سياسة الإستيطان لدولة الإحتلال الإسرائيلي

تطلق لفظة "المستوطنات" على مناطق التجمعات المدنية الإسرائيلية المبنية على الأراضي التي احتلتها إسرائيل خلال فترة حرب الأيام الستة عام 1967.  وتشمل تلك المناطق أجزاء من الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، قطاع غزة، هضبة الجولان، و جزيرة سيناء.  وتعتبر تلك الأراضي أحد أهم العقبات في تقدم عملية السلام منذ 1967 وحتى يومنا هذا. 
وخلال مسيرة الاحتلال الإستيطانية، فإن المستوطنات في سيناء فُككت ودمرت عام 1979،عقب معاهدة السلام التاريخية بين إسرائيل ومصر مقابل إعادة كامل تراب شبه جزيرة سيناء للسيادة المصرية.  أما المستوطنات في غزة فتم إخلائها ثم تدميرها في إطار عملية انسحاب أُحادية الجانب من قبل حكومة الإحتلال الإسرائيلي عام 2005.  لتبقى المستوطنات الإسرائيلية في الوقت الراهن محصورة  فقط في مرتفعات الجولان وفي الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية.
وينظر أغلب المحامين الدوليين للمستوطنات على أنها خرق فاضح للمادة 49، وخصوصاً الفقرة 6 من معاهدة جنيف عام 1949؛ التي تفيد بأنه لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها.  ورغم رفض محكمة العدل العليا الإسرائيلية الاعتراف بمشروعية تلك المستوطنات، إلا أن وكلاء الحكومة الإسرائيلية يعارضون ذلك بذريعة أن معاهدة جنيف لا تسري على المستوطنات.  ومع أن إسرائيل قد ضمت رسمياً مرتفعات الجولان وشرق القدس وبسطت سلطتها على تلك المناطق، غير أن جميع تلك المناطق الملحقة لم يعترف بها من قبل المجموعة الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية.  وتدعم وتمول الحكومة الإسرائيلية بناء المستطونات بطرق مباشرة وغير مباشرة، الأمر الذي يجعل الجدال والخلاف داخل أروقة المجموعة الدولية مستمراً مع حكومة الاحتلال. كما أن تلك المستوطنات تمول من مصادر اخرى خارجية، كالمنظمات الغير ربحية التي تنشط في الولايات المتحدة الامريكية بشكل كبير.
ويفضل بعض اليهود العيش في المستوطنات بسبب رقي المستوى المعيشي فيها.  فإلى جانب الإستثمار الحكومي والحوافز، بإمكان الإسرائيلين أن يهنئوا في المستوطنات بمستوى معيشي أعلى من ذلك الذي سيحصلون عليه داخل اسرائيل وبتكلفة أقل بكثير. والبعض الآخر ينتقل للعيش في المستطونات بدافع فكر صهيوني متطرف وينظر لتلك الأراضي على أنها من الممتلكات الخاصة بالشعب اليهودي. وآخرين- وعلى الأخص اليهود المتشددون دينياً- ينتقلون للعيش في المستوطنات لإمكانية العثور على منزل رخيص ومبني على أساس مهيئ ومراعياً لنواحي الخصوصة الشرعية الدينية المتعلقة بحرمة الإختلاط مع غير المحارم.
و أكثر ما يحرج حكومة الاحتلال فيما يتعلق بالإستيطان أمام المنظومة الدولية هو مايعرف بالنقاط الاستيطانية؛ تلك المستوطنات التي أقيمت إعتباطاً بوضع اليد من قبل اليهود المتطرفين دون الحصول على موافقة الحكومة الإسرائيلية. وزاد نشاط انتشار تلك النقاط في منتصف التسعيانت من القرن الماضي عندما بدأت حكومة الاحتلال بالتوقف عن منع تصاريح لبناء مستوطنات جديدة. وبخلاف أغلب المستوطنات في الضفة الغربية، فإن النقاط الاستيطانية تخالف بوضوح القانون الإسرائيلي.  ومع ذلك فمن بين تلك المستوطنات ما تم تمويله من قبل عملاء تابعين للحكومة.  ويكشف هذا التورط "تقرير ساسون" الذي أعد في عام 2005 حول نقاط الاستيطان. وقد ضم التقرير تفاصيل حول قيام وزارات الدفاع والإسكان والتخطيط بإنفاق الأموال من خزينة الدولة لدعم تلك النقاط الاستيطانية. وبموجب إتفاقية خارطة الطريق، تعهدت إسرائيل بتفكيك جميع المستوطنات التي بنيت عام 2001، ولكن حتى الآن لم يتم تفكيك سوى بضع منها بصورة حقيقية.
وكلمحة سريعة على تاريخ الاستيطان لدولة الإحتلال، فالبداية كانت عقب كارثة الأيام الستة.  فقبيل حرب الأيام الستة عام 1976، كانت الضفة الغربية والقدس الشرقية تابعتان للأردن، ومرتفعات الجولان تابعة لسرويا، وسيناء وقطاع غزة تحت السيطرة المصرية.  إلا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي تمكن من احتلال كل تلك المناطق خلال حرب الأيام الستة.
