأصوات التي استنكرتْ عملك، ولم تتفاعلي مع ردود أفعال الأولياء تفاعلا إيجابيّا. بل جاء جوابك رافضا قاطعا يضرب بتلك الاستنكارات عرْض الحائط، وكان الحلّ عندك واحدا أحدا، ألا وهو التشبّث بالقانون، وتكرار اعتراض سبيل التلاميذ في اليوم الموالي، أي صبيحة الخميس، وحرمانهم من معاطفهم الملوّنة مرّة أخرى.
أجل، يا سيّدتي المديرة، دعيني أُطمئنك بدءا بأنّك أبليْتِ البلاء الحسَن في الانتصار لصوت اللّوائح والقانون، وأنّك قدّمتِ شهادة لا يطعن فيها أحد، تُفيد بأنّك من طينة الإداريّين الذين لا يتنازلون ذرّةً عن تطبيق القانون. نعم، أنت هنا مُحقّة ومُصيبة في تصرّفك. ولكن، اسمحي لي أن أدعوك إلى تقليب النظر في ما جرى من زاوية أخرى فاتتْك، أو ربّما ترفضين استحضارها. ودعيني أحاول إيقاظ تلك الأصوات التي لا أشكّ أنّها تهتف داخلك، وأنّك تسعين إلى إخمادها، حتّى لا تعذّب ضميرك ولا تجعلك تندمين على فعلتك.
نعم، ألا ترين-معي يا سيّدتي-أنّك حين انتصبتِ واقفةً مثل بعض رجال الهيأة المولعين بتطبيق الأحكام والمفرطين في تعقّب الناس في حلّهم وترحالهم، وحين صادرتِ تلك المعاطف الملوّنة وانتزعتها عنوة من أولئك الأطفال، كنتِ-في الحقيقة وعن غير وعي منك-تفرضين عليهم بالقوّة أن يتخلّوا عن شيء يعزّ عليهم تركُه عندك، وعن جزء ثمينة من كيانهم، وعن قطعة مهمّة من شخصيّاتهم؟ ألا تعلمين-يا سيّدتي المديرة-قيمة اللّون عند الطفل، وأثره النفسيّ فيه، ودوره في تنمية شخصيّته؟ هل سألتِ نفسك يوما لماذا يزخر الكتاب المدرسيّ بالألوان؟ ولماذا يدعو المدرّسون التلاميذ إلى أن يزيّنوا حيطان المدرسة وقاعات الدرس بالألوان المشرقة؟ هل خطر ببالك يوما أن تبحثي عن سبب وجود الأقلام الملوّنة في الصفوف الأولى من التعليم؟ هلاّ حاولتِ أن تستحضري مشهدا مرّ بك ذات يوم حنّ فيه قلبُك على فتاة صغيرة تبكي وتصرخ وتتشبّث بيد أمّها وترفض التحرّك من أمام لعبة أو ثوب أرادته أن يكون في لون معيّن، وأرادته أمّها في لون آخر؟ ألم يوح لك ذلك المشهد بأنّ تشبّث تلك البنيّة وعنادها الذي لم تفهمه أمّها، ما هو إلاّ علامة ودليل على شخصيّة ترفض في تلك اللّحظة الوصاية والانصياع لاختيارات تُملى عليها، حتّى وإن صدرت من الأمّ؟
حسنا، إن كنتِ لا تثقين في كلامي، فهلاّ صدّقتِ قليلا ما يقوله علماء نفس الطفل من كلام أمسى كالحقائق، مفادُه تنبيه لأهمّية اللّون وإسهامه الكبير في بناء جهازه العصبيّ. فالرضيع يولد مجهّزا بجميع الخلايا العصبيّة. ولكنّه في حاجة إلى ما ينمّي في تلك الخلايا القدرة على الربط. وهنا تأتي أهمّية الألوان التي يُنصح بأن نحيط الرضيع في الأشهر الأولى بها، لأنّها تستثير حاسّة البصر عنده، ومن ثمّ فهي تغني قدرة الربط العصبي وتسرّع في نموّها.
