ضروب ومعالم التفكير (2)
ماجد علي القنية
محدثة بتاريخ: جمادى الآخرة - 1436 هــ
معالم التفكير
- تشكك المرء في صحة نتيجة تفكيره:
ذكرت في نهاية الجزء الأول من هذه المقالة أن تشكك المرء في صحة نتيجة تفكيره (أي في صحة فكرته) هو من معالم التفكير، وقد ذكر ذلك الدكتور عبدالكريم بكار في كتابه (تكوين المفكر). وأرى أن التشكك أشد ما يكون أول ما يتوصل المرء لنتيجة تفكيره. وقد وجدت بعد التأمل أن كثرة التشكك أو قلته، وسبب التشكك وبالتالي الطرق المتاحة للمرء لتقليل التشكك، كل ذلك يعتمد على الضرب من التفكير الذي تشكك المرء في نتيجته. فإن كان الضرب هو الأول من التي ذكرنا في الجزء الأول من المقالة، وهو الذي يكون التفكير فيه عبارة عن مجرد دقة ملاحظة لشيء به بعض الخفاء، فإنني وجدت أن التشكك في هذا الضرب أقل من التشكك في الضروب الأخرى. ويبدو لي أن سبب قلة التشكك في هذا الضرب هو بسبب أنه ليس فيه إعمال فكر كثير، فليس هناك منطلق ثم عملية تفكير محفوفة بالأخطاء ثم نتيجة، وإنما هو مجرد دقة ملاحظة.
أما إن كان الضرب هو الثاني من التي ذكرنا في الجزء الأول من المقالة، وهو الذي يكون التفكير فيه عبارة عن قياس، فإن سبب التشكك هو أن المرء يستشعر أن قياسه قد يكون خاطئا. وبرأيي فإن الطريقة المناسبة لتقليل التشكك في هذا الضرب هو أن يقوم المرء بإعادة التفكير مرارا في قياسه، فإنه إن فعل ذلك قد تظهر له أشياء تدل على أن قياسه كان خاطئا أو ربما كان خاطئا فيقوم بتصحيح قياسه بناء على ذلك أو إلغائه، أو بالعكس قد لا تظهر له مع تكرار التفكير مثل هذه الأشياء فيزداد ثقة في صحة قياسه. فلو عدنا لمثال ترجمة العلوم الذي ضربناه لهذا الضرب من التفكير، فلو أعاد ذلك الشخص التفكير مرار في قياسه فقد يظهر له أن قياسه الذي استدل به على عدم الحاجة خلال الترجمة لترجمة المسميات العلمية ربما كان خاطئا، وذلك بسبب وجود فرق بين ترجمة العلوم للعربية في هذا العصر وبين ترجمتها للعربية في عصر الأمة الذهبي بحيث أن هذا الفرق ربما يجعل قياسه خاطئا، وهذا الفرق هو أنه في عصر الأمة الذهبي كانت المسميات العلمية الأجنبية قليلة ولذلك فإن هذه الكلمات بعد نقلها للعربية بدون ترجمتها لم تكن نسبتها في العربية إلا كنقطة في بحر فلذلك لم تغير من شكل ووجه العربية ولم تطغى على الكلمات العربية الاشتقاق، أما في عصرنا هذا فإن المسميات العلمية الأجنبية كثرت جدا وستتضاعف كثيرا في المستقبل، فلو نقلنا هذه المسميات للعربية بدون ترجمتها (أقصد بدون اشتقاق مسميات عربية لها) فإنها قد تشكل نسبة معتبرة في العربية وإذا استمرينا على نفس الطريقة في المستقبل فإن هذه المسميات قد تشكل نسبة كبيرة في العربية وتغير من شكل ووجه العربية تغييرا كبيرا ومضرا. ولذلك فإن ذلك الشخص قد يتراجع عن فكرة عدم الحاجة لترجمة المسميات العلمية خلال الترجمة ويميل إلى أنه ليس فقط ينبغي أن نترجم الكلام الشارح ولكن أيضا المسميات العلمية قد نكون بحاجة إلى ترجمتها.
