بين تحدي المجهول والثراء
نعيش في عالم يعج بمتغيرات لا منتهية ولا متناهية، تسير على فُلُك متشابكة ومتصادمة. ولكون الإنسان مخلوقا عقلانيا، ويبحث عن الاستقرار النفسي والاجتماعي، فهو أكثر الكائنات إحساسا باعتراض تلك المجاهيل لمسار حياته وأكثرها أيضا تضجرا من غموضها الذي يحيل عليه إمكانية التعامل معها وجر مسارها لمساره.
يمكن أن نصور الوجود كميدان لتحدٍّ عظيم يجمع بين الإنسان والمجهول. فبينما يعتقد البعض بعدم تكافؤ أطراف هذا التحدي وأن مواجهة المجهول لن تقدم للإنسان سوى المخاطر والخسائر، فإن لدى البعض الآخر طقوسا وأساليب متنوعة للسيطرة عليه واستكشاف أسراره. فقد كنا وما زلنا نسمع عن أسماء بارزة لأشخاص نجحوا في صناعة ثروات طائلة وإنجازات رائدة وكان لإسهاماتهم الفضل في بناء أسس ارتكز عليها العديد من الحضارات المعاصرة. فما السر الذي مكن أولئك الأثرياء والرواد من التغلب على المجهول واغتنام ما به من فرص وثروات؟
إن مواجهة المجهول أشبه بتحد في لعبة لم نعرفها من قبل. نستهل التجربة بترشيح أنفسنا كعناصر متنافسة فيها، وقبل أن نضع استراتيجيتنا للتغلب عليها، نبذل بعض الوقت والمجهود لدراسة واستيعاب مكوناتها الأساسية من عناصر أخرى وعلاقات وقواعد تتحكم بمجريات الأحداث بها وتفاعلاتها.
إذن، هل يمكننا القول بأن استيعاب أولئك الأثرياء والرواد لقواعد اللعبة التي تقدموا لتحديها كان هو السر الذي مكنهم من صياغة استراتيجيات استثنائية قادتهم دون غيرهم للتغلب على المجهول واغتنامه؟ الجواب: لما لا، فهي فرضية ممكنة.
إن السعي لبناء الثروة لا يختلف كثيرا عن تجاربنا اليومية بالألعاب الالكترونية. فالنجاح بعالم الأعمال يتطلب أن يستوعب الفرد كافة العناصر التي ستتفاعل معه من موارد وطاقات، ومنافسين مختلفين من تجار وموردين ومستهلكين ومديرين ومستثمرين ومنظمات وهيئات حكومية ودولية. أيضا، يحتاج إلى أن يدرك بأن هناك قواعد للعبة، قد تمت صياغتها وفقا لتفضيلات من سبقوه بزيارتها، وينبغي عليه استيعابها والتخطيط على ضوئها.
ولخوض التجربة عن قرب، نفترض أن زيدا أراد أن يصبح رجلا ثريا، ورغم جهله بقواعد صناعة المال وطبيعة المنافسة بين التجار، يغامر بسحب جزء كبير من مدخراته ليستثمرها في تشغيل مشروعه الذي يهدف إلى تخريج جيل من السلع النادرة والمتميزة. فهو يعتقد بأن القاعدة التي ستكفل له النجاح في تحدي السوق هي اكتساحه بمنتجات متميزة تجذب المستهلكين إليه وتضرب بالمنافسين وتحقق له الثراء العظيم. لا يعلم زيد بأن للعبة قواعد أخرى لا تقل أهمية عن تلك القاعدة التي يؤمن بها، تتضمن على سبيل المثال تفضيلات المستهلكين بين السعر والجودة وردود فعل المنافسين المحتملة عندما تطرق الخسائر سجلاتهم وتهدد بقاءهم. فإذا جرى السيناريو على نحو لم يتوقعه زيد، بحيث أعطى المستهلكون اهتماما كبيرا للأسعار لا الجودة، واتخذ المنافسون ردود فعل عنيفة لإيقاف تقدمه كتنزيل الأسعار إلى مستويات يستحيل عليه أن يبلغها من دون أن يتكبد خسائر فادحة، عندها سيتلقى زيد ضربات قاصمة في أولى جولاته لعدم أخذه بالاعتبار تلك الجوانب الجوهرية عند صياغة استراتيجياته.
ختاما، المجهول هو عالم مليء بالفرص العظيمة ويمكن لأي شخص أن يتحداه ويغتنمه. فالتغلب عليه ليس فن فحسب، بل معرفة وتجارب وخبرات واسعة تساعد الإنسان على تكوين صورة شاملة لعناصره المؤثرة والقواعد التي تحكم تفاعلاتها. فمواجهة المجهول ما هي إلا استغلال فريد لتلك المعرفة للتنبؤ بسيناريوهات من التحديات المحتملة والاستعداد لها باستراتيجيات شاملة و ملائمة.
