الاستعمار اللغوي

Journal Article
القاضي, د. هشام بن صالح . 2017
نوع عمل المنشور: 
مقال
مستخلص المنشور: 

الاستعمار اللغوي

By heshamalqadi

 

بعد عامين تليا أحداث الحادي عشر من سبتمبر، نشرت صحيفة الواشنطون بوست مقالاً للكاتبة سوزان جلاسرتشجع فيها البلاد العربية على انتهاج خطط تعليمية أكثر انفتاحاً، وضربت مثلاً بإحدى الدول العربية التي أصبح نظامها التعليمي “يحوي الكثيرمن  الإنجليزية والقليل من الإسلام”!

أثار هذا المقال منذ عام 2003 ضجة اختلطت فيها السياسة واللغة، والثقافة والدين، والعلم والوهم، وعُقد عدد من المؤتمرات وكُتبت الدراسات في دعم أو تفنيد وجهات النظر التي ربطت الأيديلوجيا باللغة. كان من تلك المرافعات مقالة للكاتب اللغوي سهيل كرماني نشرت عام 2005 في المجلة اللغوية الشهيرة Applied Linguistics بعنوان (الإنجليزية، الإرهاب، والإسلام)، حيث تساءل الكاتب اللغوي كرماني: هل يمكن لنا أن نضع الثنائية الآتية “إنجليزية أكثر وبوذية أقل، إنجليزية أكثر وسيخية أقل، إنجليزية أكثر ويهودية أقل؟!، أو حتى ما هو أشنع: عربية أكثر ومسيحية أقل؟”.

وقبل ذلك بأكثر من عِقد كامل، خلص البروفيسور البريطاني روبرت فيليبسون في كتابه Linguistic Imperialism

robert20small20picture

البروفيسور روبرت فيليبسون

“الإمبريالية اللغوية” إلى أن تعليم الإنجليزية هو في الحقيقة فعل استعماري بأدوات لغوية. لقد مضى على كتاب فيليبسون ما يقرب من 25 عاماً، والبلاد العربية تنتقل في تعليمها من تعليم الإنجليزية الإلزامي إلى التعليم بالإنجليزية! من تعليم الإنجليزية لغةً إلى جانب لغات أخرى بما فيها العربية اللغة الأم (وهو أمر محمود)، إلى التعليم بالإنجليزية لتصبح اللغة الأولى في أنظمة التعليم وتمسي العربية لغة ثانية أو ربما ثالثة. وبينما تتداعى الدول الأوروبية لمقاومة هذه الهيمنة اللغوية من خلال مؤتمرات لغوية وندوات ثقافية واتجاهات مؤسسية إلى تبني التعددية اللغوية، فضلاً عن المحافظة على الإرث اللغوي الأصلي لكل بلد! فإن أنظمة التعليم العربية تتسابق إلى التعلق غير المنطقي باللغة الإنجليزية لتصبح اللغة الأساسية للتخاطب والمحاضرة والكتابة في المواد والمقررات الجامعية الإنسانية والطبية والهندسية والعلمية وغيرها، ربما عدا مواد الدين الإسلامي واللغة العربية (مع أن بعض البلاد العربية تعلم اللغة العربية بواسطة الإنجليزية أو الفرنسية!).

 

