هل نجحت سعدية؟!

نوع عمل المنشور: 
مستخلص المنشور: 
د. رشود الخريف

سعدية طالبة مهذبة وطموحة ومجتهدة ولديها رغبة عارمة في التعلم، هذه السمات النادرة جعلتها متضجرة من المعلمات الضعيفات في تخصصاتهن أو غير المخلصات في عملهن. إنها صريحة بطبيعتها الريفية البسيطة، فلا تستطيع إخفاء عدم ارتياحها للمعلمات المتهاونات في واجباتهن التعليمية. ولكن هذه الخصال الجميلة جعلتها عرضة للتأنيب وسماع ألفاظ غير لائقة من بعض المعلمات في بعض الأحيان.

وذات يوم كانت إحدى المعلمات التي اعتادت أن تأتي وتكتب المسألة الرياضية وحلها على السبورة دون شرح وتوضيح، ومن ثم تطلب من الطالبات نسخها في كراستهن، دون محاولة للإجابة عن أسئلة الطالبات واستفساراتهن حول أساليب حل المسألة، لأنها إما غير مكترثة أو ليس لديها إلمام بمحتويات المقرر، أو أنها غير متخصصة في مادة الرياضيات وغير قادرة على فك رموزها. أصبحت سعدية تتململ كلما جاءت حصة المعلمة مديحة! امتلكت أعصابها مرة ومرات خلال الشهر الأول والثاني من العام الدراسي، ولكن نفد صبرها خلال الشهر الثالث، ورأت أن الموضوع لم يعد يحتمل، وعقدت العزم على الحديث مع مديرة المدرسة التي تعتقد أنها لن ترضى بهذا التقصير لو علمت به. فقررت الذهاب للمديرة مزنة. ولكن مزنة هذه تراعي المعلمات أكثر من الطالبات ربما لطبيعة شخصيتها الضعيفة أو لرغبتها في الاستمرار في الإدارة أعواماً عديدة.

على أية حال، ذهبت الطالبة المجتهدة سعدية لمديرة المدرسة وشكت إليها الحال، وأخبرتها بالتفاصيل وما يدور في حصة المعلمة مديحة، ثم عادت سعدية لفصلها تسابق الخطى، فرحة مسرورة تعلو الابتسامة الخفيفة شفتيها الجميلتين، بعد أن سمعت شكر المديرة لها على إخلاصها وصراحتها وغيرتها على التعليم. ولكن المديرة ــــــــــ على ما يبدو ـــــــــــ لم تكن تربوية متقنة لأمور عملها أو واعية بدورها كمديرة للمدرسة. فما كان منها بعد خروج سعدية، إلا أن استدعت المعلمة مديحة وأبلغتها بما قالت التلميذة سعدية. فاستشاط غضب المعلمة مديحة وأنكرت كل ما ذكرت التلميذة. وبادرت المديرة مزنة بطمأنتها والتأكيد لها بأنها لا تأخذ أقوال الطالبات بجدية، لحداثة سنهن وجهلهن بأمور التعليم.

لم تنته المسألة عند هذا الحد، بل بدأت المعلمة مديحة تعامل سعدية معاملة قاسية وتحرمها من المشاركة وتهزأ بإجاباتها وتحرمها من بعض الدرجات. وبدأ الاكتئاب يدب في أعماق سعدية وامتد اليأس إلى نفسها. حاولت الالتفات إلى أسرتها لطلب النجدة، ولكنها لم تجد من يسمعها، فهي تعيش مع أمها المطلقة المنشغلة دائماً بظروفها الأسرية ومشاكلها الزوجية. لذلك ازدادت معاناتها تكرباً وتعقيداً واكتئاباً.

وفي النهاية، سألت الراوية لمعاناة سعدية، وما النهاية؟ هل نجحت سعدية؟ فقالت: لا أدري ماذا حدث، فقد اختفت، ومنذ ذلك الحين لم أسمع عنها! وأنا أستمع لسرد أحداث هذه المعاناة أقول لنفسي لا بد أن هناك ''سعديات'' كثيرات في مدارسنا، فهل لدينا الأنظمة الكفيلة بإنصافهن؟ وهل لدينا الإجراءات العملية لتقييم أداء المعلمات؟ ثم كم عدد المعلمات اللواتي تعرضن للمساءلة أو الفصل نتيجة تقصيرهن خلال العام الماضي؟ سأقول ما قالت الراوية لمعاناة سعدية: لا أدري!