بحوث: دعوى الإلغاء في القانون السوداني. د. وهبي محمد مختار










 

 


 




























ورقة عمل حول


دعوى الإلغاء في القانون السوداني



  • طبيعة الدعوى الإدارية

  • دور القاضي الإداري في نظر دعوى الإلغاء

  • §      الأثر المترتب على دعوى الإلغاء 

 


 

 









المستشار الدكتور/ وهبي محمد مختـار

نائب رئيس القضاء


السودان


 


 


 


 

 



مقدمـــــة:


بتوالي نشاط الإدارة ولجوئها إلى استخدام وسائل السلطة العامة في تصرفاتها القانونية والمادية فإنها تتعرض لحريات الأفراد وتمس مراكزهم القانونية وقد تلحق بهم وبأموالهم وممتلكاتهم الضرر الأمر الذي يتطلب وجود ضمانات للأفراد في مواجهة الإدارة العامة أو على الأقل ضرورة خضوعها بصفة عامة لأحكام القانون في كل ما تقوم به من أعمال أو تستخدمه من وسائل وامتيازات.([1]) ولعل أهم هذه الضمانات هي قيام الإدارة بعملها في حدود القانون وهو ما يعرف بمبدأ المشروعية.


ويقضي مبدأ المشروعية أن تأتي تصرفات وأعمال الإدارة وفق القانون أي بسند وأساس من القانون. ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك، فالنشاط الإداري بتنوعه وتطوره أصبح من العسير وضع نصوص قانونية سابغة تسير عليه كما أن الإدارة ملزمة في معظم الحالات باتخاذ قرارات فردية تقديرية لتحقيق أهداف الصالح العام، وهذه القرارات من الصعب إن لم يكن من المستحيل وضع ضوابط قانونية مسبقة لها.


لهذا اتجهت الحاجة إلى إيجاد وسيلة لمراقبة أعمال الإدارة وتصرفاتها دون الحد منها وللتأكد من توافقها مع القانون, واتفقت معظم النظم القانونية على إسناد هذه الرقابة للقضاء الإداري والذي لعب دوراً فاعلاً في إضفاء رقابة المشروعية على أعمال السلطة الإدارية بما يحقق التوازن بين الصالح العام وحماية حقوق وحريات أفراد المجتمع.


إن الدور الذي يلعبه القاضي الإداري في دعم وتعزيز مبدأ المشروعية استمد فعاليته من الفهم الصحيح لسلطة القاضي الإداري في الرقابة على مبدأ المشروعية تلك السلطة التي تقف عند حدود ومتطلبات الرقابة وفي ذات الوقت تملك القاضي الإداري وسائل إيجابية تسمح له بإضفاء هذه الرقابة بفاعلية غير مألوفة للقاضي المدني، فالقاضي الإداري ليس مفروضاً عليه العلم بالقاعدة القانونية الواجبة التطبيق على الوقائع التي يستبينها فقط بل من الواجب أيضاً أن يبادر إلى تطبيق صحيح القانون حسبما يحكمه مبدأ المشروعية.


للقاضي الإداري – والحال كذلك – دور إيجابي فعال في تحقيق مبدأ المشروعية عن طريق الرقابة على أعمال السلطة الإدارية وعلى وجه الخصوص القرارات الإدارية، مما يستلزم منا التعرف على هذا الدور من خلال ثلاثة محاور:


 


 


-       المحور الأول: طبيعة الدعوى الإدارية في القانون السوداني.


-       المحور الثاني: دور واختصاص القاضي الإداري في نظر الدعوى الإدارية.


-       المحور الثالث: الأثر المترتب على الحكم الصادر في دعوى الإلغاء.


 


المحـــور الأول


طبيعة الدعوى الإدارية وموقف القانون السوداني


لقد أصبح للقضاء – الإداري أو العادي – ولاية النظر في سائر المنازعات الإدارية وإصدار الأحكام المُلْزِمة فيها " تلك المنازعات التي تنشأ نتيجة أعمال السُلطة العامة بوصفها سلطة إدارية، أي بنشاطها في مجال ممارسة وظيفتها الإدارية إذا ما باشرت بشأن هذا النشاط أسلوب السلطة العامة ".([2])


المُنازعة الإدارية إذاً هي مناط تحريك اختصاص القضاء وحق ممارسته لولاية نظرها والبت فيها بأحكام ملزمة، وحتى يتحقق ذلك أوجب المُشرِّع على المُدّعي في المنازعات الإدارية  - سواءً كانت الإدارة أو الأشخاص القانونية الخاصة – ضرورة إتباع الإجراءات الشكلية اللازمة لرفع الدعوى ومتابعتها أمام القضاء الإداري.


وعلى ضوء ما تقدم فإنه يمكن تعريف الدعوى الإدارية بأنها الوسيلة القانونية المتاحة للمُدَّعي للحصول على حكم قضائي مُلْزِم.


وهذا التعريف قد يُقرِّب الدعوى الإدارية من مثيلاتها في الدعوى المدنية أو التجارية إلا أن المطَّلِع على أحكام القانون الإداري يلحظ دوماً الفرق الجوهري بين الدعوى الإدارية وغيرها من حيث إن الدعوى الإدارية مرتبطة دائماً بالمصلحة العامة وهي بذلك تختلف عن الدعوى المدنية أو التجارية باعتبار أن الأخيرة لا تخرج عن محاولة البت في منازعة تدور في إطار المصالح الخاصة لطرفي الدعوى وقد ترتب على ذلك أن تميزت الدعوى الإدارية بخصائص جعلتها تنفرد بأحكامها عن الدعوى المدنية.


 


 


أولاً: خصائص الدعوى الإدارية:


تكونت للدعوى الإدارية خصائص معينة جعلتها متفردة عن الدعوى المدنية، وقد أدت عوامل كثيرة إلى تكوين هذه الخصائص منها ما تعلق بطبيعة الدعوى الإدارية نفسها سواءً من ناحية الموضوع أو الأطراف، ومنها ما تعلق بتطور القانون الإداري نفسه وتشعب مجالات تطبيقه.


ولقد تجمعت هذه العوامل لتُحدد لنا في النهاية خصائص الدعوى الإدارية والتي يمكن ترتيبها في النقاط التالية:



  1. الدعوى الإدارية وباعتبارها من دعاوى القانون العام تكون الإدارة دائماً طرفاً فيها سواءً كمُدَّعِية أو مُدَّعَى عليها، وهذا يعني أن الإدارة وهي تمثل المصلحة العامة – أو هكذا يجب أن تكون – تجد نفسها وجهاً لوجه في مواجهة أفراد طبيعيين أو شخصيات اعتبارية وهي في واقع الأمر مسئولة عنهم ومن ثَم وجب على المحاكم الإدارية عند نظر المنازعات أمامها وضع هذه الخاصية في الاعتبار خاصةً عند تطبيق مبدأ مساواة الخصوم أمامها.

