هذه رسالة من مصر محملة بشذى النيل، وبعبير أزهار أرض الكنانة، ومفعمة بعبق الحب لهذا الدين العظيم، كتبت حروفها فاضلات صالحات، وفتيات عفيفات، التزمن الحجاب فكان لهن شعارا، وهجرن الهوى فكان لهن وسامًا.
هي رسالة منشورة عبر الحي والشارع وفي الجامعة والجامع، ترى تداعيات المشهد فلا تمسك نفسك عن الإعجاب والسؤال، إعجاب بقوة الإيمان التي تستعصي على الكيد، وتتجاوز المكر، وتثبت أمام العواصف، رغبة فيما عند الله، وإعراضا عما يزخرف به المرجفون، ويمنّي به الكاذبون. وسؤال عن سبب الإقبال مع تواصل المكر الكبَّار وتآزر دعاته.
هي رسالة من فتيات أرض الكنانة - أرض ترعرعت فيها هاجر عليها السلام- إلى أخواتهن في مهبط الوحي وبلد الرسالة، التي تكالب عليهن الأعداء لنزع حجابهن؛ إغراءً بالحرية المزعومة التي جربتها بنات الكنانة، واكتوين بنارها، وهجرنها إلى غير رجعة.
أما محتويات هذه الرسالة فهي مظاهر براقة وشعائر معظمة ظاهرة تلفت نظرك عودة لافتة للحجاب وحرص من الشباب على الصلاة جماعة، وتمسك بالسمت والهدي النبوي الظاهر، الذي ينبئ عن إيمان واستسلام في الداخل – نحسبه كذلك والله حسيبهم، ولا نزكي على الله أحدًا.
ولمزيد من بسط محتويات هذه الرسالة فقد لفت نظري أنا ومجموعة من الزملاء حيث شاركنا في مؤتمر في جامعة القاهرة في الفترة 20-21/3/1427 هـ لفت نظرنا بروز ظاهرة الحجاب بين طالبات الجامعة بشكل جعلني أسأل أحد الأساتذة المرافقين: هل الحجاب إلزاميًّا على الطالبات؟ - نظرًا لكثرة المتحجبات - فقال: بل هو غير مُرحَّب به!!
وهذا الحجاب مُتبايِن بسبب اختلافات المفتين، فبينما ترى حجابا سابغا لا ترى من صاحبته إلا سوادا يذكرك بلبس نساء الصحابة كما ذكرت ذلك أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59] خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية.كما روى ذلك أبو داود في سننه. وإن كان يشوب هذا الحجاب من بعضهن لبس ملابس ضيقة وعدم لبس ما يواري تقاطيع الجسد ويكف عين المتلهف، ويمنع مريض القلب من التطلع.
وقد يسأل متسائل: لماذا هذه الملابس الضيقة مع الحجاب؟
فأقول: إن هذه الطالبة التي لبست ذلك قد أوردها هذا المورد ولبّس عليها طالب علم متساهل، ولا شك أنها لو علمت أن هذا خلاف الحق لرغبت عنه، ولطلبت الحق والهدى في مظانه عند العلماء الراسخين وفي بطون كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، ولعلمت أيضًا أن هذه الملابس الضيقة لا يتحقق بها الحجاب ولا تبرأ بها الذمة، بل هي ملابس نشاز مخالفة للفطرة وللشرع الحنيف؛ ولكنها ظنت أن هذا غاية ما يجب عليها، ولا شك أن الإثم الكبير من هذا على من أفتاها به.
وكأني أقرأ في عيون القراء سؤالا مفاده: لماذا ترسل هذه الرسالة من مصر إلى مهبط الوحي؟!
فأقول: كنا ولا زلنا بل ولا زال العالم الإسلامي ينظر إلى المرأة السعودية نظرة إجلال وإكبار؛ لما تيسر لها من فرص عظيمة ساعدتها بعد الله على الثبات على هذا الدين.
ومن ذلك: توفر التعليم غير المختلط، وشيوع الحجاب الشرعي السابغ الساتر، وبعد الرجال عن النساء في أماكن العمل والأسواق، وقمع للمفسدين ومحبي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا إلى غير ذلك مما قد لا يستوعبه المقام...