إن مما تفخر به المملكة العربية السعودية أن أنظمتها تحتفي باللغة العربية وتحض على استعمالها وتعاقب على استعمال اللغات الأجنبية في الفضاءين الخاص والعام، بل إن عدداً من التشريعات قد سنت لمعاقبة المخالفات في لغة الإعلانات التجارية في الصحف وفي الشوارع، وفي اللوحات الإلكترونية. كما نصّ مجلس الشورى في قراره الصادر (عام 1371ه) على ضرورة استعمال اللغة العربية في القيودات والمكاتبات والمعاملات التي تصدر عن الشركات الأجنبية والأفراد مع النص على العقوبات عند المخالفة (حسناء القنيعير، العربية في الأنظمة السعودية، صحيفة الرياض 19 /2/ 1435هـ – العدد 16617). وفي نظام مجلس التعليم العالي والجامعات ورد ما نصه “اللغة العربية هي لغة التعليم في الجامعات، ويجوز عند الاقتضاء التدريس بلغة أخرى بقرار من مجلس الجامعة المختص”، كما ورد ضمن سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية أن “الأصل هو أن اللغة العربية هي لغة التعليم في كافة مواده وجميع مراحله إلا ما اقتضت الضرورة تعليمه بلغة أخرى”، وضرورة “ترجمة العلوم وفنون المعرفة النافعة إلى لغة القرآن وتنمية ثروة اللغة العربية من المصطلحات بما يسد حاجة التعريب ويجعل المعرفة في متناول أكبر عدد ممكن من المواطنين” (عيد الشمري، السياسة اللغوية في المملكة وغياب التخطيط اللغوي لتنفيذها، جريدة الاقتصادية، 1/12/2009).

وهو مجرد مثال ضمن أمثلة في الاهتمام بالعربية على المستوى الرسمي لكثير من البلاد العربية حتى أصبحت العربية بفضل تلك الجهود لغة عالمية ضمن اللغات الست المعترف بها من قبل منظمة اليونسكو، غير أن السياسة اللغوية والتخطيط في البلدان العربية لا يبدو منضبطاً من جهة ولا يبدو حقيقياً من جهة أخرى. إذ تتناقض تلك السياسات الرسمية مع الاستراتيجيات المؤسسية الخاصة والعامة وخاصة في مجال التعليم العام والعالي وفي المجال الاقتصادي والدبلوماسي (عبد القادر الفهري، السياسة اللغوية في البلاد العربية، 2013).

لقد حفلت الندوات التي أقامتها منظمة اليونسكو في اليوم العالمي للغة العربية 2016 بالعديد من الموضوعات والمبادرات والتوصيات التي ترفع من شأن العربية وانتشارها على سبيل المثال، إلا أن لغة التعليم تتناقض بشكل صارخ مع هذه الاحتفالية. في إحدى تلك الندوات أشارت المتحدثة سارة ظاهر إلى أن نسبة التعليم باللغة الأجنبية في البلاد العربية تساوي 75%! إن بعض السياسات الجامعية التي تلزم الطلاب بالتعلم من خلال لغة أجنبية وتلزم أو تشجع الأساتذة على النشر باللغة الإنجليزية حصراً هي سياسات تخالف هذا الاتجاه الرسمي وغير الرسمي لدعم اللغة العربية، وتبقي العِلم الذي يحصّله أبناء البلاد العربية غريباً عنها وعن تفكيرها وعن ثقافتها، أجنبياً عن هويتها، بل تبقيه محفوظاً من خلال أبناء العرب مرقوماً بلغة أجنبية عنهم. وما لم يتعلم العرب الإنجليزية فلن يتعلموا العِلم الذي حصّله الطلاب من قبلهم لأنهم كتبوه بلغة غير لغتهم، وهكذا سيبقى العلم أجنبياً على الدوام ، وتبقى اللغة العربية في العقل الجمعي لغة لا تقوى على حمل العلم. كأن اللغة العربية لم تحمل منارة العلم وشعلته إلى الأوروبيين في قرونهم الوسطى، وكأن كل أبناء الوطن العربي اليوم مجرد عاملين مقيمين افتراضيين في البلدان الأجنبية!

