كارثة.. الموت دهساً أمام بوابات المدارس

كثيرةٌ هي الخطابات التي تأتيني من مدرسة أبنائي، ولكن ذلك الخطاب كان مختلفاً عن البقية؛ كان الخطاب موجهاً لولي الأمر بطلب الموافقة على مشاركة الابن في الماراثون الذي ستقيمه المدرسة خارجها، أعجبتني الفكرة كثيراً، فهي تخرج عن  نمط الأنشطة اللاصفية المعتادة في مدارسنا، والتي لا تتعدى زيارة الملاهي أو حديقة الحيوان، وهممت بالموافقة الفورية غير أني توقفت للحظة متسائلاً: ماذا عن التفاصيل؟ كيف ستكون الترتيبات الخاصة بضمان سلامة الأطفال من السيارات الطائرة حول المدرسة؟ كيف أطمئن على سلامة ابني وزملائه وقد قرأت - كما تقرؤون- ما حصل في السنوات السابقة من حوادث دهس الأطفال أمام بوابات مدارسهم، بسبب سائقي الباصات المستعجلين، أو السائقين الخصوصيين المهملين، أوحتى الطلاب المستهترين.

طبعاً لم يمر يومٌ على الخطاب الأول حتى جاءني الخطاب الثاني من المدرسة معلناً بأن الماراثون قد أُلغيَ بسبب عدم موافقة إدارة المرور عليه، وانتهت القصة من ناحيتهم عند هذا الحد، ولكنها لم تنته عندي!

كأي ولي أمر؛ أنا أرى بأن المدرسة يجب أن تبقى هي المكان الأكثر أماناً لأطفالنا بعد بيوتهم، فكيف نقبل بأن يتعرض أطفالنا للأذى فيها، ولعلكم توافقونني الرأي بأن حصول حوادث الدهس أمام بوابات المدارس لهو من أعظم الأذى الذي لا نقبله جميعاً. يكفي ألماً أن تكتب في جوجل ( دهس الطلاب أمام المدارس) وستفاجأ بكمية النتائج، والصور المأساوية التي سيخرجها لك محرك البحث، ومن كافة مناطق المملكة بلا استثناء، طبعاً هذا لا يشمل الحوادث التي لم تصل ليد الإعلام.

خلال  سنوات بعثتي في كندا، كنت أوصل أبنائي أحياناً إلى مدارسهم، وكنت كثيراً ما أنبهر بروعة التنظيم والتنسيق في دخول الطلاب وخروجهم من وإلى المدرسة، فكل شئ مرتب، السيارات لا تتعدى مناطق معينة من حرم المدرسة، ورجال الأمن أو المتطوعون منتشرون في حرم المدرسة الخارجي يقودون الأطفال ويوجهونهم، والآباء والأمهات يتحركون في سلاسة وفي منتهى التنظيم والاحترام للقوانين الموضوعة. حتى السيارات في الشوارع، هي ملزمةٌ نظاماً بالوقوف الإجباري على جانبي الطريق في اللحظة التي يعطي فيه باص المدرسة الأصفر إشارة الوقوف، ليلتقط طالباً أو لينزل آخر، وياويله وسواد ليله من يفكر أن يحرك سيارته قبل أن يتحرك باص المدرسة، فلن يلبث طويلاً حتى يجد سيارة الشرطة خلفه، حيث إن أول من سيبلغ عنه هم الناس أنفسهم.

أما الوضع بالنسبة لمدارسنا فمحزن ولا شك، فلانكاد نرى هذا الاهتمام أمام المدارس الحكومية، وكأن الأمر خارج سور المدرسة لا يعني من بداخلها البتة، والحق يقال بأن بعض المدارس الخاصة قد سبقت المدارس الحكومية في هذا المضمار، فأنشأت لديها إدارات أمنٍ وسلامة تقوم على تنظيم حركة دخول وخروج الطلاب من المدرسة، ولكنه القليل الذي لا يكسر القاعدة.

أما وقد طرق العام الدراسي الأبواب، فلا أظن وزارة التعليم إلا وقد وضعت هذا الأمر نصب عينيها، حتى لا تتكرر حوادث الدهس التي سمعنا بها في الآونة الاخيرة، حوادث راح ضحيتها أطفال أبرياء لم يكن ذنبهم إلا أنهم لم يجدوا من يهيئ لهم البيئة الآمنة أمام مدارسهم. وحتى لا تتكرر هذه المآسي فإنه يجب على وزارة التعليم العمل على إيجاد آلية لحل هذا الأمر بشكل قاطع، وإيجاد إدارة خاصة بالأمن والسلامة، كما هو الحال في بعض المدارس الخاصة، لتعمل على وضع خطط خاصة بسلامة الطلاب وقت الدخول والخروج من المدارس، وإذا لم توجد هذه الوظيفة في سلم وظائف الوزارة، فلا أقلها من استعمال المدرسين في ذلك، أو المتطوعين إن وجدوا، وتذكروا بأن من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.

ولا ننسى الدور المهم للمرور في تنظيم الحركة خاصة حول المدارس التي تكون على أطراف الشوارع الكبيرة والمزدحمة، كما لا ننسى كذلك دور أولياء الأمور في تحذير أبنائهم وتوجيههم بعدم العجلة والتسرع في الدخول والخروج من السيارات والباصات، وكذلك المشرفين على الباصات وسائقيها اللذين يجب أن ينتبهوا لحركة الأطفال، والتيقن من وقوف الباصات في الآماكن الآمنة لهم. 

لعمري أنا لا نتكلم هنا عن أمرٍ من أمور الترف أو الرفاهة الزائدة، أنا أتكلم عن حماية أرواح وأجساد فلذات أكبادنا الذين نرسلهم كل يوم للمدارس ونحن مطمئنون بأنهم سيكونون في أيدٍ أمينة.. ولا أظنهم إلا كذلك.

وليبق حرم المدرسة دائماً وأبداً حرماً آمناً لأطفالنا نفسياً وجسدياً.

نُشر في جريدة الرياض بتاريخ 24 أغسطس 2015

http://www.alriyadh.com/1075860