كما يقع على القاضي الإداري وفق ذات المفهوم أن يعمل جاهداً على محاولة تحقيق التوازن بين المصلحة العامة والتي تمثلها الإدارة وتحقيق دواعي المصلحة الخاصة المتمثلة في حماية الحقوق والحريات العامة للأفراد وهي جد مسألة غير يسيرة إذا حاولنا التمسك بذات المعايير التي تحيط نظر الدعوى المدنية حيث يتساوى أطراف الدعوى أمام القضاء ويقود كل مُدَّعٍ - بالطريقة التي تتفق مع ما يدعيه وما تقتضيه حماية مصلحته الخاصة - دعواه أمام القضاء.



  1. الدعوى الإدارية في حقيقتها هي دعوى مشروعية ولا يغير من الأمر شيئاً التطور الذي لازمها حتى صارت تقضي بالتعويض فيما سُميَّ بالقضاء الكامل أو قضاء التعويض وهي اختصاصات حديثة أضيفت إلى القضاء الإداري، وبالرغم من ذلك فإن الاختصاص الأساسي للقضاء الإداري يقوم على مبدأ المشروعية أي رقابة القضاء على أعمال الإدارة. وهذه الخاصية وضعت على عاتق القضاء الإداري عبء البحث والتمحيص في مدى مشروعية أو عدم مشروعية القرار أو التصرف الإداري وهل قامت الإدارة بتصرفاتها المطعون فيها أمامها وفق القانون وفي حدود اختصاصاتها ولتحقيق المصلحة العامة؟ إنَّ الإجابة على هذه التساؤلات تتطلب من القاضي الإداري وهو قاضي مشروعية أن يفحص التصرف المطعون فيه من حيث مشروعيته من عدمه وله في سبيل ذلك – وبطبيعة الحال – أن يطّلِع على مستندات تعينه في الأمر حتى ولو تطلَّب الأمر أن يطلبها بنفسه دون طلب من الأطراف وله أن يستمع إلى من يشاء من شهود وغير ذلك من المسائل التي يمكن أن تعينه على البت في الدعوى في إطار مبدأ المشروعية.

 



  1. مبادئ الإثبات في الدعاوى الإدارية تختلف عن مثيلاتها في المنازعات المدنية، فإذا كان مبدأ حياد القاضي في المادة المدنية نتيجة للطابع الاتهامي للإجراءات فإن مبادرة القاضي الإداري تنبع من الطابع التحقيقي للإجراءات الإدارية. فالهدف من الإثبات في المنازعات المدنية يتجلى في العمل على تحقيق التوازن بين حرية الأفراد من جهة واستقرار المعاملات من جهة أخرى وبالمقابل نجد أن الهدف منه في المنازعات الإدارية هو تحقيق التوازن ما بين حرية الأفراد من جهة ومصلحة الجماعة من جهة أخرى والتي تضطلع الإدارة بتحقيقها.

تفرُّد الدعوى الإدارية بهذه الخصائص يدعونا إلى المناداة بضرورة وضع أحكام خاصة لهذه الدعوى تتفق مع طبيعتها القانونية، وهذا يبرر الدور الكبير الذي يلعبه القضاء الإداري في هذا المجال باعتبار أن القانون الإداري هو قانون في مجمله من وضع القضاء.


ثانياً: التمييز بين الدعوى الإدارية والدعوى المدنية:


الدعوى الإدارية هي الوسيلة التي تحرك اختصاص القضاء الإداري لنظر المنازعة الإدارية أمامه وإصدار حكم قاطع قابل للتنفيذ. وقد يبدو من هذا التعريف أن التشابه وارد بين كل من الدعوى المدنية والدعوى الإدارية إلا أن هناك حدوداً فاصلة بينهما يمكن تبيانها في النقاط التالية:


أولاً: أطراف الدعوى الإدارية تختلف عن أطراف الدعوى المدنية، إذ لا بد أن يكون طرفاً في الدعوى الإدارية شخص من أشخاص القانون العام، أي شخص معنوي أو إداري له سلطة الأمر والنهي، بينما أطراف الدعوى المدنية يكونون دائماً من الأشخاص الطبيعيين.


ثانياً: الدعوى الإدارية تُعرف بأنها دعوى المصلحة العامة ويترتب على ما تقدم احتواء القانون الإداري على مبادئ ونظريات يضعها القاضي الإداري في اعتباره عند نظر الدعوى الإدارية مثل حق الإدارة في التنفيذ المباشر ونزع الملكية للمصلحة العامة والرقابة على مشروعية أعمال الإدارة وغيرها من المسائل التي لا مثيل لها في القانون المدني، ولا يحق للقاضي المدني وضع مثل هذه المسائل في الاعتبار إذ يحكم في الدعوى وفق أرجحية البينات المقدمة أمامه وتحقيقاً لمبدأ المساواة بين الأطراف.


ثالثاً: موضوع المنازعة الإدارية – غالباً – ما توجه ناحية نشاط الإدارة وما ترتب على ذلك من ضرر نتيجة هذا النشاط ولذلك يقال دائماً إن الحقوق في الدعوى الإدارية – خاصة دعوى الإلغاء – توجه صوب النشاط الإداري، أما في الدعوى المدنية فالمنازعة تدور حول حق متنازع عليه بين الأطراف.


رابعاً: الدعوى الإدارية تقوم على مبدأ المشروعية ولذلك لا يتدخل القاضي الإداري في البحث عن ملاءمة القرار الإداري، فالملاءمة من سلطة الإدارة وتقوم بها وهذا تطبيق لقاعدة الفصل بين السلطات وعدم تدخل القضاء في أعمال الإدارة.


هذا الاختلاف بين طبيعة الدعوى الإدارية والدعوى المدنية كانت نتيجة لاختلاف طبيعة كل من القانون الإداري والقانون المدني مع الاعتراف بطبيعة الحال بوجود علاقة متينة بين القانونين.


أقسام الدعوى الإدارية([3]):


يعتمد التقسيم التقليدي للدعاوى الإدارية على أساس سلطات القاضي التي تحركها الدعوى، ويمكن إيجاز ذلك في الأقسام التالية:


1. دعوى الإلغاء أو دعوى تقرير عدم مشروعية القرارات الإدارية:


وينحصر دور القاضي في دعوى الإلغاء في الحكم بالإلغاء إذا كان العمل غير مشروع، أو رفض طلب الإلغاء إذا كان العمل مشروعاً، وليس من سلطة القاضي أن يحكم بتعديل العمل المطلوب إلغاؤه أو استبدال غيره به.


2. دعوى القضاء الكامل:  


وفي هذه الدعوى يكون من حق القاضي أن يحكم بالإلغاء أو التعديل أو إصدار حكم جديد، ومن أمثلة هذه الدعوى دعوى المسئولية ودعوى العقود الإدارية.