أما إن كان الضرب هو الثالث من التي ذكرنا في الجزء الأول من المقالة، وهو الذي يكون التفكير فيه عبارة عن محاولة المرء توقع ما إذا كانت حقيقة تخصه هي عامة تنطبق على أشخاص آخرين غيره، وإن كان كذلك فما مدى تعميمها، فإن سبب التشكك هو أنه لا يستطيع أن يثبت صحة توقعه. فلو عدنا إلى مثال النظارة الشمسية والذي كان أحد مثالين ضربناهما لهذا الضرب، ودعنا نقول أن ذلك الشخص بعد أن قام بعملية التفكير توصل إلى توقع مفاده أنه ليس هو فقط بل كثير من الناس إذا رأوا شخصا يلبس نظارة شمسية فإنهم يحسون كما يحس هو بوجود حاجز نفسي بينهم وبين ذلك الشخص، ثم بنى على هذا التوقع نصيحة لمن يلبس النظارة الشمسية أن يقلل قدر المستطاع من لبسها لإزالة هذا الحاجز. فهنا ذلك الشخص سيتشكك في صحة هذا التوقع لأنه ببساطة لا يستطيع إثباته. وأقول استطرادا أننا لو أردنا أن نثبت هذه التوقع أو ننفيه فإن علينا أن نجري دراسة على شريحة من الناس بأن نوزع عليهم استبيانا أو نستخدم معهم غير ذلك من الطرق العلمية لنرى إن كانوا يحسون بنفس إحساس ذلك الشخص إذا رأوا شخصا يلبس نظارة شمسية أم لا، فيكون الإثبات هنا قد جاء عن طريق العلم. أمَا وأنا لم نقم بدراسة علمية تثبت هذا التوقع أو تنفيه فإن التفكير وحده لا يستطيع إثباته وسيظل ذلك الشخص متشككا في صحته.
والذي يظهر لي في هذا الضرب الثالث من التفكير هو أن إعادة المرء التفكير مرارا في نتيجة تفكيره لن تكون فعالة كثيرا في تقليل تشككه في صحتها، بخلاف الضرب الثاني. ويظهر لي أن الحالة الوحيدة التي يمكن أن تقلل بشكل كبير من تشكك المفكر في نتيجة تفكيره في هذا الضرب، هذا إذا لم تكن هناك دراسة علمية تثبت أو تنفي هذه النتيجة، هي أن تجد الفكرة بعد أن يقوم بنشرها قبولا واسعا. فمثلا لو عدنا مرة أخرى لمثال النظارة الشمسية، ودعنا نقول أن ذلك الشخص نشر فكرته على شكل تغريدة في تويتر، فإن من سيؤيد فكرته سيؤيدها لأنه يشعر مثل ذلك الشخص بوجود حاجز نفسي بينه وبين لابس النظارة الشمسية، وبالتالي لو لقيت هذه التغريدة تأييدا واسعا في تويتر فإن ذلك قد يدل على صحة توقع ذلك الشخص أنه ليس هو فقط بل كثير من الناس إذا رأوا شخصا يلبس نظارة شمسية فإنهم يحسون كما يحس هو بوجود حاجز نفسي بينهم وبين ذلك الشخص، وبالتالي ستزداد ثقة ذلك الشخص في صحة توقعه.
أما إن كان الضرب هو الرابع من التي ذكرنا في الجزء الأول من المقالة، وهو الذي يكون التفكير فيه عبارة عن محاولة ترجيح عامل أو عوامل على عامل أو عوامل تعاكسها في التأثير في مسألة أو قضية معينة، فإن هناك سببين للتشكك، الأول هو أن المرء يستشعر أن العوامل التي تؤثر في المسألة كثيرة وأنه قد يكون غفل عن عامل أو عوامل منها أقوى تأثيرا من العوامل التي دارت في خلده، والسبب الثاني للتشكك هو أنه حتى العوامل التي لم يغفل عنها والتي دارت في خلده فإنه يستشعر أنه قد لا يكون قدر قوة ودور كل واحد منها التقدير الصحيح. وبرأيي أن أفضل الطرق لتقليل التشكك في هذا الضرب هي نفس الطريقة المستخدمة مع الضرب الثاني، أي إعادة المرء التفكير مرارا في فكرته، فإن المرء هنا لو أعاد التفكير مرارا في المسألة والعوامل التي تؤثر فيها فإنه لن يبقى على نفس درجة التشكك، فإما أنه ستظهر له جوانب جديدة تجعله يزداد ثقة في صحة النتيجة التي توصل إليها وإما أنه بالعكس قد تظهر له جوانب جديدة تجعله يرجح أن النتيجة التي توصل إليها كانت خاطئة فيقوم بتصحيحها.