طيّب، دعي عنك هذه الحقائق، واستحضري غيرها ممّا له صلة بالوظيفة الجليلة التي ينهض بها اللّون في تنمية آليّة التمييز والتفريق عنده. نعم، إنّ الألوان وتغيّرها من عنصر إلى آخر هو أوّل مقياس يثق فيه الطفل ويعتمده في التمييز بين الأشياء، عندما تكون شخصيّته بصدد البناء. لذلك ترى الطفل يربط دائما وبصورة آليّة كلّ كائن بلون معيّن، وفي ذلك آيةٌ على أنّه يُعوّل كثيرا على اللّون في التعرّف إلى الأشياء، ولذلك أيضا كان من الضروريّ إن أردنا أن نراعي شخصيّة الطفل في هذه المرحلة الحسّاسة، وأن نسعى إلى بنائها، فعلينا أن نجعل عالمه حافلا بالألوان الزاهية، والأشياء المحيطة به تحمل ألوانا مختلفة.
وما ظنُّكِ بالدور الخطير الذي يضطلع به اللّون في بناء هويّة الطفل. نعم، يبدأ الطفل أوّل ما يبدأ مُستعينا بالألوان، كي يفرّق من خلالها وبواسطتها بين الأشياء، ثمّ ينضج في مرحلة لاحقة تعامله مع اللّون، حين يبدأ الطفل يميل إلى ألوان دون أخرى. نعم، تعاملُ الطفل مع اللّون يتطوّر: فهو يستعين بالألوان في التعرّف إلى الأشياء والكائنات، وبعد ذلك يتّخذ من الألوان وسيلة يميّز بها بين تلك الأشياء والكائنات، حتّى يتبيّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وفي مرحلة متطوّرة يصبح اللّون طريقةً يعبّر بها الطفل عن ذوقه وعن تميّزه من الآخرين. وههنا يرتقي التعامل مع الألوان إلى المستوى الرمزيّ. ويغدو اللّون طريقةَ الكائن في التعبير والإيحاء. وأوّلُ ما يعبّر عنه الإنسان باللّون ذاتُه وكيانُه خوفا من أن يُسحقا، ولا يعترف الآخرون بوجوده فردا مستقلاّ له حزْمة من الحقوق، وعليه مجموعة من الواجبات.
نعم، علينا أن ندرك جليّا أنّ الطفل، عندما يُفضّل هذا اللّون ويترك لونا آخر، فإنّ وراء ذلك الإبقاء والإقصاء ذوقا يريد هذا الطفل أن يُثبته، وإنّنا أمام فرد صغير بدأ يبني ذاته ويصقل كيانه، وكأنّ لسان حاله يقول: ها أنا ذا قد أصبحتُ فردا مثلكم أترك ما لا يطيب لي، وأختار ما يحلو في عيني. والخطر كلَّ الخطر-أن يغيب عنّا نحن الأولياء والمدرّسين-التقاطُ مثل هذه الرسائل التي يبدأ الطفل في توجيهها إلينا في وقت مبكّر، فنفهم الأمر على أنّه عناد، وننعتُ الطفل الذي يتشبّث بلونه بأنّ "رأسه كبير"، ونرى أنّ أفضل الحلول في خضد شوكة ذلك الطفل والتقليص من عناده، أن نلوي يده ونفرض عليه اللّون الذي نراه نحن-استنادا إلى المعايير السائدة والذوق العامّ-مناسبا ولائقا، غيرَ مكترثين بما يخلّفه ذلك التصرّف من أثر سيّئ على نفسيّة الطفل في مرحلة فيها بدأ يشيّد ذاته، ويثبت وجوده.