إلا أننا بدأنا نلحظ مكرا شديدا واستهدافا عظيما للمرأة السعودية من قبل أعدائها وقد انخدع بهذا الكيد واستجاب له فئة قليلة من بناتنا؛ ظنا منهن أن السبيل إلى التقدم والريادة والسعادة يبدأ من نزع الحجاب.
فهذه الرسالة تخاطب حفيدات خديجة وعائشة قائلة: لا تبدئي من حيث بدأ الأخريات (نزع الحجاب) بل من حيث انتهين وأدركن أن التخلي عن الحجاب هو الخطوة الأولى للتخلي عن الدين.
ولئلا يعرض للنفس وهم مفاده لماذا التركيز على الحجاب والفرح به؟
فيقال: لذلك أسباب كثيرة منها:
- أنه استجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59].
- أن الحجاب يمنع مريض القلب من إيذاء المرأة المسلمة فلا يطمع فيها لعلمه أنها ليست محلا للهوى ولا عرضة للعبث، وسامية فوق كل شك وشبهة، ألا ترى قولا تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} فمن ذا الذي يجرؤ على التطلع إلى عفيفة متحجبة فضلا عن أن يؤذيها؟
- أنه شعيرة من شعائر الله، والله يحب أن يرى شعائره ظاهرة معظمة، ويحب من المؤمنين أن يظهروها ويعظموها. إلى غير ذلك من الأسباب.
وهذه العودة في مصر إلى الحجاب هي عودة إلى الفطرة التي قال الله عنها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، حقًّا؛ ولكن أكثرهم لا يعلمون، فمهما مكروا وخططوا ستعود الأمة إلى ربها ودينها.
وهي عبرة وموعظة لكل داعية ومصلح وإلى كل راعية وداعية في بيتها ومحيطها تحثها وتطمئنها إلى أن السعي لم يذهب سدى، ولم يضع هباءً، بل الدعوة إلى الحق ماضية، ولكن قد تتأخر الثمرة، ولكنها قادمة ولا شك ومثمرة بحق، وقائمة على سوقها بقوة.
وهي برهان لكل مسلمة ترجو الله والدار الآخرة أنما كان يغريها به أدعياء الحرية ودعاة الضلال إنما هو برق خلّب، ووعد كاذب، وسراب بقيعة.وهي حسرة؛ في حلق كل داعية ضلال ومحب لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا أن مصير دعوته إلى زوال، وأن الأمة لا بد أن تعود إلى رسالتها ودينها وكتاب ربها. ذلك أن مصر حرسها الله من أكثر الدول الإسلامية تعرضا للكيد الفاجر (إعلاما وفنا) ومع ذلك لا تزيدها الأيام إلا رجوعا إلى الدين، وثباتا عليه.
وهي عبرة؛ فهذه الدعوة إلى تحرر المرأة وهجرها لدينها لا شك أنها أثم عظيم وجرم كبير يحمل وزره من دعا إليه ونشره وزيّنه في عيون المخدوعين. وهذه الأوبة الصادقة والعودة الجادة إلى الدين والعفاف فاز ببرها وأجرها كل من دعا إليها وزينها في قلوب أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم.
وهي رسالةٌ إلى العلماء الناصحين: أن اثبتوا على ما أنتم عليه من بيان للحق وصدع به، ودعوة إلى السنة… فهذه بعض ثمار دعوتكم، ولا يغرنكم إرجاف المرجفين.
وهي دعوةٌ إلى طلبة العلم المتساهلين الذين يهدفون إلى تخفيف بعض الأحكام الشرعية رغبةً في تقبُّل الناس لها والتزامهم بها؛ ظنًّا أن الناس لا يتحمَّلون أعباءَ الشرع.
وفي هذا الواقع المشاهد أكبر دليل على أن الناس يريدون حقيقة مراد الله ومراد رسوله - صلى الله عليه وسلم، ولا يريدون تقديم التنازلات على حساب شرعهم وملتهم باسم التيسير والتوسعة على الخلق.
وفي هذه العودة الصادقة أيضًا ما يكذب هذا الظن فحريٌّ بطلابِ العلم أن يبينوا شرع الله كما أراده دون تمييع أو تهذيب أو تشذيب؛ فالأمة تريد الحق، والناس يرغبون في تطبيق السنة... فقد ملُّوا الزيفَ والضياع، وقد سئِموا أنصافَ الحلول التي لا تحقق هدى ولا توصل إلى بر الأمان.