وللتمثيل على سببي التشكك والطريقة المتاحة لتقليله في هذا الضرب نعود لمثال المدينتين، وهو المثال الأول الذي ضربناه لهذا الضرب. ودعنا نقول أن ذلك الشخص بعد أن قام بعملية التفكير توصل إلى نتيجة مفادها أن العوامل التي تجمع المدينتين أرجح من العامل الذي يفرقهما، ثم بنى على هذه النتيجة توقع مفاده أنه في المستقبل ستنتصر العوامل التي تجمعهما على العامل الذي يفرقهما فتزول هذه الحدود الحديثة التي بينهما فيكونان ضمن بلد واحد. فهنا قد يتشكك ذلك الشخص في هذه النتيجة للسببين الذين ذكرناهما قبل قليل. فإذا أعاد التفكير مرارا في هذه المسألة فإنه قد يتنبه إلى عامل قد غفل عنه من العوامل التي تفرق بين المدينتين كوجود اختلاف بينهما في المذهب الديني أو اختلاف في النسب أو العرق يجعل ما يفرق المدينتين أرجح مما يجمعهما، فيقوم بتصحيح النتيجة بناء على ذلك. أو قد لا يظهر له مع تكرار التفكير أنه قد غفل عن مثل هذه العوامل ولكن قد يظهر له أن العامل الذي يفرقهما والذي دار في خلده سابقا وهو أن كل منهما في دولة وما يحدثه ذلك لكل مدينة من ولاء لدولتها، قد يظهر له أن هذا العامل أقوى مما قدر، وأن هذا العامل قد اكتسب قوة بمرور الوقت منذ نشوء الدولتين وسيكتسب قوة أكثر في المستقبل إلى درجة تجعل ما يفرق المدينتين أرجح مما يجمعهما، فيقوم بتصحيح النتيجة بناء على ذلك. وهنا سيكون تشكك ذلك الشخص في نتيجته الجديدة أقل من تشككه في نتيجته القديمة، ولكن هذا لا يعني أن التشكك قد انقطع، فقد تظهر له في المستقبل جوانب جديدة لم تدر في خلده قبل ذلك تجعله يعكس النتيجة مرة أخرى.
وكذلك لو عدنا إلى مثال مواقف السيارات، وهو المثال الثاني الذي ضربناه لهذا الضرب. ودعنا نقول أن ذلك الشخص بعد أن قام بعملية التفكير توصل إلى نتيجة مفادها أن العامل الذي يعطي الطلاب حقا في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة من الكلية أرجح من العامل الذي يعطي الأساتذة حقا في ذلك، فيرى بالتالي أن الطلاب أحق من الأساتذة في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة. فهنا قد يتشكك ذلك الشخص في هذه النتيجة للسببين الذين ذكرناهما سابقا. فإذا أعاد التفكير مرارا في هذه المسألة فإنه مثلا قد يظهر له عامل لم يكن قد فكر فيه قبل ذلك يعطي الأساتذة حقا في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة، مثلا أن نسبة من الأساتذة عندهم أمراض بسبب التقدم في العمر، فمنهم من عنده تضيق في شرايين القلب ومنهم من عنده السكري ومنهم من عنده التهاب في المفاصل وهكذا، مما قد يجعل المشي مسافات بعيدة متعبا ومضرا لهم، بخلاف الطلاب فهم في عنفوان الشباب وأصحاء في الغالب فلا يتعبهم ولا يضرهم المشي. فيرى ذلك الشخص أن العاملين الذين يعطيان الأساتذة حقا في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة، هذا العامل الذي ظهر