للتمييز العنصري دركات كما للجحيم دركات، وأسفل دركات التمييز العنصري هي المرحلة التي يصل فيها العنصري إلى مسخ الضحية إلى (شيء) يختزل فيه من إنسان كامل متعدد الجوانب ، إلى جانب واحد (عضوي أو نفسي أو وظيفي) بحسب المرتبة التي يتفضل بها العنصري على الضحية بتعريفه..
في يوم من الأيام اختزل السود بسبب لون بشرتهم (السبب العضوي) إلى مسمى العبيد ، حيث كان يعبر عنهم ويتحدث باسمهم في الخطابات العنصرية القديمة كأشياء أكثر منهم كائنات حية، وفي أحسن الأحوال، كان يعبّر عنهم كبشر أقرب إلى عالم الحيوان منهم إلى عالم الإنسان المتحضر
لأجل هذه العنصرية في الفكرة، أصبحت هناك عنصرية في الفعل، فظهر الاستعباد وبيع البشر، وشرعن اختطاف قبائل بأكملها لتباع وتشترى وتخدم في المستعمرات، وبالتأكيد انعكست عنصرية الفكرة في القانون، فنظر إلى قضايا حادثة مثل الزواج المختلط من منظور الفكرة العنصرية ذاتها..وقد عرض الفيلم الوثائقي (بريطانيا المختلطة) الذي أنتجته وعرضته البي بي سي في سبتمبر من العام الماضي صورا تعبّر عن نمط العقل الجمعي الذي سيطر على ثقافة عصر الاستعمار ومابعد الاستعمار.
صندوق الأشياء التعيسة:
وقد يتساءل منا عن السبب الذي لأجله ينسى العنصريون أن من أمامهم هم (إنسان) وليسوا (أشياء)..فتكون الإجابة هي أن تكرار الصورة المنمطة ، والفكرة المغلوطة عن المميز ضده، ترسخ في النفس فكرة شيئية الآخر، في الوقت الذي تتعاظم فيه هيمنة المركز (الأنا) لدرجة ادعاء الألوهية بشكل أو بآخر..
كما إن اعتياد الحياة- والتفكير داخل صندوق محدد الأفكار والألوان والثقافة، تجعل من الصعب جدا تقبل الآخر الذي يأتي مختلفا محملا بكل العناصر الصادمة للوعي المسبق وللخلفية الثقافية المعروفة المألوفة، فيبدأ التصنيف، والمحاولات العسرة واليائسة لمعرفة الآخر وإقصائه، ومن ثم ينتهي الأمر بتشييء الآخر وحبسه داخل صندوق دمى كبير لا يحق له فيه التمتع بامتيازات السيد، ويخرج من هذا الصندوق باشتراطات معينة عندما تتم الحاجة إليه. تماما كما نفعل بالأشياء، كان السادة يفعلون بالعبيد، وطالما فعل الذكوريون بالمرأة .. يخرجان من الصندوق وقت الحاجة، وثم يعادان إليه عند الانتهاء منه..
إنها جهالة الأنا، بمحتويات الآخر، جهالة العنصري، بما يحتويه عقل الضحية، ولطالما كانت الجهالة أساس كل خطيئة، ومصدر كل شر..
عينان لا تريان إلا القشرة:
الفكرة العنصرية تقوم في أصلها على مشكلة في التعريف-المعرفة، حيث ركّبت عينا الإنسان لينظر نظرة واحدة لا يمكنها أن تجتاز ما هو ظاهري..وجعلت هذه العينان السبيل الأول إلى المعرفة …ومن ثم كان دورهما كبيرا في إثراء المعرفة…ولكن دور العين المجردة طالما كان خادعا، خصوصا عندما يرتبك العقل ذو المعارف المسبقة أمام الاختلاف والأشياء غير المألوفة..
إن التشييء والاختزال هما حالة من المعرفة، وحالة من الجهالة في آن واحد..
فعندما تعرف عن الأسود لون بشرته، أو عن المرأة جنسها، أو عن المسلم (فكرته في الجهاد) أو عن البنقالي …أو عن أي أقلية مضطهدة حول العالم، فأنت تنظر لمسرح كامل من ثقب باب، وترى ما هو قطرة من بحر على أنه كل من كل، ثم لا تتورع فيما بعد عن أن تبني على هذه الجهالة (عالما) و (مجتمعا) وأطروحات ونظريات وردود ومناكفات وغيرها ..
لا ينجو أحدنا من التمييز بأي حال من الأحوال، فكلنا في واقع الأمر عنصريون بدرجة ما، لكن الفارق هو أننا نمارس العنصرية بنسب متفاوتة، أو بطرق خفية قد لا تظهر لنا ونحن نمارسها..
النازيون وقد تحولوا إلى أشياء!
وقد مارس النازيون يوما ما عنصرية مادوية بغيضة ضد المسنين والمعاقين لا تختلف عما عاناه اليهود من الأجناس التي أعتبرت (أدنى) وأقل حقا في العيش والتمتع بامتيازات الجنس المتفوق..