إن الفكرة التي لا يستطيع بعضهم قبولها هي أن لغة أخرى قادرة بالفعل على تهديد الأمن الفكري واللغوي القومي، وأن هذا مجرد هراء لا يستقيم في المنطق. أذكر أنني تحدثت قبل سنوات مع أحدهم في ضرورة الحرصenglish-attack-benjaminmadeira-com على كتابة المصطلحات بالعربية، فهز كتفيه مستهتراً قبل أن يرد: وماذا يمكن أن تفعله الكلمات والمصطلحات؟! هذا التساؤل البسيط ينمّ عن جهل شديد بأثر اللغة وارتباطها ال
كبير بالهُوية الثقافية والتشكل الاجتماعي والنظام القيمي. ومع كل الأسف فإن تلك الفكرة حقيقة ثابتة لدى اللغويين الدارسين بشكل لا يدع مجالاً لهؤلاء أن يرفضوها. إنهم فقط حينما يطلعون على الدراسات الاجتماعية اللغوية سيدركون المتلازمات الأيديولوجية والثقافية الثابتة التي تأتي في حقيبة واحدة كتلك التي تأتي مع التعليم بالإنجليزية أو بأي لغة أجنبية.

 

في مقابلة على الجزيرة عام 2010 مع المذيع ريز خان يقول فيليبسون: “هناك نظام لاختيار اللغات في كل دولة، وليس بالضرورة أن تشمل الخيارات الإنجليزية أو أن تكون الإنجليزية الخيار الأول في كل مكان! في تنزانيا مثلا تتصدر الإنجليزية المشهد ويتلوها السواحيلية ثم عدد من اللغات المحلية، وانطلاقاً من هذا الوضع فإن عددا ًمن اللغات في نيجيريا وتنزانيا ستنقرض مع مرور الوقت، وتلك مأساة، لأن معرفة أن الثقافات مندمجة في اللغات سيعني أن عددا ًمن الثقافات ستخرج وتنتهي من التعدد الثقافي في ذلك البلد، وربما من العالم… والسبب الرئيس في هذا هو الفشل في التخطيط اللغوي خاصة على مستوى التعليم”. ويضيف البروفيسور البريطاني: أن الرئيس السنغافوري لي كوان يو قد ندم كثيراً على اهتمامه المبالغ بفرض الإنجليزية مقابل التقليل من شأن المحليات وأهمها اللغة الصينية ذات الثقل الكبير اقتصادياً.

إن اللغات حينما يغتالها المستعمر فإنها تذهب بإرث ثقافي ضخم هو محصلة الخبرات العلمية والتقاليد الاجتماعية الغنية والديانات والعقائد الخاصة بالبلد المستعمر لغوياً. تأمل الاستلاب الثقافي الذي عانت منه المقاطعات المحيطة بإنجلترا، بسبب السياسات الاستعمارية اللغوية حيث ذهبت لغة الإيرلنديين والسكوتلنديين أدراج الرياح ولم يعد إلا النزر اليسير (أقل من 2%) يتحدثها وأقل من ذلك من يكتب أو يقرأ بها. لقد استعادت إيرلندا استقلالها، لكنها لم تستطع استعادة لغتها!

أما السياسات الاستعمارية الفرانكفونية فهي أشد ضراوة ويشهد الشمال والوسط الأفريقي غياباً للغات المحلية واندثاراً للثقافات الشعبية وسط صمت كصمت القبور التي وارت لغات أولئك البشر كما وارتهم هم. لقد وصل الاستلاب اللغوي والثقافي في تلك البلاد على سبيل المثال إلى أن يكون نشيد العلم في السنغال المستقلة بلغة المحتل الذي ذهب وبقيت لغته وثقافته وهُويّته!

cartoon-tr-philippines

وحينما يطول التغييرُ بفعل الاستعمار اللغوي نظامَ الكتابة، بحيث يتيغير إلى الكتابة بحروف مختلفة، فهو قطيعة ثقافية تُرتكب في حق الأجيال اللاحقة وتاريخ المجتمع وسجلات ذاكرته، وقد حصل هذا التغيير القسري للغة التركية التركية والأندونيسية والسواحلية والكردية وغيرها، لتُكتب بالحروف اللاتينية، بدلا من الحرف العربي. وأصبحت الكتب المكتوبة بالحرف العربي لتلك اللغات القومية ـ في ظل نظام التعليم الأجنبي ـ غريبة لا يمكن أن تقرأها الأجيال ولا أن تستعيد ذاكرتها الثقافية. إنه أمر محزن بلا شك.