3. قضاء التفسير وتقدير المسئولية:  


فعندما يثور نزاع أمام القاضي المدني في مسألة من اختصاص القضاء الإداري يتوقف عليها الحكم النهائي في الدعوى فإنه يقوم بإحالة المسألة للتفسير أو تقدير المشروعية للقضاء الإداري بدعوى مستقلة ويكون القاضي المدني ملزماً بالحكم الصادر من القاضي الإداري في هذه الدعوى.


4. قضاء التأديب:  


ويختص فيها القضاء بنظر المخالفات التأديبية التي تقع من موظفي الدولة من شاغلي الدرجات العليا خروجاً على القوانين واللوائح التي تحمي المال العام.


هذه هي أقسام الدعوى الإدارية في القانون المقارن، أما في السودان ففي الأمر اختلاف، إذ إن القانون السوداني لا يعرف الدعوى الإدارية إلا في صورة الطعن في القرارات الإدارية مع إحالة المسائل التأديبية والمتعلقة بقانون الخدمة العامة لديوان العدالة الاتحادي على نحو ما سنفرد له تفصيلاً في المبحث التالي.


ثالثاً: الدعوى الإدارية في القانون السوداني  دعوى الطعن في القرارات الإداريــة:


إن المتطلع لحقل القانون الإداري في السودان لا بد وأن يلحظ وبوضوح مدى التطور الذي لازم أحكام هذا القانون وتجاوز مجرد التشريعات المتفرقة التي تتناول التنظيم الإداري إلى نظام قانوني متكامل يعالج نشاط الأجهزة الإدارية في إطار المشروعية.


والحقيقة أن الأمر لم يكن سهلاً فالقضاء المدني وهو يمارس اختصاصه في نظر المنازعات الإدارية واجه صعوبات جمة في تطبيق أحكام ونظريات القانون المدني على منازعات تميزت بخصوصية الدعوى الإدارية من ناحية وخصوصية الدور الرقابي للقضاء الإداري على نشاط الإدارة من ناحية أخرى، وقد دفع ذلك كله القضاء السوداني للبحث عن قواعد قانونية تستوعب تفاعلات القانون الإداري المرن والمتطور لتصل في النهاية إلى أحكام تتفق مع طبيعة المنازعات الإدارية.


من المعلوم أن الدعوى الإدارية في القانون السوداني قد تمثلت في دعوى الطعن في القرارات الإدارية، تلك الدعوى التي نظم أحكامها قانون القضاء الإداري، هذا الاتجاه من القانون السوداني وإن كان يتفق مع الدور الرقابي للقاضي على أعمال الإدارة والذي ينصب على القرارات الإدارية ومدى مشروعيتها، إلا أن ذلك لا يعني قصر اختصاص المحاكم الإدارية في دعوى الطعن في القرارات الإدارية فقط بل يجب أن يمتد التطور ليشمل كافة المنازعات الإدارية والتي يمكن أن تبنى على مخالفة الالتزامات التعاقدية أو تلك التي تُنْشِئ على عاتق الإدارة المسئولية عن الضرر الذي يصيب الأفراد من نشاطها.


صحيح أن القانون السوداني قد عرف دعوى الطعن في القرارات التأديبية إلا أنه أحال اختصاص نظر مثل هذه الطعون لهيئات إدارية متخصصة ومنحها سلطات قضائية مثل ديوان العدالة الاتحادي والولائي على نحو ما سنتطرق إليه.


سنتابع في هذا المبحث أهم أحكام الطعن في القرارات الإدارية والأحكام القضائية التي ساعدت على إنشاء وتطوير المبادئ القانونية التي أرستها هذه الأحكام.


1. طبيعة القرار الإداري:


لقد رأينا كيف أن الوسيلة الوحيدة والفاعلة للرقابة القضائية على أعمال الإدارة في القانون السوداني قد تمثلت في دعوى الطعن في القرارات الإدارية، تلك الدعوى التي نظم أحكامها قانون القضاء الإداري لسنة 1996م، وقد جاء في المادة الثانية من هذا القانون تعريف للقرار الإداري بأنه "القرار الذي تصدره جهة إدارية بوصفها سلطة عامة بقصد إحداث أثر قانوني معين يتعلق بحق أو واجب على شخص أو أشخاص ويشمل رفض السلطة الإدارية أو امتناعها عن اتخاذ قرار كانت ملزمة قانوناً باتخاذه".


هذا التعريف للقرار الإداري وإن جاء متفقاً مع تعريف الفقه الإداري المقارن، إلا أنه تعريف فضفاض ويميل إلى المعيار الشخصي في تحديد طبيعة القرار الإداري والذي يَعْتَبِر أن كل قرار صادر من جهة إدارية هو قرار إداري، وهو معيار لا يتفق مع الواقع العملي حيث يتيح القانون للجهات الإدارية سلطة إصدار قرارات قضائية كما هو الحال بسلطات مسجل  نقابات العمال وكذلك هيئة المظالم والحسبة العامة.


لقد احتاج توضيح ذلك إلى جهود المحكمة العليا لتحديد تعريف محدد للقرارات الإدارية، وليس هذا غريباً على دورها، إذ إن القانون الإداري قانون من صنع القضاء، وفي هذا المجال نُسجِّل الأحكام التالية:


-          الحكم الصادر في المراجعة رقم 47/2004م (غير منشور): القرار الصادر من الوالي في اجتماع عام دون أن يؤثر في مركز قانوني لشخص أو أشخاص مُعينين لا يُعد قراراً إدارياً بل هو توجيه عام لم يؤثر في مركز قانوني للطاعن.


-          الحكم الصادر في الطعن ط أ س/214/2004م (غير منشور): القرارات التنفيذية لقرار إداري أو توجيه أو تنفيذاً لقانون أو لائحة لا تُعتبر قرارات إدارية يجوز الطعن فيها بالإلغاء.


-          الحكم في الطعن ط أ س/15/2004م (غير منشور): المعيار الواجب الإتباع للتمييز بين القرار الإداري والعمل القضائي للجهة الإدارية يكمن في طبيعة وهدف التصرف وطريقة الطعن فيه، فإذا كان التصرف صادراً من سلطة إدارية بما لها من سلطة تقديرية تحقيقاً للهدف المرتجى من التصرف وكانت وسيلة إصلاح هذا التصرف هو بالتظلم إلى الجهات الإدارية الأعلى قبل اللجوء إلى القضاء الإداري لمراقبة مشروعيته، كان القرار إدارياً، أما إذا كان التصرف مبتغاه وهدفه هو تنفيذ أحكام قانونية وكانت سلطة الإدارة مقيدة في هذا المجال وبيَّن القانون طريقة الطعن في التصرف أمام محاكم أو جهات قضائية عادية صار التصرف من قبيل الأحكام القضائية التي لا تخضع لرقابة المشروعية.


