الشاي الأخضر.. وعضوية حزب الكنبة
بواسطة aalsarkhy في 18 ديسمبر 2015
كانت معركةً طاحنةً، استطاع خلالها نسف صحن الكبسة كاملاً، ثم أردفه بعلبةٍ من لبنه المُفضل، ولم ينس طبعاً أن يحلّي بقطعتين من الجاتوه الفاخر، استلقى بعدها على الكنبة، ومعدته تكاد تقفز من حلقه، التقط الريموت كنترول، وصاح بما بقي في جوفه من نفس: أين الشاي الأخضر؟ خلينا نحرق شوية، ثم انطلق يُقلّب القنوات الفضائية، وهو يغوص في الكنبة أكثر.. وأكثر.. وأكثر.
انتشرت في السنوات الأخيرة الدعايات التي تُبشّر بالقدرة السحرية للشاي الأخضر على حرق الدهون، ونسف الكرشة، وانقاص الوزن، مما جعل سعر جرام الشاي الأخضر يطير، وأصبح تجارة رائجة، لم لا وهي تجارة تلعب على وترٍ حساسٍ لإنسان هذا العصر، الوتر الذي يقول (التهم كلُ ما بدا لك من الأخضر واليابس، ودع مهمة حرقه على طعامٍ آخر)، إن اللعب على هذا الوتر هو الذي أنتج موضة الأفكادو والجريب فروت والماء بالليمون وغيرها حتى وصلنا لموضة الشاي الأخضر، فأصبح هو المسكين الجديد الذي وقعت على عاتقه مهمة حرق كل تلك الجبال المتراكمة من الدهون، والحقيقة أن المسكين الأكبر هو من صدّق هذه الخرافة!! وقبل الدخول في شرح بطلان هذا الادعاء دعونا نتعرف قليلاً على صديقنا: الشاي الأخضر.
يأتي الشاي الأخضر من القطفات الأولى لأوراقه وبراعمه، ممتلئاً بالكثير من المواد الطيارة العَطِرة ذات الفوائد الكثيرة، وبعد الانتهاء من قطف الأوراق البكر والكبيرة، يتم تجميع ما بقي من الورق الهزيل والصغير ليتم يتخميره، فيتحول لونه للأسود، وهو الشاي الأسود الذي نعرفه جيداً، وتساعد عملية التخمير هذه في حفظ وتخزين الشاي لفترات طويلة، ولكنها للأسف - تفقده الكثير من المواد الفعّالة فيه.
يحتوي الشاي الأخضر على عدة مكونات لعل أهمها هي الكاتكينات (Catechins) وهي التي أعطت الشاي الأخضر شهرته كمضاد للأكسدة، وهي مواد مختلفة تحمي وتقلل من تلف الخلايا نتيجة نواتج التفاعلات الضارة التي يتعرض لها الجسم باستمرار بسبب عوامل داخلية أو خارجية. ويحتوي الشاي الأخضر كذلك على مادة الكافيين المعروفة في القهوة وهي المادة المسؤولة عن تنبيه الجهاز العصبي، ولكن من أين أتت القدرة السحرية المزعومة للشاي الأخضر على حرق الدهون ونسف الكرشة.
الحقيقة أن الملاحظة بدأت على حيوانات التجارب، حيث لوحظ أن مستخلص الشاي الأخضر (خاصة مادة الكاتكينات) تعمل على تكسير المركبات الدهنية، في حين تساعد مادة الكافيين على رفع معدلات الأيض وبالتالي حرق المزيد من الطاقة في الجسم، مما أدى إلى نقصان الوزن لدى هذه الحيوانات، ولكن عندما طُبقّت الدراسات على البشر بشكل منهجي، فإنها حقيقةً لم تخرج بنفس النتيجة، ولم تؤد إلى نقص حقيقي في الوزن، فالبشرلا ينطبق عليهم دائماً ما ينطبق على حيوانات التجارب، ثم اذا ما افترضنا إمكانية ذلك، فإنه لا بُد في هذه الحالة من تجرع كميات كبيرة لا يستطيع الجسم تحمل الآثار الجانبية الناتجة عنها مثل زيادة نبضات القلب والتأثير على عمليات الهضم والامتصاص لبعض الأملاح والفيتامينات.
ولأن الشاي الأخضر أصبح تجارةً رائجة، فقد دخل فيه العطّارون بقدِّهم وقديدهم، فأضافوا عليه بعض (بهاراتهم) المميزة، مثل مدرات البول، ومسّهلات الأمعاء، لينطلق بعدها الباحث عن الرشاقة في رحلة ترددية بائسة لدورات المياه، فاقداً الكثير من سوائله، وبالطبع شيئا من وزنه، ولكن المصيبة أن الشحوم ما تزال قابعةً هناك دون أن تتزحزح قيد أنملة.
إن الشاي الأخضر دون حمية معتدلة، ودون رياضة ملتزمة، ليس أكثر من وهم، تنتفخ من ورائه جيوب التجار، في حين تبقى انتفاخاتنا كما هي. اعذرني – عزيزي القارئ - إن كنت قد خيبت ظنك في مشروبك المفّضل، أرجو ألا تتوقف عن الاستمتاع في ارتشافه المعتدل، دعه يأخذك لعوالِمك الجميلة، ولكن لا تدعهم يستغلونك بإغراءاتهم المُضلِلة، والتي لن تزيدك إلا غوصاً أكثر داخل الكنبة، غوصاً يؤهلك للحصول – بجدارة - على عضوية حزب الكنبة، وهي لعمري عضوية حزب الخاسرين.
نشرت في جريدة الرياض 4 صفر 1437(16 نوفمير 2015)
http://www.alriyadh.com/1100765
* استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد للأطفال
