اركب معنا

قال تعالى مخبرا عن نوح وقومه وما حل بهم وموضحا كيف كانت النهاية : {وقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِين * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 41- 43].
في مشهد لم يتكرر عبر التأريخ إلا مرة واحد بهذه الضخامة والهول والجسامة، مشهد تتفجر فيه الأرض عيونا وتتشقق فيه السماء بالماء ويلتقي فيه الماء على أمر قد قدر، ويحمل ذلك الرجل الصالح نوح من آمن معه في سفينة النجاة وهي تتهادى بهم في موج كالجبال ويؤمل من فيها النجاة، ويستيقنوا الهلاك لمن كان خارجها.

وتتحرَّك عاطفة الأبُوَّة تجاه ابنٍ لا يسمع نصحًا، ولا يقبل توجيهًا، ولا يستجيب لإغراء، وينادي الأبُ ابنَهُ في لهفةٍ {يا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا}، ويظن الابن أن ما اعتاده من وسائل السلامة ستنجيه هذه المرة قَائلا:َ {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء}، ويخاطبه الأب في يقين: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ}، ويلج الابن في غوايته وغروره وتكون النهاية المحزنة: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}.

وتتردد هذه الآيات في سمع الزمان تحكي موعظة عظيمة وتروي خبرا بليغا، يتلوها ويعيها قلب المؤمن الفطن فيستلهم منها الدرس الأول أن هذه الحياة لا مكان فيها لمغرور، ولا موضع على ظهرها لمفتون.

فلا بد أن يستجيب اللاحق للسابق إذا استيقن رشده، وعلم صدقه، ويعلم علم يقين أن السلامة قرين الإيمان وأن العطب والهلاك قرين الكفر، وأن الإنسان مهما لجّ في طغيانه واعتصم بحوله وقوته فـ {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ}، فلا عاصم في الأمس من أمر الله إلا من رحم، وكذلك في هذا اليوم، وفي غدٍ، ومع تلاطُمِ الفتن وكثرة المزايدين فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. فاللهم ارحمنا فلا نهلك وأنت رجاؤنا.

يا بُنيَّ اركب معنا: عبارةٌ يقولُها كلُّ مُربٍّ مُشفِقٍ على مَن تحت يده، ويُردِّدُها كلُّ ناجحٍ لمن يستنهض هِمَمَهم ممن يخشى عليهم أن تغتالهم يد الغدر والخيانة، ويصيح بها كل راع يخشى على رعيته أن تُجتال دونه.

ويقابلها من هؤلاء: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء}، ويُردِّدُ الناصحون جميعًا مهما اختلفت مواقعهم، وتنوَّعَت مسؤلياتهم تجاه أمتهم: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ}، فمتى يفيق التابع لتوجيه من اتبعه؟ ومتى يستيقن الولد من يقين ما يُنذِرُهُ به والده؟ ومتى ترعوي الأمة عن مغبَّة ما هي مُقبِلَةٌ عليه ما لم تسمع توجيه الراعي وتقبل إرشاده؟؟!

اركب معنا: هي شعار كل أستاذٍ يُنادي بها طلابه مُحذِّرًا إيَّاهم من كل عابثٍ لا يرى الحياة إلا فيلمًا مُضحكًا فحيلته الهزء والسخرية، ويحول بينهم وبين كل صاحب شهوة يرى الوجود شهوةً سانحة يجب اقتناصها، ومباعدًا بينهم وبين كل يائس لا يرى الحياة إلا من خلال منظار أسود قاتم، ومُذكِّرًا لهم بقيمتهم في الوجود، وأن عليهم المشاركة الفاعلة في صناعة الحياة، وطلب الآخرة التي هي غاية المنى.
إن في كل أمة متبعة للحق ثلة قد ركبت سفينة نجاتها، وهي حريصة على كل ما يصلح شأن أمتها تدعو الجميع إلى ما فيه خيرهم في دينهم ودنياهم فالجميع بحاجة إلى كل جهد واستغلال كل طاقة والإفادة من كل عطاء شعارهم: نحن بحاجة إليك فضع يدك في أيدينا، وأنت بحاجة إلينا فاركب معنا.
إن سفينة النجاة هي حلمُ كل مُصلِح، وغايةُ كل راعٍ، وهي الوسيلة المُثلَى لاستنقاذ الأمة مما يحدق بها، ولذا قال الهادي البشير - صلى الله عليه وسلم:((مثلُ القائمِ على حدود الله والواقع فيها كمثلِ قومٍ استهَمُوا على سفينةٍ، فأصابَ بعضُهُم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء مرَّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا))؛ رواه البخاري في (صحيحه).
إن الخطر الحقيقي الذي يفتك بالمجتمعات من داخلها يأتي من طريقين إما مفسد يهدم مكتسبات الأمة ويعطل مسارها، ولا ينظر إلا من منظار ضيق بقدر ما يحقق له مصالحه حتى ولو كان فيه عطبه وعطب الجميع، على حدِّ قول الشاعر:
إذا متّ ظمآنًا فلا نزل القطر
وإما من مغرور لا يدرك عواقب الأمور يصيح به الراعي فلا يستجيب، {لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُون}، ظنَّ أنه في معزِلٍ من الهلاك، حتى إذا ادركه الغرق قال: آمنت، فلا ينفع تراجعٌ بعدَ تحقُّق هلاك، كما لا ينفعُ علاجٌ بعد وفاة.