بيع الوهم

 
بيع الوهم
في التنزيل الحكيم قال تعالى (( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)) وهو عنوان عام للامه وتحذير مجلجل في الحياة،لكنه جاء لسبب عظيم لم يكن أمين الوحي ليخفيه محاباة لأصحابه الخلص رضي الله عنهم فالآية تحذر من خطورة إيثار الدنيا وتقديمها على الآخرة وان هذا الإيثار يفقد الأمة عون الله ويقلل من مكاسب الدعوة ويضعف خطاب الدعاة إلى الله .
قال ابن مسعود رضي الله عنه ( ما كنت أرى أحدا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم احد {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ]هذه الآية العظيمة جاءت في معرض العتاب لخير جيل وأعظم جيل على تصرف يراه بعضنا يسيرا ألا وهو السعي للغنائم في أحد وفراق الجبل الذي يعد مركز تجمع استراتيجي حيث قال الرماة (أدركوا الناس ونبي الله لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم ) وقال بعضهم ( لا نبرح حتى يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم ) فنزلت الآية . 
وفي سياق هذا المعنى ندرك أن حب الدنيا قد يتسلل إلى قلوب الدعاة والمصلحين وربما خفي عليهم أو اقنعوا أنفسهم بصحة مسيرهم رغم غبش الدنيا وتلطيخها لمسيرتهم الدعوية ،مما يستوجب تصحيحاً فورياً لا يحابي أحدا ، كما جاء الوحي لتصحيح خطأ زمرة من أفضل وأطهر جيل رضي الله عنهم .
وفي واقعنا المعاصر نجد شيئاً من سباق محموم على الدنيا، وتسويق ظاهر لبيع الوهم، غلفه بعضهم بغلاف التدين، وكساه بديباجة الصلاح، وما علم أن هذا الكساء من عمل الشيطان ومن شجرة الخلد المزعومة التي تخرج أكلها من سياق المسيرة الصحيحة إلى تخبطات الطريق. 
إننا بحاجه إلى مصارحة تقطع المجاملة لنؤكد انه في أوساط الدعاة من يبيع الوهم بأبخس ثمن، وان تجاره الوهم بدت رائجة مع الفضائيات المختلفة، وهذا بيان بعض هذه السلع المغشوشة التي ليس لها وزاره تجاره تمنعها غير وزارة الضمائر الحية. 
 
أولا: في أوساط الدعاة من أمتهن الرقية الشرعية وليس في هذا محظور، لكن ممارسات بعضهم هي التي أضحت تشكل خطراً على المجتمع وتقلق أهل الغيرة، لأنها تتاجر بالدين وتسوق لنفسها باسمه، حيث طغت على بعضهم ممارسات خطيرة من كذب ودجل وسحر ومحرمات باسم الرقية الشرعية . 
تطاول بعضهم على محارم المسلمين واستهان بالخلوة مع المرأة، بل الأدهى ما سمعناه من قضية القبض  على بعض الدجالين باسم الرقية وهم يمارسون المنكرات الخطيرة . 
أليس أمر الرقية يعتبر عندنا سياجاً ممنوعاً لا يجوز لأحد الكلام عنه، وإلا تراشقته التهم في التشكيك بالنصوص  والقفز على الثوابت وغيرها من اسطوانات التخويف التي يرددها المستفيدون من بيع الوهم حتى لا تقف النفوس  الصادقة في وجوههم ؟ 
إلى متى ونحن نغض الطرف عنهم ونسكت عن ممارساتهم، حتى ظهرت عندنا عبوات الماء المغلقة وبأسعار خيالية، بعضها قراءة مركزة وبعضها تمت آخر الليل مع قيام الليل، وثالثة كانت في الحرم مع صيام ؟! ما هذا الاستخفاف بعقولنا ؟! 
الم يخرج أقوام يدعون وصف العائن أثناء القراءة، وانه طويل أبيض , لحيته خفيفة له كذا وكذا ؟
 يا سبحان الله! أي عقل يسمح لهم بهذا التجاوز الخطير ؟! 
ثانياً : من بيع الوهم تلك السوق الرائجة لمعبري الرؤى الذين تسابقوا على الفضائيات، وصاروا أكثر من المفتين في أمور الشرع ومسائله، فتسنموا مقاعد التأويل ومجالسه بالجزم اليقيني ليوزعوا السحر والعين والمس على مجتمعنا، فليس ثمة رؤيا إلا وهي بوادر مس، أو علامات سحر، أو دلائل عين ... ألم تقع الخادمات المسكينات أسيرات هذه الرؤى التي تنطلق عبر الفضائيات ؟ فمن يقبل بهذا العبث ؟
الأطرف من هذا وشر البلية ما يضحك ؛ أن أحدهم يسأل المرأة المتصلة عن أوصافها كأنها في الرؤيا ظاهرة حتى يتضح له جمالها فيقدم على خطبتها ، ليصير زواجه : عبر الرؤى والأحلام !! 
لابد أن نعترف بغياب الجهات الرسمية غياباً تاماً م بل لا نعرف جهة مسئولة أصلا لإيقاف هذا البيع الموهوم لذا فلا بد أن نبادر نحن بوعي المقاطعة عسى أن نفلح ؟! 
ثالثاً: كثره القصص الغريبة في أشرطة الوعظ والتذكير ومحاضراته ، وهذه الظاهرة ليست جديدة ، فقد مرت عبر التاريخ منذ عهد التابعين ومن بعدهم ، بل إن الإمام أبن الجوزي ألف كتابه الشهير ( القصاص والمذكرين) للحديث عنهم ، وبخاصة عن غرائب القصص والخرافات التي يسوقونها في وعظهم بقصد استمالة قلوب الناس وتذكيرهم وتخويفهم . 
هنا القصد حسن والمطلب طيب، لكن الوسيلة محرمة ممنوعة فكيف يقدم الداعية على اختلاق الكذب ونسج القصص والخرافات من أجل وعظ الناس وتذكيرهم ، والله تعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو أصدق الدعاة والوعاظ ( لقد كان في قصصهم عبره لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمه لقوم يؤمنون ) (يوسف: ١١١) 
هذه الظاهرة الخطيرة عادت قوتها في عصرنا مع ظهور الأشرطة المسموعة لهؤلاء الوعاظ ، ثم لما خبا ضوء الشريط انتقلوا إلى الفضائيات المرئية بجمهورها الأكثر ، وبدءوا في ترويج قصصهم وأكاذيبهم ولولا خوف الملامة والإشارة لذكرت من القصص التي رصدتها في هذا الباب الشيء الكثير مما سمعته بنفسي في إحدى الفضائيات الغريبة!!! 
ويستمر بيع الوهم في مسائل عديدة في مجتمعنا ،لكن هذه الأمور السالفة هي الأكثر والأخطر وهي التي تستدعي منا وقفة جادة لمنع انتشارها أكثر وإيقاف أصحابها عند حدهم  حتى لا تكون فتنة وتنساق الدعوة إلى حضيض الدنيا الرخيص وبيع الوهم باسم الدين .

د فهد بن عبد العزيز السنيدي