-          الحكم الصادر في الطعن ط أ س/140/2004 (غير منشور): يختلف القرار الإداري التنظيمي عن القرار الإداري الفردي، فالقرار الإداري الفردي يكون صادراً في حق شخص أو أشخاص محددين بذواتهم وليس بصفاتهم بينما القرارات الإدارية التنظيمية تكون صادرة في حق أشخاص معنيين بصفاتهم وليس بذواتهم. القرارات الإدارية التنظيمية من ناحية الشكل قرارات إدارية لصدورها من جهة إدارية، ومن ناحية الموضوع قانونية لاحتوائها على قواعد عامة مجردة، ولذلك لا يتصور التظلم من القرارات التنظيمية قبل إقامة دعوى الطعن لأنها باعتبارها قانوناً من ناحية الموضوع تكون صادرة من أعلى سلطة إدارية.


-          الحكم الصادر في المراجعة 11/2004 (غير منشور): العناصر الأساسية التي يجب أن تتوافر في القرار الإداري المطعون فيه أمام المحكمة:



  1. يجب صدور القرار الإداري من سلطة إدارية عامة وبإرادة منفردة لهذه السلطة.

  2. القرار الإداري عمل قانوني القصد منه ترتيب أثر قانوني لشخص أو أشخاص وعليه فإن النشاط الصادر من السلطة العامة ولا يؤثر في المراكز القانونية لا تعتبر قرارات إدارية بل يُعد عملاً تحضيرياً أو توصية أو توجيهاً أو أعمالاً مادية تنفيذية.

  3. القرار الإداري يجب أن يصدر بناءً على سلطة تقديرية لِمُصْدِرِهِ ولذلك فإن إجراءات تنفيذ القانون أو التوجيهات أو حتى القرارات الإدارية الصحيحة لا تُعتبر من قبيل القرارات الإدارية بل هي أعمال مادية بحتة مرتبطة بقانون أو توجيه قرار إداري آخر ومن ثم فإن المراكز القانونية التي تأثرت تكون بسبب القانون أو التوجيه أو القرار الإداري الآخر ولم تتأثر بالعمل المادي الصادر من السلطة العامة.

  4. هناك عنصر آخر مرتبط بشروط صحة القرار الإداري حيث لا بد من أن يكون القرار الإداري مشروعاً أي صادراً من مختص وفق الشكل والإجراء المطلوب وقائماً على سبب صحيح يبرره وأن يكون ممكناً تنفيذه والهدف منه في النهاية تحقيق المصلحة العامة.

-      الطعن م ع/ط أ س/2003.


-     رفض تنفيذ عقد الإيجار لا يعد قراراً إدارياً وإنما هو إخلال بالعقد تختص به المحاكم المدنية.


-     في غياب القرار الإداري لا تكون هناك دعوى إدارية.


2. الاختصاص:


لقد شاب تطور هام جدير بالملاحظة في القانون السوداني يتمثل في تحديد محاكم بعينها داخل الهيكل التنظيمي للمحاكم المدنية لنظر الطعون في القرارات الإدارية كما تحددت دائرة إدارية بالمحكمة العليا لنظر الاستئنافات الصادرة من هذه المحاكم وسيؤدي ذلك بالضرورة إلى تطور ونمو القانون الإداري حيث ستتمكن المحاكم المتخصصة بما لديها من قضاة متخصصين في إثراء وتطوير هذا الفرع من القانون.


لقد حددت المادة (4) من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م اختصاص المحاكم بالنظر في الطعون الإدارية وجاء في الفقرة (1) من هذه المادة "يُرفع إلى قاضي المحكمة العليا بعريضة كل طلب طعن في قرار إداري صادر من رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء الاتحادي أو وزير اتحادي". أما الفقرة (2) من المادة فقد نصت على "يُرفع إلى قاضي محكمة الاستئناف المختصة بعريضة كل طلب طعن في قرار إداري صادر من أي سلطة عامة أخرى غير المذكورة في البند  (1)".


إن هذه المادة بفقرتيها قد وضعت مؤشرات هامة فيما يتعلق بالاختصاص النوعي يمكن إدراجها في النقاط التالية:



  1. جواز الطعن في القرارات الصادرة من السلطة التنفيذية في الدولة أياً كان مصدر القرار، وبهذه الصورة لم يُسْبِغ القانون أي حصانة للقرارات الصادرة من رأس الدولة وذلك على خلاف ما جاء بمعظم النظم القانونية السائدة في الدول الأخرى.

  2. فرّق القانون بين القرارات الإدارية السيادية وبين القرارات الإدارية الصادرة من الجهات الإدارية الأخرى وأخضع النوع الأول للطعن فيها أمام قاضي المحكمة العليا بينما أخضع القرارات الإدارية الأخرى للطعن فيها أمام محكمة الاستئناف، والحقيقة أن هذا التقسيم يتنافى مع دور المحاكم في الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية من ناحية، كما أن القرارات الإدارية لا يجوز الطعن فيها – في معظم الحالات – ما لم يتم التظلم منها وصدور قرار التظلم من أعلى السلم الإداري مما يعني أن القرارات الإدارية تكون في كثير منها وكأنها صادرة من الجهات الإدارية الأعلى، وأخيراً فإن الحكم الصادر في الطعن الإداري حتى ولو صدر من محكمة الاستئناف المختصة فإنها تكون قابلة للطعن فيها أمام المحكمة العليا وهي أعلى جهة إدارية مما يفرغ هذا التقسيم من أهدافه.

  3. إذا كان اختصاص نظر الطعن في القرارات الإدارية قد انعقد للمحكمة المختصة ( محكمة الاستئناف أو المحكمة العليا ) إلا أن هناك استثناءات قد وردت على هذه القاعدة إذ نُصَّ في تشريعات مختلفة ما يحيل اختصاص نظر الطعن في قرارات إدارية معينة لجهات قضائية معينة أو جهات إدارية ذات سلطة قضائية، وقد صدرت أحكام كثيرة من المحكمة العليا تؤكد هذا الاتجاه.

     وفيما يلي نورد بعض الأحكام الحديثة الصادرة من المحكمة العليا في شأن تحديد اختصاص المحاكم الإدارية بنظر دعوى الطعن في القرارات الإدارية:


-               الطعن م ع/ط أ س/37/2003م: محكمة الطعون الإدارية غير مختصة بنظر المنازعات المتعلقة بالأراضي المسجلة لدى تسجيلات الأراضي – الاختصاص ينعقد للمحاكم المدنية وفق أحكام قانون تسوية الأراضي وتسجيلها.


-               م ع/ط أ س/99/2003م: يختص ديوان العدالة دون غيره بنظر مظالم وطعون شاغلي الوظائف القيادية والوظائف الأخرى، الناتجة عن أخطاء تطبيق القانون.([4])


-               م ع/ط أ س/93/2004م: المحكمة العليا المختصة بنظر المنازعات التي توجه صوب السجل بقصد تصحيح ما جاء فيه هي المحكمة المدنية وفق أحكام المادة (85) من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م أما محكمة الطعون الإدارية فتصبح غير مختصة بنظر المنازعات الخاصة بتغيير السجل أو تصحيحه.


