أين نحن من هؤلاء؟!

نوع عمل المنشور: 
مستخلص المنشور: 

 

د. رشود الخريف

يقول الخبر الذي نشر في الصحف قبل أيام: غرم موظف لحماية البيئة في مدينة بريطانية امرأة في الحادية والسبعين من العمر 75 جنيهًا بسبب سقوط خيط من القطن على الأرض من قفازها.. ولكن ما لبث مجلس البلدية أن سحب المخالفة! لا شك في أن هذا الإجراء فيه مبالغة، ولكن السؤال المهم الذي يقفز في الذهن: أين نحن من هؤلاء؟! وكم من الغرامات التي ستسجل لو وقف موظف حماية البيئة في أحد شوارعنا، أو زار أحد متنزهاتنا، أو راقب سلوك أبنائنا في إحدى الجامعات الكبيرة؟! لا تنقصنا التعاليم الدينية في هذا الخصوص، وإنما لدينا قصور في التطبيق والامتثال لتعاليم الدين الحنيف.

كثير من السائقين (المحترمين) لدينا يستغلون أوقاتهم بفاعلية فيستفيدون من انتظارهم أمام إشارات المرور لتنظيف سياراتهم والتخلص من بقايا أعقاب سجائرهم! فأين الجهات المسؤولة؟! وأين نحن من أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتنظيف الأفنية حين قال: ''إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم''.

كثير من الناس يذهب للمتنزهات والحدائق العامة ثم يترك المكان ـــ دون أدنى خجل ـــ وكأن معركة حدثت، تتناثر في المكان بقايا الأكل والأوراق والصحون الورقية والبلاستيكية! يبدو أنهم يمتثلون القول: ''نحن ومن بعدنا الطوفان''. فأين الجهات المسؤولة؟! وأين نحن أرباب الأسر؟!

كثير من الناس ـــ أقول كثير من الناس دون مواربة ــــ يتخلصون من علب المشروبات الغازية والمناديل الورقية وهم يسيرون في سياراتهم؟ هل نفسر ذلك بعدم توافر الوقت لديهم ورغبتهم في عدم إضاعة جزء من أوقاتهم الثمينة في التخلص من هذه النفايات بالطرق السلمية؟! أين الجهات المسؤولة؟! أتعلم ـــ أيها القارئ العزيز ـــ أن ديننا يربط بين الإيمان وإماطة الأذى عن الطريق، فهذا حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، يؤكد أن ''الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان''. ألا نستحي من هذه السلوكيات المتخلفة؟!

كثير من الناس يذهبون للمتنزهات البرية والرياض الجميلة ثم يتركونها في حالة تدمير كامل يتمثل في نفايات متناثرة وأشجار محروقة ونباتات محطمة دون شعور بأدنى مسؤولية اجتماعية تجاه من يأتي بعدهم أو إحساس بأهمية هذه الموارد الطبيعية! وعلى الرغم من جهود الجهات المسؤولة المحدودة والمشكورة، فإنها أقل من المتوقع، وفي حاجة لأن تكون أكثر صرامة! يقول تعالى: ''كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين'' (البـقـرة:60)

كثير من الناس يذهب لأحد المطاعم ثم يترك طاولة الطعام من بعده في وضع مخجل، في حين تلاحظ الناس في الدول الأخرى يتركون أماكنهم وكأن أحدًا لم يأكل بها. فأين نحن من هؤلاء؟!

كثير من طلاب الجامعات لا يستشعرون أهمية المحافظة على الممتلكات العامة أو نظافة المكان، فيتركون أوراقهم وبقايا شرابهم ومأكولاتهم في ممرات الكليات وأفنيتها، ليأتي عامل النظافة يلملم ما تركوا ويصلح ما أفسدوا! إن هذه السلوكيات (المنحرفة) تكلف المجتمع الكثير من العناء والكثير من المال، الأمر الذي يتطلب استقدام مزيد من ''عمالة نظافة'' ليتابعوا الطلاب في كلياتهم، بل الناس في كل مكان لتنظيف مخلفاتهم! أليس هذا سلوك مخجل؟!

المسألة في اعتقادي تتجاوز سلوكيات منفردة هنا وهناك.. إنها أزمة تخلف.. وقصور في تربية الأسرية.. وفشل في دور المدرسة.. وتقصير من رجال الدين وخطباء الجمعة.. خاصة أن ديننا الحنيف يحث على النظافة في الملبس والمأكل.. ويحث على عمارة الأرض وعدم الإسراف في استغلال أي مورد كان حتى الإسراف في الوضوء. بالمختصر المفيد لا بد أن نعي أننا أحوج إلى تنمية الإنسان فكريًّا وسلوكيًّا واجتماعيًّا أكثر من حاجاتنا لبناء العمارات الشاهقة والطرق الواسعة!