صاحب الإنسان العربي البعير منذ القدم فهو رفيقه في سفره، وأنيسه في وحدته، وربما ادعى أنه يشاركه حبه وغرامه وهيامه - وهو دابة عجماء لا يحسن هذه الحماقات - فقال موضحا هذه المشاركة الوجدانية:
| وأحبها وتحبني وتحب ناقتها بعيري |
ونظم فيه شعره، واعتنى بسلالته، وتنافس العرب في التكاثر منه، وحمايته مما يحمون منه أبناءهم وأموالهم، وطارت في الآفاق كلمة عبد المطلب: أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه. وللمكانة العظيمة له في قلوبهم ورد ذكره – مع غيره من الأنعام – في القرآن الكريم تارة يلفت أنظارهم لعظم خلقه، قال تعالى: {أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17].
وتارة يذكرهم بعظيم نعمه عليهم بها، فقال جل ثناؤه: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 5- 7].
وكان الجمل نعم المعين للصدر الأول من هذه الأمة مشاركا في فتوحهم، وناقلا لمتاعهم، وحاملا لأوعية المعرفة لهم، فكثيرا ما كنا نقرأ وكانت كتبه حمل كذا وكذا بعير، وكان يأخذ معه من كتبه حمل ثلاثة بعارين من الكتب...
ثم غدا في هذه السنوات الأخيرة مجالا للتفاخر والسباق، هذا ما يتعلق ببعيرنا! فما العلاقة بطائرتهم!! وهي في ذهن الإنسان وسيلة نقل وحرب وتدمير وتجسس.
وكأني بالقارئ ضجر من هذه العلاقة التي لا يفصح عنها الكاتب، فما هي؟ أهي السرعة، أم عنصر النقل؟ أم عنصر الصبر وطول التحمل على طول الطريق أم أم أم ...
إن العلاقة بين بعيرنا وطائرتهم أعمق وأظرف، وأوقع في النكاية في النفس وأوجع.
ولن أطيل؛ فقد تناقلت وكالات الأنباء قبل أيام معدودة خبرًا طريفًا مُفادُهُ: أن القائمين على سباق الإبل (الهجن) في دولة الإمارات قد تواصلوا مع شركات التقنية أن تنتج لهم إنسانا آليا يقوم بدور الطفل الذي يقود البعير أثناء السباق، وقد زود هذا الإنسان الآلي بذراع يتمكَّن من خلالها من ضرب البعير بالسوط وحفزه للسبق.
وفعلاً تم السباق، وشدت هذه الوسائط التقنية على ظهور الإبل، وتابعها أربابها على سياراتهم يتحكمون بالإنسان الآلي من خلال الريموت.... إلى آخر ذلك المشهد، المضحك والمبكي في آن واحد.
إذًا؛ الخلاصة أنه تم السباق وجرى البعير وسبق أقرانه بغير قائدٍ بشريٍّ، وفرح ملاكه بهذا السبق خاصة وأنه أسهم في حل مشكلة قائمة ألا وهي استخدام الأطفال لهذا الغرض، وكم قد سمعنا تهمًا تُروَّج حول سرقة الأطفال من بعض الأقطار وبيعها لملاك الإبل للقيام بهذا الغرض.
أما طائراتهم فقد حلَّقَت عشرات المرات فوق بلاد إسلامية بغير طيار، واستطاعت أن تُحقِّق مُراد مُلاَّكها من حيث التصوير والتجسس، ولعل آخرها ما قامت به هذه الطائرة من قصف قرية باكستانية وقتل مجموعة من المواطنين، دون الخوض في: لماذا قصفوا؟ المهم: أن هذه الطائرة حلَّقَت فوق رؤوس المسلمين بغير طيار، وحقَّقَت مُرادَ أهلها.
لعلها الآن ظهرت فداحة المقارنة ولماذا كان المشهد مبكيًا!؟؟
أفتكون أمانيهم أن تحلق الطائرات بغير طيار؟! وتكون أماني البعض منا أن يجري البعير بغير قائد؟!
ياللفاجعة، كم أنفقنا من المال لهذا ومن التفكير ومن ومن ومن ...ثم ماذا كسبنا؟
فهل بين التفكيرين كما بين البعير والطائرة؟ وهل بين الأمتين من السعي لتحقيق المآرب كما بين السرعتين؟!
إن هذا المنتج وهذا السبق المضحك يرسخ تلك الصورة النمطية عنا في ذهن الغربي وهي أن الرجل العربي المسلم = (رجل وبعير ونفط) ويمهد لمزيد من الاستهانة بنا والاستلاب لثرواتنا والتعدي على حقوقنا ما دامت هذه تطلعات فريق منا؟!
أفي هذا الزمن الذي تُدرس أفضل السيناريوهات لتمزيق البقية الباقية من دولنا وتعد العدة لاستكمال المنظومة الغربية لتحقيق التطلعات التي تفصح عنها العبارات والمقابلات من خلال تهديد المحافظين الجدد ومن خلال آمال الأصولية الإنجيلية – أفي هذا الظرف يأتي هذا السبق ؟ فآه مما يراد بنا ونحن في غفلة عنه، ولكن لا نقول إلا: اللهم لا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين.
أفي هذا الزمن الذي يُتطاول فيه على الإسلام وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تكون منتجاتنا التي نبزّ بها الآخرين لهذا الغرض الدنيء.
إن العمل الذي نرجوه لا بد أن يتحقق فيه أمران كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين النية والحركة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ((أصدق الأسماء حارث وهمام))، فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية، لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها: أن يراد الله بذلك العمل، والعمل المحمود الصالح وهو المأمور به.
ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: ((اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا)) . وإذا كان هذا حد كل عمل صالح؛ فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يكون هكذا في حق نفسه، ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه، وكما قال عمر بن عبد العزيز: ((من عبدَ الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح)).
وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: "العلم أمام العمل والعمل تابعه"، وهذا ظاهرٌ؛ فان القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعًا للهوى، وهذا هو الفرقُ بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما" [1] .
إننا نعاني من خلل في التفكير، أوقعنا في ضبابية الرؤية فأصبحنا لا نرى غاياتنا بل أصبحنا – إلا ما رحم الله – نتشاغل بالوسائل عن الغايات، ونعلل النفس باللهو عن الجد، ونتناسى التحديات ونطمح أن نقيم مدنا ترفيهية، بينما تتعدد مراكز البحث لدى من يستهدفنا صباح مساء.
إن العلاج الأمثل لنهوض أمتنا هي أن يستشعر الجميع الولاء لهذا الدين، وإن خير من يستنهض هذا الولاء قادة الأمة السياسيون والشرعيون والتربويون والاقتصاديون والإعلاميون. ولتلق نظرة على الانفتاح الإعلامي المعاصر( قنوات، مجلات، انترنت) وكم سُخر من ذلك لخدمة مصالح الأمة وتحقيق مقاصد دينها.
كم من هذه القنوات التي يملكها مسلمون حققت ذلك؟ بل هل سلِم المسلمون من هدمها لقيمنا؟
ولتلق نظرة أخرى على تطلعات أرباب الأموال فما مشاريعهم وما هي وصايا وأوقاف الصالحين منهم، من منهم أوقف على بناء مراكز إعلامية أو بحثية، إننا بحاجة إلى رسم استراتيجيات طويلة المدى لما نريد تحقيقه، فهل نفكر في ذلك؟ أرجو.