-               م ع/ط أ س/84/2004م: ليس هناك مجال للطعن في قرار هيئة المظالم والحسبة العامة لولاية الخرطوم لأن قراراتها نهائية وواجبة التنفيذ فور صدورها وملزمة لكافة أجهزة الولاية ومنظمات المجتمع.


المحور الثاني


دور واختصاص القاضي الإداري في نظر دعوى الإلغاء


يستمد القاضي الإداري اختصاصه بنظر الدعوى الإدارية من طبيعة الدعوى الإدارية نفسها والتي تختلف عن الدعوى المدنية من وجوه عدة كما يختلف دور القاضي الإداري تبعاً للنظام القانوني المتبع في الدولة على نحو ما سنبينه.


أولاً: دور القاضي الإداري في نظر الطعن بالإلغاء:



  1. للقاضي الإداري سلطات أوسع من القاضي المدني وله دور إيجابي في تسيير دعوى الطعن أمامه وفي هذا الشأن لا يتقيد بما يبديه الخصوم من أوجه عدم المشروعية، المهم أن ينزل القاضي صحيح أحكام القانون وأن يتأكد بطريقته من المشروعية ومدى تقيد الإدارة بهذا المبدأ لأن هذا هو دور المحكمة الطبيعي في الرقابة على المشروعية، أما ما يبديه  الطاعن فهو أمر يتعلق بمصلحته الخاصة بينما يسعى القاضي الإداري إلى تحقيق التوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة للطاعن.

وتعليقاً على ذلك جاء في حكم حديث للمحكمة العليا الدائرة الإدارية أنه "ما زالت محكمة الطعون الإدارية تعالج دعوى الطعن في القرارات الإدارية معالجة الدعاوى المدنية من حيث تحديد نقاط النزاع حول مدى أحقية كل من طرفي الدعوى في موضوع الطعن، وهذا لا يفيد الطعن الإداري في شيء بل ويبتعد عن الغاية المرجوة من الطعن الإداري بالتأكد من مشروعية القرار الإداري وصدوره صحيحاً وفق القانون".([5])


هذا الاختلاف بين الدعوى المدنية والدعوى الإدارية تبعه اختلاف في طبيعة دور القاضي الإداري في نظر الدعوى الإدارية وعلى وجه الخصوص دعوى إلغاء القرارات الإدارية.



  1. القاضي الإداري هو الذي وضع – في كثير من الأحيان- القاعدة القانونية واجبة التطبيق لعجز المشرع عن تصور قواعد عامة لتحقيق مبدأ مشروعية نشاط الإدارة، لذلك فإنه مطلوب من القضاء الإداري أن لا يكتفي بحل النزاع المطروح أمامه بل من الضروري أن يبادر بوضع المبادئ القانونية واجبة الإتباع في الحالات المماثلة بالتحليل الموضوعي والمقارنة مع تجارب الدول الأخرى.

  2. هناك دور رئيسي للقاضي الإداري في قواعد الإثبات وهو دور تحقيقي لا يقنع فيه القاضي بمبدأ الحياد وترك حرية الإثبات لطرفي الدعوى كما هو الحال بالنسبة للقضاء المدني فللقاضي الإداري أن يتدخل ويوجه قاعدة الإثبات لأن دوره هو دور رقابي على أعمال الإدارة.

  3. ليس هناك إلزام على القاضي الإداري بتطبيق القواعد العامة للقانون المدني إلى ما يتناسب مع طبيعة الدعوى الإدارية وقد سجل القضاء المصري سبقاً في تأكيد هذه القاعدة في حكم صادر للمحكمة الإدارية العليا في 2 يونيو 1956م حيث جاء فيه "إن روابط القانون الخاص تختلف في طبيعتها عن روابط القانون العام، وإن قواعد القانون المدني قد وضعت لتحكم روابط القانون الخاص ولا تُطبَّق وجوباً على روابط القانون العام إلا إذا وجد نص يقضي بذلك، فإن لم يوجد فلا يلزم القضاء الإداري بتطبيق القواعد المدنية حتماً وكما هي، وإنما تكون له حريته واستقلاله في ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ في مجال القانون العام بين الإدارة في قيامها على المرافق العامة وبين الأفراد، فله أن يطبق من القواعد المدنية ما يتلاءم معها وله أن يطرحها إن كانت غير ملائمة وله أن يطورها بما يحقق هذا التلاؤم".([6])

جاء في حكم حديث أيضاً للقضاء الإداري في مصر "على المحكمة الإدارية المختصة أن توجه الإجراءات لكي تفحص موضوع الدعوى وتمحصه وتحدد حقيقة الطلبات التي يهدف إليها الخصوم وتنزل عليها حكم القانون، المحكمة في مجال المنازعات الإدارية والقضاء الإداري هي الأمينة على المشروعية وسيادة الدستور والقانون، أيضاً هي المسئولة عن إرساء وإعلاء السيادة، المفروض في القاضي الإداري ليس فقط العلم بالقاعدة القانونية واجبة التطبيق على الوقائع التي يستبينها، بل المفروض أيضاً أن يبادر إلى تطبيق صحيح القانون حسبما يحكمه مبدأ المشروعية".([7])


تبين لنا مما تقدم أن دور القاضي الإداري هو دور رقابي مرتبط بمشروعية نشاط الإدارة.


ثانياً: الرقابة القضائية على أعمال الإدارة (مبدأ المشروعية)


تتميز الرقابة القضائية على أعمال الإدارة بالتنوع تبعاً للدعاوى التي يختص بها القاضي الإداري فهناك قضاء الإلغاء إذا كان المطلوب من القاضي تقرير عدم مشروعية قرار إداري وبالتالي الحكم بإلغائه، كما أننا نكون أمام دعوى ولاية قضاء كاملة فيكون من حق القاضي استرداد سلطاته كاملة فيحكم بالإلغاء أو التعديل أو استبدال عمل بآخر، ويضاف إلى هذا التقسيم قضاء التفسير وتقدير المشروعية وأخيراً تشمل الرقابة القضائية ما يعرف بقضاء التأديب.


إن ما يهمنا في إطار هذا البحث هو دعوى إلغاء القرارات الإدارية وهي الدعوى التي ينظمها قانون القضاء الإداري السوداني 2005م ويسمى هذا النوع من الدعاوى فقهاً بقضاء المشروعية ويتعلق بالدعاوى التي يطلب فيها من القاضي أن يفحص العمل القانوني أو العادي ومدى اتفاقه مع القاعدة القانونية أو اللائحة.([8])


وسنبدأ أولاً بالتعرف على مبدأ المشروعية ومن ثم السلطات التي يستمدها القاضي الإداري من هذا المبدأ للبت في الطعون الإدارية المطروحة أمامه مع الاستعانة بقدر الإمكان بالأحكام القضائية الصادرة من الدائرة الإدارية بالمحكمة العليا.


