الدراسات اللّغويّة الحديثة (647 ع)

رأيتُ من المفيد للتكوين الذي ستحصّله الطالبات في مستوى الدكتوراه أن تكون "التداوليّة/pragmatics " هي المسألة الذي سآخذ على عاتقي تدريسها في المقرّر الذي يحمل عنوان "الدراسات اللّغويّة الحديثة".
نعم، لقد آثرتُ التداوليّة دون غيرها من التيّارات اللّغويّة واللّسانيّة لجملة من الأسباب لعلّ من أهمّها خروج هذا التيّار اللّسانيّ من حدود الجملة إلى أوساع الخطاب بشتّى صنوفه (الخطاب الشفويّ: محادثات..-خطابات مكتوبة: الخطاب الأدبي، الخطاب السياسيّ، الخطاب الإعلاميّ...) وإلى ميدان اللّغة المستعملة، وانتباه أصحابه إلى مبادئ وقواعد عامّة ومجرّدة تحكم جريان اللّغة عندما تجري على ألسنة المتكلّمين وتختلف عن قواعد النحو والتركيب، وتتّسم بقدر من المرونة غير قليل، وتؤثّر في عمليّة التواصل والتفاعل تأثيرا بالغا.(انظر على سبيل المثال كتاب ليتش: "مبادئ التداوليّة" Leech, Geoffrey N., (1983): Principles of pragmatics. London: Longman وانظر أيضا المقال الشهير الذي استخرج فيه غرايس قواعد المحادثة: logic of conversation).
ومن أسباب اختيار التداوليّة أيضا اعتبار أصحابها المعاني التي لم يقع التصريح بها في ظاهر اللّفظ جزءا من عمليّة التواصل، وممّا يقوم المتكلّم بإبلاغه إلى السامع، وممّا يجدر باللّسانيّ ألاّ يغضّ الطرف عنه حين يدرس اللّغة البشريّة. وهي أمور ستدرس التداوليّون تحت مباحث ومفاهيم لعلّ من أهمّها الاقتضاء/presupposition  والتضمين/ implicature والأعمال اللّغويّة غير المباشرة.
وممّا زيّن لنا اختيار التداوليّة كونها تعتدّ بالبعد التفاعليّ في اللّغة. وهو بعد اكتفى اللّسانيّون الأوائل بالإشارة إليه حين عدّدوا وظائف اللّغة، واعتبروه ثانويّا مقارنة بالبعد التعامليّ، وقالوا بأنّ الوظيفة التصوّريّة للّغة (ideational function) تأتي في المقدّمة بينما تظلّ سائر الوظائف ثانويّة. وعلى خلاف هذا، اعتبر التداوليّون اللّغة أداة للتطبيع الاجتماعيّ ولتمتين الروابط بين الأفراد. وكان التفاعل الحاصل بين المتكلّمين ساعة التخاطب بعدا مهمّا تناوله التداوليّون ضمن جملة من المباحث لعلّ من أبرزها التأدّب/politeness  الذي يمكن أن نعرّفه على أنّه مجموعة من الطرائق المتعارف عليها داخل جماعة لغويّة يتمثّل دورها في الحفاظ على قدر من الانسجام  أثناء التفاعل بين المتكلّمين رغم ما يترتّب على كلّ لقاء واحتكاك من أخطار.
وبناء على ما سبق يمكن تعريف التداوليّة على أنّها دراسة المبادئ العامّة التي تحكم الاستخدام اللّغويّ من قِبل المتكلّمين. ويمكن القول إنّ حدود التداوليّة قد بدأت تتّضح منذ الأعمال التأسيسيّة التي أنجزها كلّ من غرايس (Paul Grice) وأستن (John Austin)، وإنّ دائرة التداوليّة احتوت في البدء على جملة من الظواهر التي كان يدرسها اللّغويّون والمناطقة من قبيل المشيرات المقاميّة (Deixis) والأعمال اللّغويّة (Speech Acts) والاقتضاء (Presupposition). ثمّ سرعان ما اتّسعت الدائرة لتشمل مباحث أخرى من نحو التأدّب (politeness) وتحليل المحادثة (Conversational Analysis).
على هذا النحو يكون درسنا محاولة للتعرّف إلى اللّسانيّات التداوليّة استنادا إلى أبرز أعلامها المؤسّسين (غرايس، أوستن، سيرل، ليفنسون وبراون...) وأهمّ مباحثها (الأعمال اللّغويّة، المشيرات المقاميّة، الاقتضاء، الاستلزام التحادثيّ، التأدّب، تحليل المحادثة...) وأبرز تطبيقاتها (التداوليّة والأدب، التداوليّة وتعليم اللّغات، التداوليّة والخطابات السياسيّة والإشهاريّة...).  

ملحقات المادة الدراسية