قِصة
ماجد القنية
شوال، 1436 هــ
كنت أقرأ في كتاب عن إينشتاين ألفه عالم فيزياء، وذكر في أحد الفصول الأولى من الكتاب أن أينشتاين بذل جهدا خارقا ومضنيا جدا في الأسابيع الأخيرة قبل أن يتوصل لنظريته (النسبية العامة) عام 1915 م، حتى أنه بعد ذلك ظل ملازما لمنزله لأيام بسبب الإعياء الذي سببه الجهد الخارق الذي بذله قبيل أن يتوصل للنظرية.
ثم ذكر المؤلف في فصل لاحق من الكتاب أنه بعد ذلك بعقد تقريبا ظهرت نظرية في الفيزياء بها بعض الجوانب الغامضة جدا، وسميت هذه النظرية نظرية الكَمْ، ومنذ أن ظهرت هذه النظرية سببت حيرة كبيرة لأينشتاين وللفيزيائيين، وذلك لعدة أسباب، أحدها هو أن هذه النظرية تستلزم بعض الأشياء التي تتعارض مع النظرية النسبية لأينشتاين.
وعندما كنت أقرأ في ذلك الفصل من الكتاب قمت أتساءل أليس من الأفضل والأجمل ألا يبذل العالِم جهدا مضنيا جدا يكاد يكون فوق الطاقة في علمه؟ وذلك لسببين، أولا أن ذلك سيكون متعِبا جدا لأعصابه وقد يصيبه بمرض جسدي، وثانيا أن ذلك قد يصل به إلى نتيجة سابقة للتطور الطبيعي للعلم، فيتسبب ذلك في عدم فهمها وبالتالي بلبلة في الأوساط العلمية وقد تستمر هذه البلبلة طويلا. أما لو بذل العالِم جهدا طبيعيا ليس مضنيا جدا، فإن ذلك أولا سيجعله يحافظ على صحته، وثانيا فإن النتائج التي سيتوصل إليها ستأتي في السياق الطبيعي لتطور العلم وليست سابقة له، وبالتالي ستدخل هذه النتائج إلى العلم في وقتها المناسب فيكون دخولها إلى العلم جميلا وسلسلا ومنطقيا ومفهوما.
وهذا الخاطر والتساؤل الذي دار في ذهني وأنا أقرأ في ذلك الفصل من الكتاب قد لا يكون صحيحا ولا مشروعا، ولكنني أقص على القارئ الكريم ما حصل وما خطر في ذهني، ولذا فليعتبر هذه المقالة قِصة وليست رأيا. وفي هذا الخاطر قلت في نفسي: هنا نجد أن نظرية الكم سببت حيرة كبيرة لأينشتاين وللفيزيائيين وذلك جزئيا بسبب تعارضات بينها وبين نظرية النسبية. وخطر في بالي أنه لو أن أينشتاين لم يتوصل لنظريته النسبية فربما أن نظرية الكم ستؤدي يوما ما منطقيا للنظرية النسبية فتأتي النظرية النسبية في وقتها المناسب وقد لا يظهر عندئذ تعارضات بينهما وذلك لأن نظرية الكم ستكون وقتها قد فُهمت بصورة أكبر وأكثر صحة وقد يكون صححت فيها تلك الأشياء التي تتعارض مع النظرية النسبية، فيكون دخول واكتشاف النظرية النسبية بعد ذلك مناسبا وسلسا وجميلا ومنطقيا ومفهوما.
وهذا الخاطر (أنه ربما كان التطور الطبيعي للفيزياء هو أن تكتشف نظرية الكم قبل النظرية النسبية، وأن النظرية النسبية قد تُكتشف منطقيا من نظرية الكم) خطر في ذهني ليس بسبب أنني فهمت النظريتين، فأنا فهمي لهما دون الحد الأدنى بكثير، ولكنه خطر في ذهني بناء على ثلاثة أمور اتضحت لي من قراءة الكتاب من أوله حتى ذلك الفصل الذي كنت أقرأ فيه: الأول أن نظرية أينشتاين يبدو أنها جاءت سابقة لعصرها وأن الذي جعلها تكتشف في ذلك الوقت السابق لأوانه هو عبقرية أينشتاين مضافا إليها الجهد المضني جدا الذي بذله، والثاني هو أنه يبدو أن نظرية الكم جاءت في وقتها وليست سابقة لعصرها، والثالث هو أنه ظهرت بعض التعارضات بين النظريتين (لعلي فكرت أن وجود تعارضات بين النظريتين يعني أن بينهما علاقة، وربما كان هذا عاملا في جعلي أخمن أن أحدهما قد تؤدي يوما ما منطقيا إلى الأخرى).
عندما وصلت إلى الفصل الأخير من الكتاب ذكر المؤلف أنه ظهرت بعد نظرية الكم نظرية سُميت بنظرية الأوتار الفائقة (ظهرت هذه النظرية بعد مرور خمسين سنة تقريبا على وفاة أينشتاين)، وهي تعتمد اعتمادا كبيرا على نظرية الكم. الجميل أن المؤلف (وهو من المشاركين في نظرية الأوتار الفائقة) ذكر أن نظرية الأوتار الفائقة تؤدي منطقيا إلى النظرية النسبية لأينشتاين، وذكر المؤلف أن أحد العلماء (إدوارد ويتن، وهو أحد ألمع العلماء المعاصرين ومن المشاركين الرئيسيين في نظرية الأوتار الفائقة) ذكر أنه حتى ولو لم يكتشف أينشتاين النسبية العامة لبرزت من داخل نظرية الأوتار الفائقة. أي أنه اتضح في الفصل الأخير من الكتاب أنه قد حصل بالفعل ما خطر في ذهني قبل أن أصل في قراءتي إلى هذا الفصل أنه قد يحصل، وهو أن نظرية الكم قد تؤدي يوما ما منطقيا إلى النظرية النسبية.
