لماذا يتطاول رئيس تحرير جريدة غربية على مقام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ إن بينهما من الفاصل الزمني بعدا سحيقا، وبينهما من الفاصل الجغرافي البعد الشاسع، إنك حينما تقرأ هذه التجاوزات والانتهاكات تتسائل لماذا كل هذا؟!
وإذا أراد المنصف أن يتتبع أسباب ذلك ودوافعه؛ وقف على شيء كثير من ذلك، ومنها:
الخلفية الدينية: التي يؤصلها ويغذيها (الكتاب المقدس) التوراة والإنجيل المحرفين ، ففيهما من التطاول على الله الشيء الكثير، ومعلوم أن النصارى يقدسون العهد القديم بالإضافة للعهد الجديد.
ومن درس هذا الكتاب علم كثرة التجاوز والافتراء، ففيه أن الله سبحانه يندم، ويأسى وأنه تصارع مع يعقوب وصرعه يعقوب، وفيه أنه ينام... تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وفيه أيضًا الكذب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووصفهم بأقبح الصفات من الكفر والشرك وعبادة الأوثان والزنى ببناتهم وبالأخريات ووصفوهم بشرب الخمر والسرقة والمخادعة، حتى إن المسيح لم يسلم من ذلك فوصف بعقوق والدته وبشرب الخمر ...
وحاشا رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم من ذلك.
وقد سجل الله عليهم ذلك فقال سبحانه وتعالى مخبرا عن تطاولهم عليه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُوا} [المائدة: 64]، وقال: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181].
وبين سبحانه صورة من صور افتراء النصارى فقال عز من قائل: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 88- 93].
فبيَّن أن هذا القول من شناعته وفحشه يكاد الكون كله أن يضطرب ويختل، وحكم على أربابه بالكفر فقال جل ثناؤه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [المائدة: 17].
وأخبر المولى عن فعلهم بأنبيائهم فقال: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70].
وقال سبحانه مُذكِّرًا بصنيعهم بكتبه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ} [المائدة: 41].
الخلفية الثقافية: التي تربى عليها منذ نعومة أظفاره ، فكل من اطلع على كتب المستشرقين علم ما اشتملت عليه من افتراء على الله سبحانه وتعالى وعلى أنبيائه ورسله وكتبه، ووصفه لهذه الشرائع بالتخلف والرجعية إذ هي محط سخريتهم ولمزهم، وقد خصصوا لنبينا محمد ولرسالته وكتابه وسنته من ذلك الشيء الكثير ؛ إذ شككوا في أصل رسالته ، وفي طريقة حفظ القرآن ، وفي نقل السنة ومصدريتها، وهي شبه قديمة يقلبونها بين آونة وأخرى ، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفرقان: 4- 6].
كما أن من تصفح كتاب الأستاذ إدريس الدريس المعنون بـ (صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم) استحضر مدى ما يتلقونه في مدارسهم عنا وعن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعن ديننا وعن حضارتنا وأوطاننا.
الخلفية التاريخية: إذ يحمل التاريخ في ثنايا صفحاته سجلا حافلا بالصراع بين الإسلام والنصرانية الغربية ، منذ معركة اليرموك إلى حروب العصر الحديث ، وهذا الصراع يحمل المتحامل على البذاءة والشطط والغلو في القول والفعل. وهم لم ينسوه ويدركون أبعاده النفسية ولذا أرسلوا قبل سنوات معدودات مجموعة من أبناء المحاربين الصليبيين إلى الشرق الأوسط بدأ من تركيا لمقابلة بعض الأسر المسلمة وبعض المسئولين هناك للغرض نفسه، كما نشرت ذلك جريدة الشرق الأوسط.
الأثر الاستشراقي: فقد أسهم المستشرقون في صياغة الصورة النمطية عن الشرق وتعبئة المتلقي الغربي بكل حقد وغلو على الشرق وأهله وأديانه وكتبه وحضارته، وقد جلا معالي الدكتور علي النملة في كتابه الرائع (محددات العلاقة بين الشرق والغرب) هذا الأثر مع غيره من المؤثرات في هذه العلاقة.
الأثر النفسي: فكيف يحتمل الغربي أن يرى دينه يترنح، وأهله ينصرفون عنه وكنائسه تعرض في المزاد ... ثم يجد الإسلام لا تزيده الأيام إلا توهجا، ولا المحن إلا انتشارا، ولا التقنية إلا تقدما، ولا العلوم إلا توافقا، ولا تقادم الأعوام إلا حفظا لمصادره وقبولا لتعاليمه... ألا يدفعه ذلك للحسد والغيرة ؟؟ قال تعالى:{وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109].
البغي والطغيان: وهما مطية كل مستكبر، وسبيل كل جبار، فبعد ما تبين لهما الحق اعرضوا عنه ورغبوا فيما عداه، وحسدوا أهله، قال تعالى: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105].
فمن بغيهم ما يودون أن ينزل الله علينا خيرا قط. وأخبر سبحانه عن موقفنا منهم وموقفهم منا فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} [آل عمران: 118، 119].
