جدة إلى قائمة التراث العالمي

الأحد 1 رمضان 1435 هـ - 29 يونيو 2014م - العدد 16806, صفحة رقم ( 34 )

مع الزمن

جدة إلى قائمة التراث العالمي

د. هتون أجواد الفاسي

    وأخيراً، دخلت مدينتنا الحبيبة، جدة، أم الرخا والشدة، قائمة "التراث العالمي" الأسبوع الماضي 23 شعبان 1435ه (21 يونيو 2014). أعلنتها لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو» من مقر اجتماع اللجنة في دورتها ال 38 هذا العام في قطر التي ترأس قطر دورتها، والتي تترأسها الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، رئيسة مجلس أمناء متاحف قطر، بعد محاولة سابقة للهيئة العليا للسياحة والآثار عام 2011، لكنها انتهت بالانسحاب قبل أن يُنظر في الموضوع وذلك استدراكاً من الهيئة حتى يجهز ملف المدينة من الناحية الفنية والترميمية وبرامج المحافظة عليها وتطويرها بشكل أفضل. وهو ما تكلل بهذا النجاح في هذه المرة.

وقد رافق هذا الأسبوع مكسب آخر للآثار والتراث في المملكة العربية السعودية، وهو التصديق على "نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني" الجديد بعد صدور موافقة مجلس الوزراء عليه الاثنين 25 شعبان 1435ه (23 يوليو 2014) وستكون لي معه عودة.

لكن اليوم يحلو لي أن نطيل النظر في مكسبنا الثقافي الجداوي الذي ينضم إلى المكسبين السابقين على قائمة "التراث العالمي" مدائن صالح عام 1429ه / 2008 م، والدرعية التاريخية، حي طريف عام 1431ه/ 2010م.

فماذا يعني أن ينضم أحد مواقعنا التاريخية إلى هذه القائمة العالمية؟

سؤال يُطرح بلا شك على طلبة أقسام الآثار والمتاحف في دول العالم، ويثير الشهية لوضعه ضمن أوائل أسئلة الاختبارات ليعكس مدى إدراك العاملات والعاملين في مجال الآثار والتراث لأهمية هذه القائمة وإدراج أي موقع عليها. ففضلا ًعن المكانة (البرستيج) العالمية الذي تضفيه علينا هذه القائمة، فلها اشتراطات وتداعيات تنعكس إيجاباً على كل دولة تنجح في هذا "الاختبار".

تأسست هذه القائمة عام 1972 ضمن منظمة اليونيسكو التابعة للأمم المتحدة، وتهدف إلى تحديد المواقع العالمية التي تتضمن آثاراً إنسانية أو مواقع جغرافية مميزة لتضم إلى القائمة التي بدخولها إليها تحظى بمتابعة علمية وبمحافظة على مكوناتها من التداعيات السياحية الاستهلاكية، وتضمن استمرارية استمتاع سكانها والإنسانية بها. مدركين أن التراث الإنساني هو إنتاج إنساني أصيل غير قابل للاستبدال أو التعويض أو الإحلال، إذ لا يمكن إعادة بناء التاريخ والظروف البيئية والاجتماعية والتاريخية التي أنتجته على أرض الواقع واعتباره اصيلاً. فالإنتاج الثقافي هو مصدر حياة لا يعوض للإلهام والتطلع إلى المستقبل، والإنتاج الإنساني الثقافي هو ملك بالتالي للإنسانية جمعاء.

وفي عام 1994 دشنت لجنة التراث العالمي استراتيجية عالمية تدعو إلى توازن أكبر في الاختيارات كانت تشكو حتى ذلك الوقت من تركيز على أجزاء من العالم دون أخرى، يكون النصيب الأكبر فيها للعالم المتقدم خاصة أوروبا وتراثها المسيحي. أما الاستراتيجية الجديدة فهي أكثر شمولية توسع تعريفها ليضم الإنتاج الإنساني الثقافي في ارتباطه بثروات الأرض الطبيعية وبالتعايش بينها وبين الإنسان في مختلف أشكال بقائه وتعبيراته الروحية أو الإبداعية المختلفة. فدخلت على القائمة مواضيع في حماية المواقع تحت التهديد بسبب التخريب الإنساني/ الحروب، التطوير التجاري.. إلخ أو الظروف الطبيعية/ زلازل، براكين، فيضانات.. إلخ. وغيرها.

وتعمل اللجنة بمؤسساتها المختلفة على تشجيع الدول أولاً على التوقيع على الانضمام إلى "اتفاقية التراث العالمي" لتضمن محافظة كل دولة على تراثها الطبيعي والإنساني، ومن ثم تشجع الدول على اختيار مواقع من بلدانها تنطبق عليها معايير التراث الإنساني والطبيعي لتضم إلى القائمة. وبهذا الترشيح تسعى الدول الأعضاء إلى وضع خطط وإجراءات تعمل على حماية آثارها وتراثها وترفع به تقارير إلى اللجنة. وبناء على ذلك وبعد مراجعات وتمحيص وتأكد من أن الدول ملتزمة بمعايير المحافظة على تراثها وآثارها وفق نظام دقيق يوضح ذلك، تُطرح المواقع للتصويت في اجتماعات اللجنة السنوية في يوليو من كل عام. وبعد ذلك تساعد لجنة التراث العالمي الدول في المحافظة على مواقعها بتزويدها بالخبرة الفنية والمهنية والتدريب على ذلك. كما تقدم مساعادات في حالات الطوارئ التي تحتاج إلى مساعدة آنية مثلما تولت اليونيسكو العملية الضخمة لنقل معبد أبو سنبل في جنوب مصر إلى موقع آخر عندما هدده السد العالي بالإغراق عام 1960. كما تساند الدول في نشاطاتها الموجهة لرفع الوعي الاجتماعي بأهمية المحافظة على هذه المواقع الثقافية والتراثية والآثارية بين العامة، مشجعة على دعم مشاركة السكان المحليين في هذه العملية للحماية والمحافظة على آثارهم والاستفادة من هذه المحافظة بالطرق الفنية المبتكرة. وتشجع على التعاون العالمي في تحقيق أعلى درجات المحافظة على التراث واستثماره بشكل لا يؤثر في محتواه أو يهدد وجوده.

إن جدة بدخولها هذه القائمة قد ضمنت المكانة الخالدة على التراث الإنساني العالمي. كما ضمنا داخلياً المحافظة عليها واستمرار القيام على أمر الأفكار الإبداعية في تقدير فنون الآباء والأجداد وما أنتجته السواعد والعقول والأرواح.

إننا نطمئن بذلك أن مقاولا أو مالكا أو مستثمرا لن يقرر بين ليلة وضحاها وتحت إغراء أو حاجة، أن يهد البناء ويقلبه برجاً أو ناطحة سحاب لأن قراره بيده أو في جيبه.

انضمام جدة إلى قائمة التراث الإنساني يؤهل الإنسان، صاحب هذا الإنتاج الإنساني العالمي، إلى دخول التاريخ الذي ساهم في صنعه، وإلى استمتاع الأجيال الحالية والقادمة به، معلين من قدر الاعتزاز بمكوناتهم الثقافية وهويتهم التي لم تعد مجرد هوية وطنية بل وإنسانية عالمية.