الأسنان سحر الإنسان
بسم الله الرحمن الرحيم
" الأسنـــــانُ سحـــــرُ الإنســـــانِ "
حسب مجلتكم الغراء فإن الإنسان البالغ يمتلك اثنين وثلاثين سناً حسب المعدل الطبيعي ، ولكل مجموعة منها وصف أو اسم خاص في لغة العرب ، وأقرها الأطباء بنفس الاسم ، فالقواطع والأنياب والضواحك - النواجذ - كلها أسماء وتطلق على تجمع معين للأسنان ..
وأود أن أقف مع – النواجذ – تلك الأسنان السحرية التي تفعل في الإنسان الأفاعيل ، ليس أفاعيلها في العض ولكن في البسمة . .
فعند تأمل الأحاديث النبوية الشريفة نلحظ أن الصحابة رضي الله عنهم ينقلون لنا مواقف كثيرة بدت فيها نواجذ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا الوصف والنقل دلالته العظيمة ، فهو يبتسم عندما سأله يهود عن أن الله تعالى يضع السموات والأرض في يده سبحانه ، وهو يتعجب من عظمة الله تعالى وقدرته ، فتنطلق البسمة النبوية – حتى بدت نواجذه – وفي موضع آخر عندما يخرج آخر أهل النار ليدخل الجنة ممن لم يكتب عليهم الخلود ليخيل إليه أنها ملأى ، فيمنح عطاءً عظيماً ليقول لربه : ( أتهزأ بي وأنت الجبار ) وهنا تنطلق البسمة النبوية – حتى بدت نواجذه -. .
وكثيرة هي مواضع البسمة التي بدت فيها النواجذ ، بل لقد تتبعت مواضع ابتسامته صلى الله عليه وسلم فتعجبت منها أشد العجب ، فهذا عبدالله بن الحارث رضي الله عنه يقول : ( ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم )
ويقول جرير بن عبدالله رضي الله عنه : ( ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي ) .
فيا لله ، ما هذه الروح السمحة العجيبة التي تملك كل هذه المقومات رغم الصعوبات ! لترسل البسمة في كل حين ، بل إنه صلى الله عليه وسلم يقول : ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) ويدعو أولئك الذين يبخلون بها ليؤكد لهم ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) .
فما سر الابتسامة يا ترى ؟ وهل لهذه الأسنان كل هذا التأثير ؟
كنت أنظر إلى طفل صغير بدأ يعرف معنى الضحك والابتسامة ، فما هي إلا لحظات من إطلاقة تلك الأصوات الضحوكة حتى هلل البيت فرحاً .. يا سلام .. فسبحان الله ! مــا الســـر في هــذا الأمر ؟
وعندهــا تذكرت قــولــه تعالــى : ( وأنه هو أضحك وأبكى )
الابتسامة كنز لا يعرفه كثير من الناس رغم أنه أسهل شيء يمكن أن تدفعه للآخرين ، ويؤكد علماء الطب وخبراء الأحاسيس الإنسانية أن الشخص الذي يبتسم كثيراً يكون له تأثير إيجابي في الآخرين أكثر من الشخص المتجهم ، وقد حسب بعضهم المدة الزمنية التي تستغرقها الابتسامة الخالصة من القلب فوجد أنها لا تتجاوز بضع ثوان ، فلماذا نبخل بها ؟
وقد وجد أولئك العلماء أن لكل إنسان ابتسامته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد ، وكل ابتسامة منه تحمل تأثيراً خاصاً وسحراً عجيباً ربما يخفى وراءه العيوب كما قال الشاعر :
إذا كانَ الكريمُ عبوسَ وجــهٍ * * فما أحلى البشاشــةَ في البخيــلِ
ويقول حاتم الطائي :
أضاحكُ ضيفي قبلَ إنزالِ رحلهِ * * ويخصبُ عندي والمحلُ جديبُ
وما الخصبُ للأضيافِ أن يكثرَ القرى * * ولكنما وجهُ الكريــمِ خصيــبُ
إننا بحاجة ماسة إلى هذه النواجذ التي أخفاها بعض الناس فلا يظهرها إلا عند طبيب الأسنان مكرهاً ، لكنه لم يبدها لا لأولاده ولا لزوجته ولا لأهل الحي ولا للمراجعين في دائرته ، إنه بخيل عجيب حتى بإظهار النواجذ ..
كم من المشاكل الأسرية كان من الممكن أن تنتهي بابتسامة ؟ وكم من الخلافات العائلية ربما توقفها ابتسامة ؟ وكم من المطالب الشديدة كان من الممكن أن يخفف رفضها على الآخرين إخراج الابتسامة ؟
لماذا صرنا نجيد التغني بالجميــلات والحسناوات في ابتسامتهــن وصباحــة أسنانهــن وننســى أن نبتســم ..
أيا قمراً تبسم عن أقاح * * ويا غصناً يميلُ مع الرياح
جبينك والمقلد والثنايا * * صباحٌ في صباحٍ في صباحٍ
بل إن عنترة بن شداد تذكر محبوبته في أحلك ظروف الحرب ليصف ثغرها المتبسم فيقول :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل * * مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها * * لمعت كبــارق ثغرك المتبسم
إنها دعوة إلى الابتسامة ، إلى سحر الإنسان الحقيقي ، إلى أن نشعر بأهمية هذه الابتسامة ,
وربما استفاد أطباء تنظيف الأسنان مما كتبته ، في دعوة للابتسامة النظيفة .. أرجو أن يكون لي نصيب من دخل عياداتهم .
" ابتســـم للحيـــاةِ .. أظهـــر نواجـــذكَ "
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتبه
فهد بن عبدالعزيز السنيدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
مذيع قناة المجد الفضائية
