ترابٌ لا أُبَدلُه بِتِبر
بواسطة aalsarkhy في 29 يوليو 2016
في زيارة عمل لجامعة أوتاوا الكندية، أراد المُنظّمون أن يكرمونا بجولة سياحية لرؤية معالم المدينة التاريخية، بدأ المرشد السياحي في الكلام بفخر عن عمر تلك القلعة الذي يرجع ل 100 سنة، وذلك الجسر الذي يعود انشاؤه لأيام الحرب العالمية الثانية، وذلك التمثال الذي نُحت قبل 150 سنة.. توقف قليلاً وهو ينظر إلينا ثم قال: أنا أعرف أنكم قادمون من بلدٍ يحمل تاريخاً يعود لآلاف السنين، وقد تكون المئة أو المئتي سنة التي أتحدث عنها لا تُشكّل شيئاً أمام تاريخكم العريق، ولكنه تراث وطني فاسمحوا لي بأن أفخر به!
تذكرت هذه القصة وأنا أجول في ردهات الجنادرية، وعبق الماضي يُعطّر أنفي، ويثير الكثير من الأحاسيس الجميلة داخلي، تخيلت آلاف السنين التي مرت على هذه الأرض، تخيلت الملايين من البشر الذين مّروا على أديمها، بكل آمالهم وآلامهم، تخيلتهم بكل نقطة عَرَقٍ سقطت، وبكل نقطة دمٍ نزفت، لتسقط على هذه الأرض المباركة، فتمتصها بلهفٍ وشوقٍ، لترتوي منها وتكبر، تخيلت أمانيهم وأحلامهم التي حققها بعضهم، وعجز عن تحقيقها البعض الآخر.
عرفت الكثيرين من الناس من شرق المعمورة وغربها، ممن يتمنى زيارة هذه البلاد المباركة بالنسبة للبعض، والمجهولة والساحرة بالنسبة للبعض الآخر، كثيرٌ منهم حدثني عن رغبته في السفر لهذه البلاد والتعرف على إنسانها الحقيقي، لا ذلك الإنسان المختلف الذي تقدمه الآلة الإعلامية الغربية بصورةٍ مشوهةٍ وقاصرة.
كثيراً ما تأتي الوفود المختلفة من مشارق الأرض ومغاربها في زيارات عملٍ لبلادنا، وكثيرٌ من هؤلاء يريد استكشافنا عن قرب، يخطئ بعضنا كثيراً عندما يُركّز على عرض الجانب الحضاري المادي لهم فحسب، مُركّزاً على ناطحات السحاب والبنايات الفخمة، وما علم بأن لدى بعضهم مباني أكبر منها وأكثر، فلا هذه البنيات الفخمة مثلتنا، ولا هي أدهشتهم!
نعم لدينا قوة اقتصادية عظيمة تجعلنا ضمن أقوى اقتصاديات العالم، ولدينا ثقلٌ سياسي محترم، ولكن ذلك الإنسان البسيط الذي يزورنا لا يدهشه كل ذلك بقدر ما يدهشه ذلك الإرث الإنساني العميق لدينا والممتد لآلاف السنين، وذلك التنوع العرقي والثقافي الذي تحمله هذه البلاد.
لقد قامت هذه الأرض على إرثٍ تاريخي فخم من عصور العرب الأولى، ولكنه ازداد فخامةً وثراء بلا شك بعد انطلاق رسالة الإسلام من الأرض المباركة فيها، فهاجر إليها ملايين البشر خلال آلاف السنين، هاجروا إليها بأرواحهم قبل أجسادهم، من كل بقاع المعمورة، هاجروا إليها بكل ثقافاتهم المتعددة، وعاداتهم المختلفة، التي ما لبثت مع الزمن أن اندمجت في بوتقةٍ واحدةٍ، قد لا نجد لها شبيهاً في بقية أقطار العالم العربي، فيها من التكامل - ولا أقول التشابه - كنزٌ كبيرٌ يجب المحافظة عليه، وإثراؤه، وتقديمه للعالم بفخر، وهو ما تقوم به الجنادرية بكل فخامةٍ وجدارة.
ولكن قبل أن ننطلق في رحلتنا نحو تعريف ثقافتنا للآخر، دعونا نعرفها نحن أكثر، دعونا ننشئ الأجيال القادمة على معرفة بعضنا البعض، دعوهم ينفتحوا على الداخل بكل تنوعه وألَقِه، دعوهم يخرجوا خارج الحدود الضيقة للقبيلة والمدينة والمنطقة، دعوا الأجيال القادمة تفخربكل شبرٍ من هذا الوطن، وتُقدّر مجهود كل إنسانٍ ساهم في بنائه.
حقاً سلمت وطني.. تراباً لا أُبدلُه بِتِبر.
نشرت في جريدة الرياض الثلاثاء 7 جمادى الأولى 1437 هـ - 16 فبراير 2016م - العدد 17403
http://www.alriyadh.com/1129035