بعد ذلك الاحتلال الغاشم بفترة قصيرة بدأت مستوطنات الضفة الغربية في الظهور.  وفي نهاية عام 1976 بدأت الهيئة الوزارية الإسرائيلية لشؤون المستوطنات برسم مخطط رسمي لخريطة الاستيطان. حيث أنشأت إسرائيل مستوطنة "قرية-إيتصهيون" في المنطقة الواقعة شرق القدس- ويرجع استهداف ذلك الموقع لما قبل 1948 حيث كانت مجموعة من اليهود تقطن هناك.  وبعد عام، توجهت بعض الحركات الدينية-القومية للاستيطان في مناطق متعددة وسط الضفة الغربية وشمالها (حول نابلس) وشرقها (في الخليل  وما حولها من الضواحي التي كانت تقطنها مجموعات يهودية قبل 1948) مما جعلها تحتل مكانة دينية خاصة في نظر العديد من المتدينين اليهود. ولعل المبررات خلف إنشاء تلك المستوطنات هي: أولاً- عقدي (عقيدة الأرض)، وثانياً- عكسري، بحيث تشكل تلك المستوطنات حزام أمني خارجي يحمي إسرائيل في الداخل.
وتسارعت وتيرة البناء في الفترة ما بين 1976 وحتى 1977 إلى أن تم بناء 30 مستوطنة أغلبها في غور الأردن ، ليعيش فيها ما يقرب من 5000 مستوطن. وعلى أي حال، فلقد طرأ تغير جديد في عهد مناحم بيجين (1977-1983) بخصوص مسار حركة الاستيطان: حيث بدأ تشييد المستوطنات في منطقة حيوية جداً من الضفة الغربية تقع بين وسط تلال الضفة الغربية والخط الأخضر، محدثاً بذلك ميلاً جديداً باتجاه  توسيع حجم البناء الاستيطاني في المناطق، فتم بناء عشرات المستوطنات في تلك الفترة.  وبالتوازي مع التركيز على قوة البنية التحتية للمستوطنات، سعت حكومة الاحتلال لإبقاء تلك المستوطنات في قبضة الدولة الإسرائيلية للأبد.
ولعبت الحركات ذات المرجع العقائدي المرتبط بعقيدة الأرض دوراً هاماَ في نمو الاستيطان.  فعل سبيل المثال، نجد حركة "جوش- إمونيم" التي تزعمها الرابي موشيه ليفينجيرعلى تشجيع بناء المستوطنات على الأرض بحجة أن تلك الأرض منحها الرب لليهود (شعبه المختار).
ومنذ بداية حركة الاستيطان، والعلاقة بين بناء المستوطنات ووزارة الدفاع علاقة وثيقة. فالعديد من المسؤولين الإسرائيلين دافعوا عن تلك المستوطنات ليس من منطلق عقيدة الأرض، بل من منطلق الأمن القومي لدولة إسرائيل.  فمثلا في يوليو 1967، تقريباً بعد حرب يونيو 1967، كشف وزير الدفاع يجئآل آلون النقاب عن خطته  في ضم ما تسيطر عليه إسرائيل من أراضي حيوية في الضفة الغربية.  فخطة آلون ترمي إلى احتفاظ إسرائيل بغور الأردن والمنحدرات الشرقية من سلسلة جبال الضفة الغربية (منطقة مأهولة بعدد قليل من السكان الفلسطينين) كحماية من هجمات العرب من جهة الشرق. الخطة أيضا نادت ببناء مستوطنات إسرائيلية في تلك المناطق كنوع من الدفاع عن الأراضي التي سينتهي المطاف بضمها لدولة إسرائيل.  وبينما لم تتبنى أي حكومة إسرائيلية خطة آلون بشكل رسمي، إلا أنها كانت الإطار الرئيسي الذي تبنته سياسة حزب العمل في المواجهة مع الضفة الغربية خلال سنوات 1970 و1980.  
وفي إبريل 2003 ظهر ما يعرف بمصطلح "خارطة الطريق" في صورة مقترح تقدمت به اللجنة الرباعية (أمريكا، الاتحاد الأوربي، الأمم المتحدة وروسيا) كإجراء مبدأي لخارطة طريق تفضي في النهاية إلى قيام دولتين مطلقتي السيادة وتنهي بذلك الصراع الإسرائلي-فلسطيني إلى الأبد.  ومن النقاط التي اشتملت عليها خارطة الطريق، تبرز الفقرة الانتقالية الأولى التي تنادي بوقف العنف الفلسطيني ونبذ الإرهاب، وفي المقابل تجميد تام للاستيطان وتفكيك فوري للمستوطنات الإسرائيلية التي بنيت بعد مارس 2001.  وعلى الرغم من تجاهل الجميع لجدولها الزمني بقيت خارطة الطريق، التي خيل لها أن تكون اتفاقية سلام في بضع سنين، وثيقة مرجعية لأي نشاط يمس عملية السلام.