له الآن بالإضافة إلى العامل الذي دار في خلده سابقا، أرجح من العامل الذي يعطي الطلاب حقا في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة، بل وقد يرى ذلك الشخص أن هذا العامل الذي ظهر له الآن لصالح الأساتذة، قد يرى أنه لوحده، وحتى بدون أن يحتسب العامل الذي دار في خلده سابقا، أرجح من العامل الذي في صالح الطلاب، فيقوم بناء على ذلك بتصحيح النتيجة التي ظهر له خطأها. وهنا كما في مثال المدينتين سيكون تشكك ذلك الشخص في نتيجته الجديدة أقل من تشككه في نتيجته القديمة، بل إن تشكك الشخص في هذا المثال قد يقل أكثر كثيرا مما سيقل تشكك المفكر في مثال المدينتين، وذلك لأن الشخص في هذا المثال قد يرى أن العامل الذي ظهر له الآن في صالح الأساتذة (عامل أن نسبة منهم يعانون من أمراض) هو عامل قوي جدا يَستبعد معه أن يخطر على باله في المستقبل عامل في صالح الطلاب يغلب هذا العامل. أي نعم لا زال هناك احتمال أن يخطر على باله في المستقبل عامل في صالح الطلاب يغلب هذا العامل، ولكنه قد يحس أن هذا احتمال ضعيف. أردت أن أقول أنه في بعض الحالات في هذا الضرب فإن تكرار المرء التفكير مرارا في المسألة والعوامل التي تؤثر فيها قد يجعله يصل أخيرا إلى نتيجة يشعر بدرجة طيبة (وإن لم تكن درجة كاملة) من اليقين بصحتها.
- منطلق فعملية تفكير فنتيجة:
من معالم التفكير أنه غالبا ما ينطلق من منطلق ويصل إلى نتيجة، أي يكون هناك منطلق ثم عملية تفكير ثم نتيجة. يستثنى من ذلك الضرب الأول من ضروب التفكير التي ذكرنا سابقا، فذلك الضرب ليس على هذا التركيب، أي ليس فيه منطلق ونتيجة وإنما هو مجرد دقة ملاحظة. أما الضروب الأخرى فإنه يظهر فيها هذا المعلم. ودائما ما تكون ثقة الشخص في صحة المنطلق أكبر من ثقته في صحة النتيجة.
ومن البديهي أن تكون صحة المنطلق شرط لصحة النتيجة، فإذا كان المنطلق صحيحا فإن النتيجة ستكون صحيحة أو خاطئة (أود أن يلاحظ القارئ الكريم أنه ليس بالضرورة أن تكون النتيجة صحيحة إذا كان المنطلق صحيحا بل قد تكون صحيحة أو خاطئة، فإذا انطلق المرء من منطلق صحيح ولكنه قام بعملية تفكير خاطئة فإن النتيجة ستكون خاطئة). هذا إذا كان المنطلق صحيحا، أما إذا كان المنطلق خاطئا فإن النتيجة ستكون فقط خاطئة.
والمنطلق سيكون صحيحا إذا كان حقيقة (حسية أو علمية)، أو بديهة عقلية، أو مبدأ أخلاقيا، أو أحد الثوابت الشرعية. ولكن ينبغي ملاحظة أنه في بعض الحالات قد ينطلق الشخص من منطلق يظنه أحد هذه المنطلقات الصحيحة وهو في الحقيقة ليس كذلك، فمثلا قد ينطلق الشخص في بعض الحالات من منطلق يظنه حقيقة حسية وهو في الحقيقة ليس حقيقة حسية وإنما وهم (سببه مثلا اختلال في الحواس، كما يحصل مثلا في الهلوسة التي تسببها بعض الأدوية أو بعض الأمراض)، وهذا يعني أنه قد انطلق من منطلق خاطئ وبالتالي سيقوم بعملية تفكير خاطئة وسيصل إلى نتيجة خاطئة.