وبعد معرفة أسباب هذا التطاول قد يسأل متسائل: هل يعرفون حقيقة هذا النبي صلى الله عليه وسلم؟ فنقول هب أنهم لا يعرفونه، ألا تقتضي المنهجية العلمية أن يبحث فيما بين يديه من المصادر ومواقع الشبكة عن المعلومات الصحيحة عن هذه الشخصية العالمية التي لا تخفى سيرتها على مطلع قبل أن يكتب مقاله ويجري مسابقته؟
ولكن الحقيقة البدهية تقول: إن المعلومات المتوافرة لدى الباحثين منهم كثيرة جدا بل تحْدوا بالكثيرين منهم إلى الإنصاف وآخرين إلى الإسلام وفريق ثالث مستكبر إلى البغي والعناد، فقد كتب المستشرق جورج بوش - وهو جد للرئيس الحالي - كتابه (محمد نبي المسلمين ومؤسس إمبراطورية المسلمين) وهو في هذا الكتاب لا يفتر عن الكذب ووصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بـ (الدعي).
ومع ذلك قال في كتابه: ((إن هذا الرجل حقَّق هو وأصحابه خلال ثمانين سنة ما عجزت عن تحقيقه أوربا خلال ثمانية قرون)).
ومن يطالع الكتب التي تعنى بأخباره - صلى الله عليه وسلم - في العهد القديم والعهد الجديد (الكتاب المقدس) يجد فيها الشهادات العظيمة له - صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى مُنوِّهًا بها وبما يعرفونه منها: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].
وهذا الموقف المتعجرف من هذا الصحيفة ومن الحكومة الدنمركية يوقفنا على حقيقة ما رُمينا به كثيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من أننا ندعو للغلو ونرعاه وندافع عنه؟!
فأقول: رمتني بدائها وانسلت! إن الغلو في الإسلام مرفوض شرعًا، وممنوع حكمًا، ومحارب سياسيًّا، وممقوت اجتماعيًّا وشعبيًّا، فلا تجد غاليًا في بلاد الإسلام إلا وهو محل التشنيع والطرد والإبعاد، فلا تعترف به الشريعة، ولا تُقِرُّه الدولة، ولا تدعو إليه المؤسسات الدينية، ولا يرضاه الناس. بينما الغلو في الغرب - كما في هذه الصورة - وفي غيرها كثير - ينطلق من مؤسسات رسمية وتدافع عنه الدولة وتمنحه الصفة القانونية، ولا تستحي أن تصفه بأنه حرية كفلها القانون، وتضحي من أجله بمصالحها الاقتصادية.
وهذا الموقف المتعجرف من هذا الصحيفة ومن الحكومة الدنمركية يوقفنا أيضا على النظر في دعوى حمّلت زورا التسبب في أحداث الحادي عشر من سبتمبر ألا وهو مبدأ (الولاء والبراء)!
فمن الذي حملته مبادئه على التطاول والافتراء والتنقص بل وإجراء المسابقات لبلوغ ذلك؟
إن هذا المبدأ قيمة فطرية لا يمكن أن تتخلى عنه أي أمة حتى الأنعام في فلواتها لا تتخلى عنه، ولكن ينبغي أن يكون هذا المبدأ يحفظ الأمة من الذوبان ويمنعها من الاعتداء، ويوجب عليها مسؤولية الدعوة.
وقبل الختام يحسن بنا أن نتذكر أن هذا دين الله وهذا رسوله صلى الله عليه وسلم والله ناصر دينه، وحافظ نبيه في حياته وبعد مماته، وقد قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51]، وقال سبحانه : {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [20، 21].
وإن من نصْر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم هذه الوقفة المباركة من هذه الدولة حفظها الله حكومة ورجال أعمال وشعب، وإن من نصر الله أيضا أن تنشر الصحيفة التي نشرت الإساءة فزع الدنمركيين من هذه الوقفة المباركة وتحذرهم من مغبة ما صنعت؟! فيا للحمق ولكنه مكر الله وكيده، فلكأنما هي تقول بلسان حالها لهم: انظروا المآسي التي أوقعتكم بها؟؟!وتدبروا أمركم للخروج منها.
وأخيرًا؛ ينبغي ألا يمر هذا الحدث دون أن نخرج منه بدروس عملية تلهمنا كيف نتعامل مع أزماتنا تعاملا إيجابيا، ينتقل من حيز ردات الفعل المؤقتة إلى أعمال تتبناها المؤسسات الرسمية والإعلامية والاقتصادية والعملية.
وأخشى ما أخشاه أن تخرج علينا أقلام ما بين محتسبة أو مأجورة تقلل مما صنعوا وتدعوا إلى إعادة النظر في جدوى هذه المقاطعة التي أرعبتهم وأفزعتهم وهي اللغة التي يفهمونها، وتبرر هذه الأقلام موقفها بأن المتضرر من هذه المقاطعة تجار مسلمون يرعون أسر مسلمة ووو..فلا ينبغي أن تنطلي هذه على القارئ الفطن، والله حسبي ونعم الوكيل.