فضربت النازية أبشع صورة في التاريخ الحديث لتشييء الإنسان ، فظهرت لغة عنصرية ذات منطق عنصري دينها وعقيدتها مقارنة الإنسان بالأشياء، في انتكاس كبير للفطرة البشرية، وتجاهل عظيم لكل موروثات الإنسان وجمالياته أيا يكن اختلاف ثقافته أو معارفه..
وقد أظهر فيلم (شندلر ليست_قائمة شندلر-1993) مشاهد أغلبها كان حقيقيا لما جرى في المعسكرات النازية ضد الأقليات الأقل، ويدور معظمها حول تحول البشر إلى كائنات أقل، ومن ثم إلى أشياء، حتى إن النازي الرمزي في الفيلم –الجنرال آموند غوثيه الذي قام بدوره الممثل البريطاني رالف فينيس_ كان يتساءل عن خادمته اليهودية حين اصطرع داخله الضمير والفطرة في مقابل الفكرة العنصرية البغيضة: هل هذه العينان عينا جرذ؟ هل هذا الجسد هو جسد قرد.. هل هو قادر على الإنتاج أم لا…
وهكذا ولا شعوريا، ورغم إصرار الفلسفة النازية على الإعلاء من شأن الإنسان الآري، إلا أنهم وبشكل لا شعوري امتسخوا هم أنفسهم إلى اشياء، حيث صارت قيمة الإنسان كامنة فيما يمكن أن يعمل ويصنع، فأعليت قيمة الشباب في مقابل التعنصر ضد كبار السن، وأعليت قيمة السلامة الجسدية في مقابل الإعاقة ، ولم يعد أحد غير قادر على العمل مستحقا للعيش والاستهلاك في عالم لا مكان فيه إلا للمتجبرين والمتكبرين والعتاولة..
وتجد أن النازية تتشكل وتظهر على كل ثقافة عنصرية استعلائية ، وتتسلح بأسلحتها المنطقية والحجاجية والمادية، بينما منطقها ومبدءها ومنتهاها فكرة التغلب والاستعلاء…مهما حاول المتحدث تلطيفها وتبهيرها بقبسات إنسانية أو نصوص مقدسة.
وفي بعض النصوص التراثية لكثير من المحسوبين على تراثنا الإسلامي تجد تمجيدا لعقيدة الاستعلاء والغلاب في النصوص التي تبرر التمييز ضد الفئات الأقل (كالمرأة والمملوك مثلا )..
وهنا نفهم أن العنصري يجنح إلى تبرير واقعه والسعادة به وإقناع ضحايا هذا الواقع بأن يكونوا سعداء به، لأن كل شيء في هذه اللوحة العنصرية المشوهة إنما يجري وفقا للمنطق، فالحياة تقتضي أن يعلو بعضنا بعضا وأن يكون أحدنا غالبا والثاني مغلوبا، وأن يحاول أحدهم تغيير هذا الواقع فهو حتما شخص متآمر يريد أن يسرق منا سعادتنا ويغوي عبيدنا ويجريء علينا سفهاءنا ، وهو بالضبط عين ما قاله كفار قريش عن دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم..
من المهم أن نفهم أن أحدا لا يمكنه تغيير واقعه وهو لا يشعر أنه خاطىء ابتداء، ومصيبة الفكر المحافظ هي أنه لا يرى في الجمود والاستاتيكية إشكالا من الأساس، فضلا عن أن تكون عناصر هذه اللوحة الاستاتيكية خاطئة او بحاجة إلى تغيير …
فالذكوري وهو يمارس احتقار الأنثى لا يشعر بأن ما يفعله تمييز في الأساس، بل هو تعامل مع الأنثى وفقا للتعريف الموجود في ذهنه مسبقا، والمستعبد يتعامل مع العبد لا على أنه يتكبر عليه أو يستعلي ، ولكنه يتعامل معه بما يقتضيه التعريف الموجود في ذهنه مسبقا..وربة المنزل تتعامل مع عاملتها المنزلية بنفس الطريقة ليس لأنها لا تخاف الله أو متكبرة في الأصل، ولكن لأن الشغالات ما ينعطون وجه…وهكذا قس..
وحين تتعمق النظرة، وتدلف العين البشرية البسيطة إلى داخل ذلك المظهر المحشور في جلد أسود أو جسد أنثوي أو عينين شرق آسيويتين أو جسد شائخ أو جسد مصاب بالاضطرابات أو الإعاقات، حين تدخل أعمق وأعمق تجد الروح واحدة، والدم واحدا، والخلايا متشابهة.. وتجد شعور الإنسان بالألم والخوف والجوع والفرح والغبطة والأمان والسرور واحدا، بين المميز والمميز عنه..
وهو الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عما يجعل المميز يقول بفعل التميز، وماهو الشيء الكبير الذي لأجله استبيح المميز ضده؟
وسنجد أنها أمور مادية لا أكثر، خارجة عن جهد الإنسان وعمله وشقائه..فالذكورة والجمال والبشرة البيضاء والصحة والعافية والشباب كلها أمور خارجة عن جوهر الإنسان …وكلها أمور تنطفىء … ويمسي التمسك بها شبيها بالتمسك بهيكل عظمي يوشك على الزوال والذوبان..
وتبقى العين البشرية المجردة خادعة …ويرجع البصر دائما ، ولو بعد حين…خاسئا وهو حسير…