وطبعا كلما ابتعد المنطلق عن هذه المنطلقات الصحيحة كلما ازدادت احتمالية أن يكون خاطئا، وهذا قد يحصل مثلا في الأعمال الفكرية، وذلك أنه في العمل الفكري قد يحصل أن ينطلق المفكر في البداية من أحد هذه المنطلقات الصحيحة فيقوم بعملية تفكير أولى فيصل إلى نتيجة أولى صحيحة أو خاطئة، ثم يقوم بعملية تفكير ثانية يكون منطلقه فيها هو هذه النتيجة الأولى فينطلق منها فيصل إلى نتيجة ثانية صحيحة أو خاطئة، ثم يقوم بعملية تفكير ثالثة يكون منطلقه فيها هو هذه النتيجة الثانية فينطلق منها فيصل إلى نتيجة ثالثة صحيحة أو خاطئة، وهكذا. فهنا من الواضح أن احتمالية صحة النتيجة الثالثة أقل من احتمالية صحة النتيجة الأولى، وذلك لأن النتيجة الأولى تعتمد صحتها فقط على صحة عملية تفكيرٍ انطلقت من منطلقٍ صحيح، أما النتيجة الثالثة فإن صحتها تعتمد على صحة عملية تفكيرٍ (عملية التفكير الثالثة) تعتمد صحتها على صحة منطلقٍ (النتيجة الثانية) تعتمد صحته على صحة عملية تفكيرٍ (عملية التفكير الثانية) تعتمد صحتها على صحة منطلقٍ (النتيجة الأولى) تعتمد صحته على صحة عملية تفكيرٍ (عملية التفكير الأولى) انطلقت من منطلقٍ صحيح!
وقد بات واضحا مما سبق في هذا الجزء الثاني من المقالة أن من معالم التفكير أن نتائج تفكير المرء كثيرا ما يتضح له أنها كانت خاطئة، فيكون عليه القيام بتصحيحها. ولكن المرء إذا كان مفكرا مشهورا فإنني أتوقع أن تصعب عليه الشهرة الاعتراف بخطأ نتيجة تفكيره وتصحيحها مرات كثيرة، ولو أنها مرة واحدة أو مرات قليلة لهان الأمر. ويبدو أن هناك أكثر من سبب يجعل من الصعب على المفكر المشهور الاعتراف مرات كثيرة بخطأ نتيجة تفكيره. وأحد هذه الأسباب هو أن الكثير من القراء لا يعلمون أن ظهور أخطاء للمفكر المشهور باستمرار في نتائج تفكيره هو من معالم وطبيعة التفكير، ولذلك فإنه يستشعر أنهم لن يتقبلوا أن يكون في نتاجه الفكري الكثير من الأخطاء. وقد رأى الدكتور عبدالكريم بكار في كتابه (تكوين المفكر) الذي أشرنا إليه سابقا، رأى أن المفكر الحق دائما ما يرى شيئا جديدا وأنه " كلما رأى شيئا جديدا وجد نفسه يتبنى بعض الأفكار الجديدة، ويتخلى عن بعض الأفكار القديمة، وهذا يشكل نوعا من الصدمة لطلابه والمعجبين بنهجه". ولذلك فإنني أدعو هؤلاء القراء الكرام إلى أن يصححوا هذا الانطباع الذي عندهم عن المفكرين المشهورين. فإنهم إن فعلوا ذلك وأصبح معروفا عند الناس أن استمرار عثور المفكر المشهور على أخطاء في نتائج تفكيره هو من طبيعة ومعالم التفكير وأن ذلك لا يعد قدحا في المفكر بل قد يدل على أنه مفكر حقا، إن فعلوا ذلك ستتحقق مصلحتين، الأولى هي أن ذلك سيسهل على المفكر المشهور الاعتراف مرات كثيرة بوجود أخطاء في نتائج تفكيره والقيام بتصحيحها، والثانية هي أن ذلك سيجعل القراء أكثر تشككا وتفكيرا في نتائج تفكير المفكر، فلا يقولون بصحة النتيجة التي توصل إليها المفكر مرتكنين إلى مجرد شهرته وبتفكير غير كاف في هذه النتيجة، ولكن يقولون بصحتها بعد أن يفكروا فيها جيدا ويظهر لهم صحتها. والله أعلم.
