الأسواق العالمية المستهدفة وحركة الاستثمارات

يتناول مقال اليوم الشق الأول من السؤال الذي طرحته بالأسبوع الماضي حول ماهية الأسواق المستهدفة - من قِبل المستثمرين الدوليين - وماهية متطلباتها كأولى خطوات البحث للتعرف على البيئة الاستثمارية الدولية المعاصرة وموقع المملكة الاستراتيجي بينها.

فالأسواق الواعدة هي أول ما يبحث عنه المستثمرون، وهي بالغالب توجد لدى الدول التي تتمتع بكثافة سكانية ومعدلات أجور متصاعدة واقتصاد مستقر. تمتاز تلك الأسواق بخاصية توافر أعلى فرص للمبيعات على المستوى المحلي أو الإقليمي وعلى المدى البعيد. وبحسب آخر التطورات الاقتصادية على الصعيد الدولي، فإن معظم تلك الأسواق ناشئة وتضم دولا صناعية سريعة النمو. توجد هذه الأسواق بالجزء الشرقي والجنوب الشرقي للقارة الآسيوية وبعض دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وشرق أوروبا. ومن حيث الدول، فهناك مثلا مجموعة البريكس BRICS – البرازيل، روسيا، الهند ، الصين، وأفريقيا الجنوبية – التي تعتبر من أكثر الأسواق الناشئة جاذبية، وذلك للكثافة السكانية التي تتمتع بها، حيث تشكل في مجموعها ما يقارب نصف سكان الأرض - ثلاثة مليارات نسمة. وبالإضافة إلى كثافتها السكانية، تمتاز تلك الدول بوجود تصاعد مستمر في معدلات دخول الأفراد متزامنا مع النمو الصناعي المتسارع الذي تعيشه والذي ينبئ بوجود فرص مستقبلية واعدة للمبيعات. أيضا، تتوقع منظمة The Conference Board، المهتمة بالتحليل الاقتصادي على المستوى الدولي، بأنه في عام 2025، ستسهم خمسة أسواق ناشئة - من بينها البرازيل وروسيا والهند والصين بالإضافة إلى إندونيسيا – بنصف النمو الذي سيحققه الناتج القومي العالمي. والجدير بالذكر أيضا، هناك تنبؤات بأن يصعد اقتصاد إندونيسيا – 240 مليون نسمة- إلى مرتبة بين أقوى عشرة اقتصادات في العالم في عام 2030، و أن تنتقل الطبقات الاستهلاكية لديها من مستوى 50 مليون مستهلك في عام 2012 إلى مستوى 135 مليون مستهلك في عام 2030 وبتمركز في مدن رئيسية تسهم بما يعادل 86% من الناتج القومي المحلي، وذلك وفقا للتقديرات التي أعدتها Mckinsey Global Institute.

إن حجم المبيعات المتوقع لدى تلك الأسواق الناشئة هو أحد أهم المزايا التنافسية التي حظيت بها. بالتالي، من غير المستغرب أن تستقطب تلك الاقتصادات اهتمام المستثمرين الدوليين وأن تستحوذ على النصيب الأكبر (54%) من إجمالي التدفقات الاستثمارية الأجنبية الداخلة وهو ما يعادل 778 مليار دولار أمريكي بحسب ما جاء بتقرير أونكتاد (2014 unctad). ووفقا للتقرير، احتلت الصين وروسيا وهونج كونج والبرازيل وسنغافورة المراتب الست الأولى بعد الولايات المتحدة بقائمة أوفر الدول حظا باستضافة تلك الاستثمارات، ومن ضمن قائمة العشرين ظهرت أيضا الهند وإندونيسيا. إن هذه الأرقام تعطي دلالة مباشرة على أهمية توافر الأسواق الواعدة كأحد أهم عوامل جذب الاستثمارات الأجنبية.

أما من ناحية المتطلبات، فمن المتوقع أن تواجه تلك الدول شحا بالموارد (الطاقة ومواد الخام) للكثافة الاستهلاكية المحتملة لديها. بالتالي، ستضطر الشركات إلى إيجاد بدائل تمكنها من مقابلة مستويات الجودة والأسعار التي تحددها تفضيلات المستهلكين والقوى المتنافسة الأخرى بالسوق، وذلك من خلال الاهتمام بتحسين أنظمة التكاليف أو استغلال الإمكانات المعرفية والتقنية في تطوير منتجاتها وخدماتها.

ختاما، يعتبر اقتصاد المملكة أحد أكثر الاقتصادات العالمية استقرارا، إلا أن التقنية لا تزال متأخرة والصناعة بمراحلها الأولى والكثافة السكانية - أو حجم السوق المحلي المتوقع - أقل بكثير مما يتمتع به العديد من الأسواق النظيرة الناشئة. تشكل هذه العوامل تحديات كبيرة من شأنها أن تصرف عنا اهتمام المستثمرين الأجانب أو تتسبب في تراجع مستمر للتدفقات الاستثمارية الداخلة للبلاد.

المقال منشور بصحيفة مكة