مقصلة الحالم

 

"جنحة عاطفية أن نلوذ بآخر حتى ننسى وجع الحب. جنحة عاطفية يجب أن تدرج في دساتير المحاكم الشرعية حتى يتسنى لرجل أن يقاضي امرأة بتهمة استخدامه للنسيان، وتقاضي امرأة رجلاً على كل هذا الوجع".

الروائي جلال برجس

إذا كان ليس لك من عمل سوى أن تتألم وتعاني وتتحمل وتتأمل، فأنت لن تستطيع الصمود عندما تقرأ رواية "مقصلة الحالم" للروائي والشاعر الأردني جلال برجس الفائز بجائزة رفقة دودين للإبداع السردي 2014م.

ومثل كل الروائيين نجده مفتوناً بالعملية الإبداعية ولحظات الكتابة، فالرواية عميقة الجذور، ولا أحد يقرأ لبرجس بغير أن يؤخذ بالاهتمام الفائق الذي تعطيه روايته للمخيّلة الإبداعية، فشخوصها الرئيسيون يفعّلون حواسهم فيما وراء المنطق العقلي، كما أن الأسلوب السردي يحتفي بالدوافع العاطفية التي تنظم الأبعاد المتناقضة في كُلّ متّسق. حيث يرصُد المؤلف حالات التخلق الذهني لبطل روايته "خالد" الذي يعيش مواجهة كبرى بينه وبين ماضيه وأفكاره، وتتحرك الرواية أماماً وخلفاً ما بين حائطين من الخيال والواقع، وترصد الرواية كل المشاعر والكلمات والإيماءات التي يأتي بها البطل خالد، ومن ثم ترسم ذهنياً حياة متخيلة من خلال التناقض العاطفي والنفسي.

ومثلما فعل بودلير في قصيدة "النوافذ" حين اعتمد الخيال كحيلة ذهنية من أجل انتزاع الأمن من الحياة وخلق شيء من الثقة بالنفس، أكدّ برجس في تلك الرواية على حتمية انتصار روح الحلم داخل الإنسان على روح القنوط التي تصيبه، وبعين العليم غير المتورط استحضر الكاتب الشعر، فتداعت جميع العواصف واهتزت وربت أرض الحب، هنا يؤمن بطل الرواية خالد أن " الحب الذي لا يمنحك صدراً يطرد منك غربان الأسى، كالأغنيات الخفيفة تموت قبالة آهة واحدة في أغنيات الزمن الجميل"؛ حيث تجمع الرواية ما بين مشاعر الانكسار، والهروب من الذات متمثلة بخالد الذي مازال يعيش القنوط حتى بعد خروجه من المعتقل والذي قضى به قرابة عشرين عاماً، عصرت زهرة شبابه وفصلته عن الواقع، وعندما خرج من المعتقل لم يجد فضاء يحتويه بل عاش ازدواجية ما بين الماضي والحاضر المختلف والغريب عنه، الأكيد أنه لم يستطع أن يمسح من عقله أسى الماضي، ولكنه يحاول معرفة ما هي تهمته وما السبب في اعتقاله بصور شتى، حيث حضر الذئب كرمز للألم، والخيانة، والبوح، والغدر، وربما العودة للحياة.

الواقع أنني بعد انتهائي من قراءة الرواية أردت العثور على كلمة لأعبر عن دهشتي بها، فبعض الكلمات تكون وحيدة وتعبر عن الشيء الكثير مما نريد أن نقول، ولكني أؤكد أن هذه الرواية باختصار قصة مغروسة في أرض الواقع المتشظي الذي نعيشه، وقد أظهرت شاعرية الروائي جلال برجس بقوة، فكل كلمة كتبها في الرواية كانت تموسق وتلطّف مرارة الواقع بانتقائية متفردة.

يقول برجس في روايته: "الصدفة في الحب اكتشاف للجاذبية من بُعد جديد. كأن يرتطم نجمٌ بقلب فيُضاء الجبين لنعرف معنى آخر للنهار. حينها سنعاتب حاستنا السادسة التي كانت قد أخفت بطيبة، ما سيحدث لنا من ابتهاجات ومسرات كثيرة".