وفي رد فعلٍ إيجابي على سياسات الاستعمار اللغوي، فقد شهدت السنوات الأخيرة محاولات العودة الثقافية للإرث القومي اللغوي كتركيا التي أعادت الاهتمام بتعليم العربية والكتابة بالعربية (العثمانية) التي هي إرث ثقافي تركي بدلاً من اللاتينية الغريبة المزروعة في بدايات القرن العشرين. وقامت مقاطعتا ويلز وسكوتلاند في بريطانيا بإعادة الاحترام للغتيهما في لوحات الشوارع وفي النظام التعليمي، كما فرضت تونس عدداً من التشريعات المهمة، وأوصلت إيرلندا لغتها المندثرة إلى الاعتراف الرسمي من قبل الاتحاد الأوروبي سعياً إلى إعادة إحيائها.

إن من المهم جداً أن تجدّ الدول العربية في تنفيذ السياسات اللغوية الإيجابية الموجودة أساساً في المواثيق والأنظمة العربية منذ نصف قرن على الأقل، وأن تساهم في تحسين نماذج التخطيط اللغوي وتطبيقاته وخاصة ما تعثر منها، ويمكن إجمال الأولويات في خمس خطوات:

أولها: إعادة الأهمية القومية للغة العربية في مراحل التعليم كلها وإحلالها محل اللغات الأجنبية التي استحلت النظام التعليمي، وذلك بواسطة عكس النسبة اللغوية الحالية بحيث لا تقل نسبة التعليم باللغة العربية في التعليم العام والعالي عن 75%.

ثانيها: استرجاع الوهج الثقافي والمركز الاجتماعي للغة العربية والدفاع عن ذوبانها التدريجي على لوحات الشوارع واللافتات الكبرى، وفي صيغ العقود والمكاتبات التجارية، وفي المناسبات الرسمية والدولية والدبلوماسية، ودعم الخط العربي بوصفه نوعاً من الجمال الفني القومي في المجال البصري العام.

ثالثها: تعليم اللغات الأجنبية في بيئة اللغة الوطنية أو القومية والسماح بما يسمى التعددية اللغوية مع بقاء اللغة القومية في مركزها كلغة أم.

رابعها: دعم الترجمة من العربية وإليها وتعريب العلوم وتوطينها وتوفير المراكز المتخصصة في الجامعات وتلك التابعة لمؤسسات ثقافية أو المستقلة ودعمها بالمتخصصين بشرياً وبالإجراءات النظامية معنوياً وبالبنود الخاصة في الميزانيات مادياً.

وخامسها: الاتصال باللغات الشرقية وخاصة الصينية واليابانية، فلها عمق ثقافي كبير وإرث تاريخي طويل يفوق ما لدى اللغات الغربية كالإنجليزية والفرنسية.

غني عن القول إن اللغة وعاء الثقافة الشعبية، ومستودع الذاكرة العلمية، والمأرز الثقافي لأجيال المستقبل الناطقين بها. وإن العبث بها ليس كالعبث بالبطاقة التعريفية فقط، بل هو عبث مدمر لعدد من الشرائح المركبة في الأنا الثقافية للإنسان. إنه عبث بالهُوية ومساس بالذاكرة الرئيسة الواعية وغير الواعية على السواء. بل هو استهداف للعقل الجمعي، ولما يتصل بعمليات التفكير وطرائقه وما ينتج عنه، وما لم يكن التخطيط اللغوي واعياً لسياسيات الاستعمار اللغوي، وما لم يكن التطبيق راشداً في تنفيذ السياسة اللغوية العربية، فإننا سنصحو يوماً لنقول لبعضنا جميعا: Good morning guys!

*أصل هذا المقال منشور في مدونات الجزيرة   via @AJABlogs