الربيع العربي والمؤشرات الدولية!

نوع عمل المنشور: 
مستخلص المنشور: 

 

د. رشود الخريف

ما بين فترة وأخرى يظهر مؤشر دولي يقيس جانباً معيناً من جوانب الحياة السياسية أو الثقافية أو التنموية أو الحريات الشخصية أو الفساد. وهذا أمر إيجابي جداً لحماية الإنسان من نفسه والحد من التجاوزات التي تحدث هنا وهناك. لكن لا يمكن الاعتماد على هذه المؤشرات بدرجة كبيرة جداً، لأن مستوى دقتها لم يصل إلى المستوى المأمول. وفي كل الأحوال تبقى هذه مؤشرات مفيدة جداً ولها دلالاتها التي لا يمكن تجاهلها.

ونحن نعيش فترة الربيع العربي وما يصحبه من عنف واضطرابات وانتهاك لكرامة الإنسان في بعض الأماكن، ربما يتساءل الكثيرون: هل كان بالإمكان توقع حدوث هذا الربيع؟! وهل المؤشرات الكثيرة عن التنمية والفساد وحرية الصحافة والتعبير عن الرأي أعطت إشارات أو تحذيرات أولية لأعراض أو إرهاصات حدوث هذا الربيع؟ في الحقيقة، لم يكن بمقدور أحد توقع ما حدث على النحو الذي حدث به وتاريخ حدوثه، على الرغم من ظهور عشرات التكهنات التي يطلقها أصحابها بين وقت وآخر. لكن لو كان لدى الدول العربية آذان تسمع وترمومترات تقيس نبض الشارع وتشعر بمعاناة الناس لتطورت الأنظمة وتكيّفت مع متطلبات الناس واحتياجاتهم الضرورية المهملة. فلا تحتاج الدول العربية إلى خبير محنك ليقول لها عن فشل التنمية في كثير من الدول العربية، ولا تحتاج إلى مستشار أجنبي متخصص ليشخص المشكلة ويشير إلى أن الفساد وضعف المشاركة الشعبية وغياب الرؤية هي أسباب رئيسة تقف وراء تدهور التنمية. إذن المؤشرات موجودة والأعراض ظاهرة، لكن ليس هناك عقول تحسن قراءتها أو قلوب تشعر بآلام شعوبها.

في هذا السياق، ربما يكون من المفيد النظر إلى أداء الدول العربية في بعض المؤشرات الدولية، خاصة أن أغلبية هذه المؤشرات تضع معظم الدول العربية في أذيال قوائمها من حيث الأداء.

لنبدأ بمؤشر التنمية البشرية HDI المعروف لعام 2010م، ما الدول الأفضل وما الدول الأسوأ؟ تأتي الإمارات في مقدمة الدول العربية لتحتل المرتبة 32، وتليها قطر 38، ثم البحرين 39، ثم الكويت 47، ثم ليبيا 53، ثم السعودية 55. أما الأسوأ، فتأتي السودان 154، وموريتانيا 136، واليمن 133، والمغرب 114، وسورية 111، ومصر 101.

وبناء على مؤشر الفساد CPI لعام 2010 الذي يعتمد على مسوحات واستفتاءات تقوم بها مؤسسات عديدة، فمن حيث الأفضل، تأتي قطر في مقدمة الدول العربية لتحتل المرتبة 19 من بين دول العالم، وتليها الإمارات 28، ثم عمان 41، والبحرين 48، والأردن 50، والسعودية 50 والكويت 54. أما الأسوأ في العالم، فتأتي السودان في مقدمتها بترتيب 172 من بين دول العالم، ثم اليمن وترتيبها 146، ثم ليبيا 146، ثم موريتانيا 143 ثم سورية ولبنان 127، فالجزائر 105، ومصر 98، ثم المغرب 85، وتونس 59. ويلاحظ أن الدول الفقيرة هي الأكثر فساداً. وهنا يبرز التساؤل: هل من المعقول أنه كلما قلت الموارد ازداد الفساد؟! أم أن هذه هي نصف الحقيقة فقط، لأن المؤشر يكون حساساً للتجاوزات والفساد عندما تكون الموارد شحيحة، في حين لا ينكشف المستور إذا كانت الموارد كثيرة ومتوافرة؟!

أما مؤشر حرية الصحافة PFI لعام 2010م الذي تقوم بإعداده مؤسسة غير ربحية تعرف باسم "صحفيون بلا حدود"، فتحتل الدول العربية مراتب متأخرة جداً مقارنة بالدول الأخرى. تأتي أفضل دولة عربية في المرتبة 77، وهي لبنان، ثم تليها الإمارات 87، فالكويت 88. وفي المقابل، تنضم مجموعة من الدول العربية إلى قائمة أسوأ دول في العالم، مثل سورية 173 والسودان 172 واليمن 170 وتونس 164 والصومال 161 وغيرها.

وعلى الرغم من عدم دقة هذه المؤشرات، إلا أنه من الواضح أن كثيراً من الدول ذات الأداء السيئ في المؤشرات الثلاثة أو بعضها هي ذات الدول التي تشهد اضطرابات وأعمال عنف. فأداء السودان واليمن وسورية ومصر وليبيا وتونس وموريتانيا كان الأسوأ بين الدول العربية. ومعظم هذه الدول شهدت أو تشهد اضطرابات. وفي كل الأحوال، لا تزال حرية الصحافة محدودة، والتنمية متدهورة، والفساد متفشياً، ناهيك عن غياب الرؤية والتخطيط الاستراتيجي السليم، فهل نقرأ المؤشرات ونعي مدلولاتها أم ينطبق علينا ما قاله إيليا أبو ماضي:

ماذا يفيد الصوت مرتفعا

إن لم يكن للصوت ثمّ صدى؟

والنور منبثقا ومنتشرا

إن لم يكن للناس فيه هدى؟