(1) مبدأ المشروعية:


المشروعية هي تلك الصفة التي تلحق أي تصرف أو عمل يتفق مع القانون، ونعني المشروعية، إذا طبقناها على الإدارة، أن الإدارة يجب أن تتصرف على نحو يتفق مع القانون.([9]) والنتيجة الطبيعية لذلك هي أن خروج الإدارة عن مبدأ المشروعية يجعل نشاطها نشاطاً باطلاً من وجهة نظر القانون ويقوم القضاء الإداري بتقرير هذا البطلان.


وقد اتجه القضاء السوداني هذا الاتجاه في تعريفه لمبدأ المشروعية فقد جاء في حكم حديث للدائرة الإدارية بالمحكمة العليا " إن السلطة الممنوحة للمحاكم الإدارية عند نظر الطعن أمامها هي سلطة مبنية على الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، ومن ثم وجب على المحكمة الإدارية إسباغ رقابتها على القرار الإداري والتقرير بمشروعيته من عدمه". (م ع/ط أس/6/2005 بتاريخ 9/8/2005م).


وجاء أيضاً .. "إن الدور الرقابي للمحاكم الإدارية على أعمال الإدارة تقتضي أن تتجاوز هذه المحاكم الدور السلبي للمحاكم المدنية بالمساهمة بدرو إيجابي في دعوى الطعن أمامها بحيث تمارس رقابتها على مشروعية القرارات الإدارية في كل دعوى على حده، ووفق الوقائع المقدمة أمامها ويجوز أن تستخلص من هذه الوقائع ما يعينها على أداء هذا الدور الرقابي". (م ع/ط أس/299/2004م).


أيضاً في حكم أكثر وضوحاً "الإدارة مقيدة في تصرفاتها بأحكام المشروعية ومقتضاها أن تأتي قراراتها وفق القوانين والقواعد الموضوعة سلفاً لهذا التصرف أو النشاط ويكون من واجب الطاعن أن يبين للمحكمة أن القرار قد صدر مخالفاً للقواعد المحددة واللوائح المنظمة لهذا النشاط". (م ع/ط أس/15/2005).


أيضاً .. "مبدأ المشروعية يقوم على أساس التزام جهة الإدارة بالقانون ومراعاة ذلك في تصرفاتها بحيث تأتي هذه التصرفات متفقة مع القانون حماية لحريات أفراد المجتمع إلا أن ذلك لا يعني غل يد الإدارة في تصرفاتها وقيامها بأعمالها لتحقيق الصالح العام". (م ع/ط أس/18/2004م مراجعة 10/2005).


هذا هو مفهوم مبدأ المشروعية في القانون السوداني، ولكن ما هي حدود سلطات القاضي الإداري وفق هذا المبدأ.


(2) سلطة القاضي الإداري في دعوى الإلغاء (دعوى المشروعية):


يستمد القاضي الإداري سلطاته من دوره الرقابي على أعمال الإدارة ومدى مشروعية هذه الأعمال وتترتب على ذلك نتيجتان هامتان:


النتيجة الأولى:


أن أصبح للقاضي الإداري سلطات أوسع من القاضي المدني فله أن يتجاوز ما قدمه الخصوم أمامه من أدلة ويقدم من تلقاء نفسه بتدابير تحقيقية فالبحث عن الإثبات ليس ملكاً خالصاً للطرفين إذ للقاضي دور كبير في فحص الواقعة ومدى ملاءمة التدابير التحقيقية التي يطلبها الأطراف كما أن له الحق في الأمر بتدابير تحقيقية وإجراءات معينة حتى دون طلب من الأطراف وله أيضاً طلب المزيد من المعلومات التي يراها ضرورية لفض المنازعة.([10])


النتيجة الثانية:


هذا الدور الرقابي يضع على عاتق القاضي الإداري الوقوف عند حد تقرير المشروعية دون أن يتجاوز ذلك، وهو في ذلك الأمر لا يتقيد بما يبديه الخصوم من دفع حول المشروعية بل يلتزم بإنزال صحيح القانون على الوقائع ويتأكد بطريقته من توافر المشروعية ومدى تقيد الإدارة بهذا المبدأ إذ إن دوره الطبيعي يتمثل في رقابة المشروعية.


ولكن لا بد من التقرير بأن القانون السوداني لم يستقر تماماً في تحديد سلطة القاضي الإداري عند حد التقرير في دعوى الإلغاء هل تقف هذه السلطة عند حد التقرير بالمشروعية أم يتعدى الأمر ذلك بإصدار أحكام تمثل قرارات إدارية في حد ذاتها، وفي ذلك تفصيل.


موقف القضاء السوداني من الحكم في دعوى المشروعية:


تأرجح موقف القضاء السوداني من الحكم في دعوى المشروعية نتيجة عدم وضوح النص الوارد بالتشريعات السودانية المتتالية في شأن الحكم في الطعن الإداري حيث أوردت المادة (12) من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م وهي مماثلة للنصوص الواردة في القوانين السابقة ما يلي:


يجوز للقاضي المختص أن يصدر حكمه بالآتي:



  1. إلغاء القرار الإداري المطعون فيه.

  2. منع الجهة الإدارية من التصرف على وجه معين.

  3. إجبار الجهة الإدارية على اتخاذ إجراء معين.

  4. تقرير الحق.

  5. تعويض المضرور عن الضرر الناتج من القرار الإداري.

إن ما جاء في هذه المادة من سلطات واسعة ممنوحة للقاضي الإداري قد تجاوز في مضمونه مفهوم قضاء الإلغاء حيث ينحصر دور القاضي في دعوى الإلغاء في الحكم بالإلغاء إذا كان العمل غير مشروع أو ورفض طلب الإلغاء إذا كان العمل مشروعاً وليس من سلطات القاضي أن يقرر حقاً، على سبيل المثال؛ لقد ظهرت صورة التداخل في سلطات القاضي الإداري في القانون السوداني واضحة في دعاوى الطعن في القرارات الإدارية المتعلقة بقضايا تخصيص الأراضي الزراعية والسكنية وتعديل سجل الأراضي تبعاً لهذه القرارات، في البداية استقرت أحكام المحكمة العليا على عدم اختصاص المحاكم الإدارية بنظر الطعون المتعلقة بالأراضي المسجلة بسجل الأراضي نذكر منها الأحكام التالية:


-    "محكمة الطعون الإدارية غير مختصة بنظر المنازعات المتعلقة بالأراضي المسجلة لدى تسجيلات الأراضي، الاختصاص ينعقد للمحاكم المدنية وفق أحكام قانون تسوية الأراضي وتسجيلها." (الطعن م ع/ط أس/37/2003).