وفي تحرك مفاجئ من الموقف الإسرائيلي،  دخلت إسرائيل حيز التنفيد في الانفصال عن قطاع غزة عام 2005 لتخلي بذلك كافة الـ 17 مستوطنة في قطاع غزة. وبالإضافة لذلك، أخلت إسرائيل أربع مستوطنات صغيرة ومتفرقة في شمال القطاع. واقترح رئيس الوزراء أريئيل شارون بأن تكون تلك الخطة هي محاولة لتشتيت الانتباه عن خارطة الطريق.
ومع تولي أوباما لرئاسة أمريكا، وبالتحديد في نوفمبر 2009 وتحت ضغط من إدارة أوباما، وافق رئيس الوزراء بنيمين نتنياهو على تعليق جزئي للنشاط الاستيطاني. ويستثنى من هذا التعليق المستوطنات التي كانت قد بُدىء العمل بها قبل نوفمبر 25/2009، بالإضافة إلى بعض الاستثناءات الأخرى. ولا شك بأن هذا التعليق، وإن كان شكلياً، فالمغزى منه أن تظهر إسرائيل حسن نية تجاه محاولة إدارة أوباما بدء استئناف محادثات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية المحددة بعشرة أشهر، والمقرر لها أن تنتهي في سبتمبر 25/2010 من دون ذكر ما إذا كان قرار التعليق سيتجدد أم لا. أما من ناحية التأثير، فلم يكن هناك شيئ يذكر على أرض الواقع، وذلك لوجود توسع مفاجئ في بناء جديد بدأ قبل نوفمبر 25/ 2009 بقليل.  إضافة إلى توثيق العديد من الانتهاكات من قبل المستوطنين لقرار التعليق. وفي فبراير اعترف نائب وزير الدفاع متان فيلاني أن 29 مستوطنة على الأقل تحتوي على مشاريع لمواقع بناء تشكل خرقاً صريحاً  لقرار تجميد النشاط الاستيطاني.
القدس الشرقية:
كثيراً ما نسمع ونقرأ في وسائل الإعلام المختلفة مصطلح "القدس الشرقية".  وقد يغيب عن البعض الخلفية التي على إثرها ظهرت هذه التسمية.  فمباشرة بعد حرب 1967، ضمت دولة الاحتلال ما كان يعرف ببلدية إقليم شرق القدس التابعة آنذاك للأردن بالإضافة إلى العديد من المناطق المحيطة بها، إلى غرب القدس التابع لها لتُشكل بذلك التوسع الجديد بلدية القدس الحالية.  وكردة فعل دولية، فإن الأمم المتحدة، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، لم تعترف بتلك الأجزاء الملحقة التي احتلتها إسرائيل من أراضي الضفة الغربية، وأيضاً لا يعترفون رسمياً بالقدس كعاصمة لدولة الاحتلال ويبقون على سفاراتهم في تل-أبيب. 
وكنظرة سريعة إلى خارطة القدس الشرقية اليوم، فإننا نجدهها تتكون من جميع المناطق الواقعة داخل ما خصصته إسرائيل ليكوّن بلدية القدس الواقعة في الشرق من الخط الأخضر. وتشتمل تلك المناطق الملحقة لدولة الاحتلال على عدد من القرى الفلسطينية واثنان من المخيمات الفلسطينية، بالإضافة إلى مهبط طائرات مهجور. ولقد استثمرت إسرائيل الكثير من الأموال من أجل إقامة أحياء يهودية كبيرة- تسمى أيضا مستوطنات- في شرق القدس. وكنتيجة لهذا التهويد، فعندما لم يكن هناك أي يهودي يعيش في تلك المناطق عام 1967، بلغ عدد القاطنين لتلك المناطق مطلع عام 2008 الى 253،395 فلسطيني و 179000يهودي، وبعد التوسع الأخير في الدائرة الجغرافية لبلدية القدس نهاية عام 2008 ازداد عدد اليهود ليصبح 465،000 بينما بقى عدد الفلسطينيين ثابتاً. ولم يشمل نتنياهو في قراره تعليق الاستيطان عام 2009 القدس الشرقية. بل بقيت القدس الشرقية وما يجاورها من الكتل الاستيطانية "جفعت-زائيف" (גבעת זאב) المتاخمة لها في الضفة الغربية، التي وصلت في توسعاتها لأطراف مدينة "رام-الله" الفلسطينية ومستوطنة "معالي-أدوميم" (מעלי-אדומים) التي توسعت في حجمها لتصل إلى مايقرب من منتصف المساحة الفاصلة بينها وبين مدينة "أريحا" الفلسطينية، جميعهم في الجانب الشرقي من التخوم الإسرائيلية التي يطلق عليها أحياناَ مسمى " طوق القدس". هذا يعني أن شرق القدس التابع للفلسطينيين انفصل بصورة محكمة الإغلاق عن بقية أراضي الضفة الغربية.  ويعيش أهل القدس الشرقية من العرب غير الحاملين للجنسية الإسرائيلية بتصريح إقامة -تمنحه الحكومة الإسرائيلية- يخولهم من العيش والتنقل والعمل داخل إسرائيل دون التمتع بحقوق المواطنة الكاملة.

د. محمد الغبان- اللغة العبرية والدراسات اليهودية
المصدر بالعبرية: حركة السلام الان