«ويكي» تدمي مقلة الأسد!

نوع عمل المنشور: 
مستخلص المنشور: 
د. رشود الخريف

لقد انطلقت الإنترنت من رحم الدوائر الأمنية والدفاعية الأمريكية، فغيّرت أسلوب التعاملات التجارية، وقربت الأماكن البعيدة، وساعدت على التواصل والتقارب بين الثقافات في أطراف الدنيا، وأسهمت في التعارف والتزاوج بين الناس في بلدان متباعدة ينتمون إلى فئات وثقافات وأديان مختلفة. ببساطة لقد غيّرت حياة الفرد والمجتمع وخلقت معها إعلاماً شعبياً إلكترونياً حراً لا يمكن التحكم فيه أو السيطرة عليه، من خلال ويكيليكس، والفيس بوك، واليوتيوب، والمنتديات والمدونات. وأسهمت الإنترنت وتقنياتها المساندة في حماية الشعوب من البطش والقمع والاستبداد، وذلك لسهولة تصوير الأحداث وتسجيلها، ثم بثها بسرعة على شبكة الإنترنت لكل أرجاء المعمورة وليس لمناطق أو دول معينة.

إن نشر الوثائق من خلال موقع ويكيليكس فرض واقعاً جديداً يصعب تغييره وثقافة إعلامية يبدو أنها ستستمر وتنتشر. فالوضع بعد ما فعلت ''ويكي'' فعلتها لن يكون كما كان في الماضي مهما ارتفعت مستويات السرية وتعززت أساليب حماية الوثائق، فلا بد أن يعلم المسؤولون أن هناك احتمالية لتسريبها وكشفها قبل مضي المدة القانونية التي عادة ما تصل إلى 70 عاماً في بعض الدول.

لذلك يبدو أن ''ويكي'' لن تدمي مقلة الأسد فقط، بل ربما ستلطم خشوم بعض الذئاب وتنتف شوارب بعض القطط. ولعل زين العابدين بن علي رئيس تونس السابق أحد ضحاياها!

ربما يكون الأمر الإيجابي الذي أحدثته ''ويكي'' ومعها ''يوتيوب'' و''فيسبوك'' هو زرع الشعور بالخوف والخشية من التسريب لدى بعض المسؤولين، ما سيحد ــ ولو قليلاً ــ من التمادي في الشطط ويقلل الاستمرار في الظلم والبطش والاستهانة بالإنسان. ومن المؤمل أن تسهم ثقافة ''ويكي'' الجديدة في تعزيز الشفافية وتهذيب أخلاق الدبلوماسيين والمسؤولين وزيادة مصداقيتهم أمام شعوبهم، وبالتالي يتقلص البون الشاسع بين ما يقال في السر وما يقال في العلن. وبكل تأكيد تسهم الإنترنت والتقنيات المساندة لها من حماية الشعوب المستضعفة من البطش والقمع والطغيان، ما جعل قوى الأمن الطاغية في جميع الدول تحسب ألف حساب لممارسات القمع ضد العزل، وهذا ما لوحظ في تونس وأماكن أخرى في العالم.

لكن الغريب حقاً أن إسرائيل هي الوحيدة التي استطاعت الإفلات من تأثير الإنترنت, فعلى الرغم من ممارساتها الإجرامية وقمعها المستمر للشعب الفلسطيني إلا أن حجم التصوير على مدى عمر القضية الفلسطينية الطويل لم يكن فاعلاً بالقدر المأمول الذي يستطيع قلب الموازين وإحراج الرأي العام العالمي، باستثناء حالات قليلة ومتفرقة كصورة ''محمد الدرة''. وهنا يبرز التساؤل: هل هذا يعود إلى ذكاء الآلة العسكرية لإسرائيل التي تنفذ جرائمها تحت جنح الظلام، أم أن الرأي العام العالمي وصل إلى مرحلة تبلد في الإحساس تجاه القضية الفلسطينية، خاصة أننا لم نر أو نسمع قط أن قامت أمريكا والاتحاد الأوروبي بالتنديد ضد الظلم أو الإفراط في استخدام القوة ضد المتظاهرين العزل في فلسطين، بل كثيراً ما نسمع التهديد والوعيد باستخدام الفيتو الأمريكي ضد أي استنكار أو تنديد أممي بما تفعله إسرائيل من جرائم يندى لها جبين الإنسانية!