-    "الأمر بتصحيح السجل هو ما تختص به المحكمة المدنية ولا تختص محكمة الطعون الإدارية بذلك، إذ ينحصر اختصاصها في مراقبة مشروعية القرار الإداري فقط." (م ع/ط أس/218/2004).


ثم عدلت الأحكام الحديثة للمحكمة العليا عن هذا النهج وبدأت في تحديد اختصاصات المحكمة الإدارية بنظر الطعون في القرارات الإدارية وإلغاء القرارات المعيبة حتى ولو كانت الأراضي موضوع القرار مسجلة باسم شخص آخر على أن تقف المحكمة عند حد تقرير البطلان وعلى الطاعن أن يتابع استرداد الأرض وإعادة تسجيلها باسمه عن طريق المحاكم المدنية المختصة بتعديل السجل وفق قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م، وإتباع الوسائل الإدارية لتنفيذ حكم المحكمة الإدارية من هذه الأحكام.


-    "تعديل سجل الأراضي لا يتم وفق القانون إلا في حالات ثلاث: تنازل صحيح، نزع ملكية أو حكم قضائي من محكمة مدنية.. المحكمة الإدارية لا تملك اختصاص تعديل السجل .. في حالة وجود نزاع يتعلق بقرار إداري ترتب عليه تسجيل أرض فإن اختصاص المحكمة الإدارية يقف عند حدود إلغاء القرار الإداري المعيب وعلى صاحب المصلحة الالتجاء إلى المحاكم المدنية أو السلطات المختصة لنزع الملكية لتعديل السجل." (م ع/مراجعة/22/2005م).


-    "صحيح أن المحكمة العليا قد استقرت أحكامها بأن المحكمة الإدارية مختصة بنظر النزاع المتعلق بالأراضي المسجلة إلا أن ذلك منوط بطلبات الطاعن وعريضة الطعن .. فإذا كان المطلوب هو الطعن في القرار الإداري بقصد الإلغاء  فإن المحكمة الإدارية هي المختصة .. وفي حالة اقتصرت عريضة الطعن وطلبات الطاعن على تعديل السجل فإن ذلك يخرج من اختصاص المحاكم الإدارية ويدخل في اختصاص المحاكم المدنية عملاً بأحكام قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م." (م ع/ط أس/106/2005).


نستطيع أن نسجل هنا أن هناك اتجاهين بين قضاة المحكمة العليا في هذه المسألة:



  1. اتجاه يرى أنه لا معنى لإصدار حكم بإلغاء القرار الإداري دون أن نلغي آثار هذا القرار وعليه فإنه إذا حكمت المحكمة ببطلان قرار إداري بتخصيص قطعة أرض لعمرو بناءً على طعن إداري فإنه لا بد من صدور حكم بتسجيل الأرض موضوع النزاع باسم الطاعن زيد .. وهذا الاتجاه يتعارض مع أحكام قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م، والذي يمنح اختصاص تعديل السجل للمحاكم المدنية، كما أنه يتعارض أيضاً مع مبدأ الفصل بين السلطات حيث يمنح القاضي سلطة إصدار قرارات إدارية.

  2. الاتجاه الثاني وهو اتجاه حديث يرى أن سلطات المحاكم الإدارية مستمدة من الرقابة القضائية على أعمال الإدارة وهي رقابة مشروعية ومن ثم تتحدد اختصاصات المحاكم الإدارية بإصدار قرار بمشروعية القرار ونتيجته شطب الطعن الإداري أو بعدم مشروعية القرار والأمر بإبطاله، أما ما بعد ذلك فدونه أحكام القانون على نحو ما سنشير إليه في المحور الثالث.

المحـــور الثالث


الأثر المترتب على الحكم الصادر في دعوى الإلغاء


هذا المحور يمثل – في الواقع – أكثر الموضوعات جدلاً في القانون الإداري السوداني، وفي اعتقادي أن هذا أمر طبيعي يتفق مع هذه المرحلة التي ينتقل فيها القانون السوداني من نظام القضاء الموحد إلى نظام يخصص فيه قضاء مستقل لنظر الدعاوى الإدارية وعلى سند من مبادئ قانونية مستقلة عن مبادئ القانون المدني.


وفي هذا الصدد بذل القضاء السوداني جهداً مقدراً في تطوير ودعم القانون الإداري بصفة عامة ودعوى الطعن في القرارات الإدارية بصفة خاصة وليس هذا غريباً، فالقانون الإداري قانون من صنع القضاء، ومع التقرير بذلك فإن هناك بعض المسائل رأينا ضرورة وضعها موضع النقاش:



  1. ما زالت المحاكم الإدارية تسير في أحكامها في اتجاه يخالف طبيعة دورها في نظر الطعن في القرارات الإدارية،  إذ إن هذه الدعوى ليست دعوى منازعة على حق ولكنها دعوى مراقبة مشروعية وهي دعوى تحرك سلطة المحكمة الإدارية للبت في مسألة واحدة: "هل القرار الإداري مشروع؟ أي صدر خالياً من العيوب الواردة في القانون؟ ولذلك وجب الابتعاد عن البحث في ملاءمة القرار الإداري، إذ إن ذلك من إطلاقات الإدارة.

  2. الحكم في الإلغاء يتمثل في شطب الطعن إذا تبين للمحكمة مشروعية القرار الإداري أو إلغاء القرار الإداري إذا تبين وجود عيب من العيوب الواردة في القانون، ويجب أن لا يتجاوز الحكم في الحالة الأخيرة إلغاء القرار الإداري بإصدار قرار إداري آخر ليس من اختصاص المحكمة الإدارية، ويعتبر هذا تدخلاً في نشاط الإدارة ولذلك استقر فقهاً وفي قضاء المحكمة العليا – في معظم أحكامها- على ضرورة اقتصار الحكم في دعوى الإلغاء على إلغاء القرار الإداري المعيب وترك الأمر للسلطة الإدارية المعنية لتنفيذ ذلك.

  3. ما زاد في تعقيد الأمر أو اختلاف الرأي عند بعض الزملاء من القضاة ما جاء في أحكام المادة (12) من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م وتقرأ: "يجوز للقاضي المختص أن يصدر حكمه بالآتي:

  4. إلغاء القرار الإداري المطعون فيه.

  5. منع الجهة الإدارية من التصرف على وجه معين.

  6. إجبار الجهة الإدارية على اتخاذ إجراء معين.

  7. تقرير الحق.

  8. تعويض المضرور عن الضرر الناتج من القرار الإداري".

هذه المادة كانت سنداً لفريق مقدر من الزملاء للاعتماد عليها وإصدار أحكام تتضمن أوامر صادرة للجهات الإدارية بعد إلغاء القرارات الإدارية تقضي بإصدار قرارات بديلة مثل إعادة تسجيل الأرض.