أجل، يا سيّدتي المديرة، هل استحضرت مثل هذه الأمور، وأنتِ تعاقبين عددا من الأبناء بسبب ألوان شاؤوا أن تظهر على معاطفهم؟ هل دار في خلدك مثلُ تلك المسائل النفسيّة التي حدّثتُك عنها منذ قليل، وأنتِ تصرّين على اختيارك، وتعيدين الصنيع صبيحة يوم الخميس؟ هل استحضرتِ الفوارق الثقافيّة في مسألة اللّون؟ وهلاّ تذكّرتِ أنّ جزءا مهمّا من تلاميذ المدرسة جاؤوا من بلاد توصف بالخضراء، فيها فنّ الرسم والفنون التشكيلية على وجه أعمّ مِن أرقى الفنون، وحبُّ أهلها الأبيضَ والأحمرَ كبيرٌ، لأنّ علم بلاهم اشتقّ منهما فصارا كالدم يسرى في عروقهم. وسكّان تلك البلاد أيضا يهيمون بالألوان فيما يلبسون ويختارون، ويقلقون حين يستيقظون ويجدون السحب الرماديّة قد كدّرت زرقة سمائهم الصافية، وصفرة شمسهم الفاقعة؟
حسنا، ها أنتِ انتزعتِ الألوان الزاهية من معاطف الأطفال، فهل ستقدرين على انتزاعها من حقائبهم المدرسية المليئة بالألوان؟ وهل ستطاردين الألوان في لُمجهم التي يختارونها في كثير من الأحيان بسبب ألوانها؟ وهل ستتعقّبين الألوان المشرقة في شريط ملوّن شدّتْ به هذه الصغيرة أو تلك شعرها، وفي حذاء فيه خطوط حمراء أو خيوط زرقاء؟ وحتّى أولئك التلاميذ الذين انصاع أولياؤهم بدافع الخوف عنهم، فأسرعوا إلى شراء معاطف وأحذية وجوارب بتلك الألوان المفروضة، هل تظنّهم ينسون حكاية اللّون؟ هيهات أن يكون الأمر كذلك. فعلاقةُ الطفل باللّون حميمةٌ. وهو-لا ريب عندي-سيظلّ يتراسل مع الألوان التي أحبّها وعشقها في السرّ وبعيدا عن أنظارك، مثلما يتراسل العشّاق بطرق يخترعونها ويُلهمهم إيّاها فرطُ الحبّ، ولا تخطر أحيانا على البال!
نعم، يا سيدتي باللّه كوني معي صريحة، وأجيببي عن سؤالي وخذيني على "حدّ عقلي": ما الذي يبقى من عالم الطفل، إن سرقتِ منه الألوان الزاهية والمشرقة؟ لا شكّ في أنّه سيكون عالما كئيبا تسكنه الظلمة الحالكة، وتملأ أرجاءه الزرقة الداكنة ولا مكان فيه للأمل.
دعيني إذن أختم رسالتي بهذا الرجاء: قلّبي النظر في المسألة تقليبَ الحطب على النار، ولا تنظري إليها من زاوية قانونيّة فحسب، وتأكّدي أنّك حين تصادقين الألوان وتتصالحين معها، ربّما تخذلين اللّوائح، ولكنّك ستنتصرين للطفولة، وستقفين إلى جانب التنوّع والاختلاف، لا في صفّ التنميط، وستُسهمين في جعل عالم أبنائنا داخل مدرسة "الينابيع" زاهيا ومشرقا يساعدهم على أن يروا العالم بعيون متفائلة.
ولا أستطيع أن أختم هذه الرسالة، بدون أن أحيّي تلك المرأة التي سبقت الرجال بمن فيهم كاتب هذه السطور، وتكلّمت في الوات ساب من قلْبها ومن جوارحها ومن "جواجيها"، وثارت على الطريقة التونسيّة، لأنّها أحسّت بالغبن ورقّ قلبُها على ابنتها، مثلما رقّ قلبي على ابنتي التي حلمت ذلك الحلم، رغم أنّ ابنتي لم تكن من بين الأطفال الذين جرّدوا من معاطفهم. نعم، تحيّةً إلى مريم التي لا أعرفها، مثالا للمرأة التونسيّة الثائرة التي نريد أن يظلّ صوتُها مرتفعا ومشاركتُها في الحياة وفي الرأي دائمةً، والتي نلتمس لها العذرَ إن دفعها حنان الأمّ إلى أن يكون تعبيرها قويّا وكلامها في بعض الأحيان لاذعا. والسلام حاتم عبيد