كوادرنا المتميزة والمستثمر الأجنبي.. فرص تكامل نحو اقتصاد معرفي

مع تسارع النمو التقني وازدهار شبكات الاتصالات والمواصلات، تقاربت الأسواق الدولية وتوسعت قنواتها لتشمل وسائل أكثر كفاءة وقدرة على الانتشار كالمزادات الالكترونية وخدمات النقل والتوزيع البريدية. لقد تمكنت التقنية من ربط البائعين بالمشترين من مختلف أنحاء المعمورة ولم تعد مهمة نقل السلعة من بائع بالصين إلى مشتر بالبرازيل تشكل أي تحد.

أيضا تزامن مع هذا التقدم التقني تصاعد هائل في حدة المنافسة بين المنشآت التجارية نتيجة الكثافة النوعية والعددية للسلع والخدمات الأجنبية. وكردة فعل طبيعية لتلك المنافسة المتزايدة، تقوم المنشآت باستثمار أموال طائلة في أعمال البحث والتطوير بهدف ابتكار وسائل وتقنيات أكثر تعقيدا وتقدما لتطوير سلع وخدمات منافسة.

إن ما عرض بالأعلى يعكس مشهدا حيويا للتحولات الكبيرة التي طرأت على الاقتصاديات العالمية، يقوم الاقتصاديون بالإشارة إلى تلك الظروف باستخدام مصطلح «الاقتصاد المعرفي» والذي قام بتطويره Peter Drucker في كتابه «The Age of Discontinuity». يولي الاقتصاد المعرفي اهتماما بالغا بالكادر البشري وينظر إليه كأحد أهم الموارد التي ينبغي استثمارها واستغلالها للنمو برؤوس الأموال وتحقيق العوائد.

يقوم اللاعبون بهذا الاقتصاد بالتفريق بين العامل الذي يستخدم يده لإنجاز أعمال روتينية والعامل الذي يستخدم عقله لتطوير أفكاره ومعارفه.

إن عملية التفريق هذه قد نتجت عن حاجة المنشآت المعاصرة الماسة للمعرفة باعتبارها السبيل الوحيد للاستجابة لظروف السوق المتقلبة وتمكينها من المنافسة، والكادر الإنساني على خلاف الموارد الأخرى كالآلات والمعدات، يعتبر العنصر الوحيد الذي يمكنه تحويل الاستثمارات إلى معرفة والمعرفة إلى منتجات وخدمات متميزة.

لقد أدركت حكومة المملكة العربية السعودية المسار الذي اتخذته الاقتصاديات العالمية وبادرت بتخصيص ميزانيات هائلة للاستثمار في الإنسان وتطوير البيئة التعليمية، ووفقا لما جاء في التقرير السنوي الصادر عن مجموعة Universties 21, فقد احتلت المملكة المرتبة الثالثة على دول العالم في حجم الإنفاق الحكومي على التعليم العالي نسبة إلى ناتج الدخل القومي متقدمة على الدانمارك وفنلندا، بالإضافة إلى ذلك، لا يزال برنامج الابتعاث الذي بدأ في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز مستمرا في توفير فرص تعليمية وتجارب دولية نادرة للفرد السعودي.

وبالنظر إلى المخرجات يثبت السعوديون والسعوديات تفوقهم في كثير من المحافل الدولية، فقد تزايدت معدلات النشر بالدوريات العالمية وتصاعد عدد الحاصلين على براءات الاختراع وشهادات التميز من منظمات وجامعات عريقة.

إن اهتمام المملكة بالتعليم قد ساهم في صناعة أنموذج سعودي فريد من الشباب الطموح الذي يمكن الاعتماد عليه في بناء اقتصاد معرفي متين. وعلى الرغم من نجاح خطط وجهود الحكومة السعودية في مشاريع الاستثمار في الإنسان، إلا أن مخرجاتها قد واجهت تحديا عظيما، لقد كان الهدف الرئيس من تلك الجهود هو إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني ليصبح قائما على المعرفة الإنسانية ومنافسا بارزا في الأسواق العالمية.

ولكن يبدو أن استعداد السوق المحلي لهذا التحول لا يزال غير مواكب لتلك المستويات من الطموحات والجهود المبذولة، على سبيل المثال فإن حجم الاستثمارات في مشاريع البحث والتطوير بالشركات المحلية لا تزال على مستويات هامشية إذا ما قورنت بتلك التي تبذلها المشروعات الدولية النظيرة، علاوة على ذلك فإن معظم المنشآت المحلية تقوم بممارسة أنشطتها في معزل عن الأسواق العالمية، لهذا تتقيد استراتيجيات التوسع لديها بالانتشار المحلي، فتتجنب بذلك الاحتكاك بالمنافسين الأجانب، وبالتالي لا ينبغي أن نستغرب من تراجع أنشطة صناعة المعرفة لديها وذلك لغياب الحاجة للابتكار التي تولدها عنف المنافسة الدولية، أضف إلى ذلك أن تطور الصناعة المحلية لا يزال في مراحله الأولى، فلم تتمكن غالب المنشآت المحلية من أن تكون طرفا هاما في سلسلة القيمة الدولية (Global Value Chain). ورغم محدودية الإمكانيات لبعض الدول النامية في الشرق الآسيوي والقارة الأفريقية، إلا أن العديد من منشآتها التجارية قد نجحت في حجز مقاعد هامة في تلك السلسلة وبصناعات أساسية تشمل على سبيل المثال قطع السيارات والطائرات والأجهزة الالكترونية.

لقد عرضت الأمثلة السابقة عددا من التحديات التي لا تزال تعوق المشروع الوطني للتحول نحو اقتصاد المعرفة. وكنتيجة طبيعية للجهود المتواضعة من قبل رواد السوق المحلي، تفشل محاولات توطين الثروة البشرية المتميزة وتتراجع فرص استغلالها في تطوير منتجات وخدمات تتربع بعلامات تجارية دولية بارزة.

إن البديل الأمثل لمواجهة تلك التحديات يكمن في استقطاب المستثمرين الأجانب الذين يمتلكون موارد مالية وتقنيات وكفاءات متقدمة. فعلى سبيل المثال، يمكن للمستثمر الأجنبي أن يرفع من درجة المنافسة بالسوق المحلي مما يضطر المنشآت الوطنية إلى رفع استثماراتها في أعمال البحث والتطوير وصناعة المعرفة من أجل مواجهة ذلك المنافس القوي والبقاء بالصناعة.

أيضا يستطيع المستثمر الأجنبي أن ينشئ بيئة عمل تنسجم وتتكامل مع المهارات والقدرات العالية التي تتمتع بها الكوادر الوطنية المتميزة من الخريجين والمبتعثين. كذلك يستطيع المستثمر الأجنبي أن يوفر فرص عمل متجددة ويفتح مجالات واسعة لنقل وتوطين التقنية.

فمن أجل أن تكتمل الحلقة وتنجح الجهود الحكومية وجهود الكوادر المتميزة في التحول إلى اقتصاد معرفي، يجب أن تنهض الصناعة المحلية وترتقي مجهوداتها لتلك المستويات الطموحة. إن ذلك يتطلب عمل مبادرات جادة لاستقطاب مشاريع أجنبية عملاقة وهامة في سلاسل القيمة الدولية، بالإضافة إلى توفير المناخ الذي يضمن بقاءها وتفاعلها الداعم.

المقال منشور بصحيفة مكة