وفي اعتقادي المتواضع أن هذا الفهم يخالف طبيعة دور القاضي الإداري في رقابة مشروعية القرارات الإدارية وتفسير نص المادة (12) المشار إليها وتفصيل ذلك هو أن نشاط الإدارة يتضمن أعمالاً قانونية متعددة بعضها يرتب آثاراً قانونية مباشرة مثل القرارات الإدارية والعقود الإدارية واللوائح التنظيمية كما قد يتضمن النشاط الإداري أعمالاً مادية لا تترتب عليها آثارٌ قانونية مباشرة مثل شق الطرق وبناء الجسور وكافة الأنشطة المادية الأخرى، وهذا هو ما دفع الفقه والتشريع إلى وضع نصوص لمراقبة كافة أنواع الأنشطة سواءً القانونية منها أو المادية، وهذا هو سبب تنوع صور الأحكام في المادة (12) من القانون، فالفقرات (1)، (5) تتعلق برقابة دعوى الإلغاء والتعويض، والفقرات (2)، (3)، (4) تتعلق برقابة الأنواع الأخرى من أنشطة الإدارة.


أخلص من ذلك إلى أن دعوى إلغاء القرارات الإدارية لا تتحمل سوى الحكم بإلغاء القرار الإداري دون تجاوز ذلك بإصدار قرار جديد هو أساساً من اختصاص السلطة الإدارية أو الجهة الإدارية مصدرة القرار.



  1. إذا التزمنا بذلك - أي الحكم في حدود إلغاء القرار الإداري فقط – لأصبح من السهل على الطاعن الاستفادة من هذا الحكم باللجوء أولاً للجهة الإدارية لتنفيذه – وهذا هو الأصل، فإذا رفضت الجهة الإدارية أو امتنعت فيمكن له اللجوء للمحاكم المدنية المختصة لاقتضاء حقه المترتب على إلغاء القرار الإداري ووفق قانون الإجراءات المدنية.

أما بالنسبة لدعوى التعويض أو المسائل الأخرى الداخلة في نشاط الإدارة خلاف القرارات الإدارية فإن تنفيذها يتم عن طريق الإجراءات المنصوص عليها بقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م عملاً بنص المادة (15) من قانون القضاء الإداري لسنة 2005م.



  1. وفيما يتعلق بتطبيق القواعد المتعلقة بالتنفيذ الواردة بقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م على دعوى الإلغاء فهو أمر في غاية الصعوبة لاختلاف طبيعة الدعوى المدنية عن دعوى إلغاء القرارات الإدارية.

         ‌أ-   من حيث الأطراف لوجود الإدارة كطرف في الدعوى الإدارية بصفتها صاحبة سيادة وسلطان ومسئولة عن الصالح العام.


        ‌ب-  من حيث موضوع الدعوى، فالخصومة موجهة في دعوى الإلغاء صوب القرار الإداري ومدى مشروعيته وليس هناك حق متنازع بين الأطراف..


                        ‌ج-       الحكم في دعوى الإلغاء يترتب عليه إلغاء القرار الإداري وإعدامه ولا يتجاوز ذلك.


على ضوء ذلك، وفي غياب التشريع الذي يرسم وسيلة تنفيذ الحكم الصادر في دعوى الطعن في القرارات الإدارية فإنه يقع على عاتق المحكمة العليا (الدائرة الإدارية) ودائرة المراجعة عبء وضع الضوابط القانونية الخاصة بإصدار الأحكام ووسيلة تنفيذها.


 


 


خاتمـــــــة:


تطور القضاء الإداري السوداني تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة ونجح في التصدي لكثير من المنازعات المعروضة عليه مستمداً أحكامه من طبيعة القانون الإداري .


فيما يتعلق بالطعن في القرارات الإدارية فقد استمد القضاء أحكامه من واقع سلطته كجهة رقابية قضائية على أعمال الإدارة وتحقيقاً لمبدأ المشروعية، وبطبيعة الحال وجد القضاء الإداري بعض الصعوبات في التكيف مع مبادئ القانون الإداري ونظرياته وهو الذي عمل في ظل نظام القضاء الموحد إلا أنه وعلى ما رأينا نجح في تطبيق مبدأ المشروعية على أعمال وتصرفات الإدارة مستعيناً في ذلك بخبراته وتجاربه الثرة ومستفيداّ من القانون المقارن وشروحات فقهاء القانون الإداري.


حاولنا في هذه الدراسة تتبع اتجاه القضاء السوداني في خطواته نحو تطبيق مبدأ المشروعية في محاور كانت محل اختلاف في وجهات النظر وعقدت بشأنها ندوات وورش عمل ساعدت في تطوير أحكام المحاكم الإدارية في هذا الخصوص.


والحقيقة التي لا مراء فيها أن ما يبذل من جهد قضائي لن يثمر وحده في إضفاء المشروعية على أعمال الإدارة إذ يجب أن يتواكب مع ذلك ضرورة التزام الجهات الإدارية نفسها في تصرفاتها وأعمالها المختلفة مادية كانت أو قانونية بأحكام القانون ابتداءً، كما يلزم أن تراجع السلطة التشريعية النصوص القانونية المختلفة التي تحصن قراراتها من الرقابة القضائية تلك الرقابة التي من نتيجتها النهائية إضفاء المشروعية على أعمال الإدارة.


 






([1]) د. وهبي محمد مختار –  دور القضاء في إنشاء وتطوير القانون الإداري (بحثي) مجلة العدالة، أبو ظبي، يناير 2003م ص 21.



([2]) سمير يوسف البهي، دفوع وعوارض الدعوى الإدارية، المنشورات الحقوقية، طبعة 2000، ص 105.



([3]) يمكن الاستزادة في ذلك من مرجع د. سعاد الشرقاوي، الوجيز في القضاء الإداري، الجزء الأول، دار النهضة العربية 1981 ص28



([4]) المقصود بذلك أن مظالم وطعون شاغلي الوظائف العامة بخصوص الخطأ في تطبيق قوانين الخدمة العامة عليهم يختص بها ديوان العدالة.



([5]) الطعن رقم م ع/ط أ س/36/2002م صادر بتاريخ 12/8/2004م.



([6]) د. سليمان الطماوي، القضاء الإداي، دعوى الإلغاء ص 26.



([7]) المستشار حمدي ياسين عكاشة، المرافعات الإدارية في قضاء مجلس الدولة، نشأة المعارف بالإسكندرية، الطعن، ص 1068.



([8]) د. سعاد الشرقاوي، الوجيز في القضاء الإداري، الجزء الأول، مطبعة جامعة القاهرة 1981م.



([9]) د. سعاد الشرقاوي، المرجع السابق، ص 39.



([10]) د. وهبي محمد مختار، دراسة تطبيقية عن موقف القانون السوداني من مبدأ المشروعية وقضاء الإلغاء، ندوة القضاء الإداري، مبدأ المشروعية، إصدارات المنظمة العربية للتنمية الإدارية، يوليو 2005م ص 80.