((شغل الحريم

إرسال إلى صديق طباعة حفظ
 
الاحد 09 ذو القعدة 1431 الموافق 17 أكتوبر 2010
 
شغل الحريم!
بدرية العبد الرحمن العبيد

 

لفت نظري (ويلفت إلى ما شاء الله) أنه دائماً ما يحال إلى المؤسسات الحكومية ذات الإدارات النسوية بالتشدّد في أمر المصروفات، والفوضى، وقلة الخبرة، وقلة المرونة في التعامل مع الموظفات، بالإضافة إلى إرهاق الموظفات بالمهام؛ بخلاف الإدارات الرجالية التي ترتبط بالحنكة والمرونة والصرف الكريم وشغل المروءات في منح الاستئذانات والإجازات والتوظيف والبدلات وخارجات الدوام، بالإضافة إلى ما يمدح به المدير الرجل من توفير سبل الراحة لموظفيه وتخفيف التكاليف؛ لدرجة الدوام بدون دوام!


يمدح المدير الرجل دائماً وإن أخطأ، وتُنتقد الحرمة وتُساط وإن أصابت. وإن وقع الاثنان في نفس الخطأ فهي منه غلطة شاطر، ومنها (شغل حريم)!

المثير للسخرية هو أن هذه المقارنة تنتشر بلا خجل في البلدان العربية التي يسجل الفساد فيها معدلات فلكية مثيرة للخجل بين بلدان العالم، والتي تحتل جامعاتها وتعليمها المراكز الأخيرة في التصانيف الأكاديمية، وهي نفسها البلدان التي تملك بلا فخر نسبة بطالة تتجاوز الـ 30% من عدد الشباب والشابات الأقل من (35) سنة، كما هي نفسها البلدان التي تضخ إليها ملايين لابأس بها من العمال الأجانب بإقامات شرعية وغير شرعية، وهي -على ذلك الحال المبروك- بلدان تُدار100% بأيدي رجالية، ولم تبلغ الحرمة الخرقاء فيها منصباً أعلى من منصب وزيرة أو وكيلة وزارة.

لا أستغرب أن تسود هذه اللهجة في بيئة لا تنتظر من المرأة أي إنجاز، وحين يوكل إليها العمل -نداً لند مع الرجل- فإنها يتربص بها الدوائر، وينتظر منها الخطأ والزلة وإن لم تفعله. وحين يحصل الخطأ-الذي يحصل من كل إنسان- فإنه يُشار إلى جنسها الموصوم وعقلها المخروم على أنه هو أساس بلائها وقلة إنجازها ودبرتها.

إن هذه القصة الطريفة الخالدة في تاريخ البشرية لهي قصة ثقافية كبيرة، أكبر من حجم نكتة تطلقها موظفة منهكة بائسة، وهي قصة أعظم من حديث عابر يسوقه موظف حكومي بين زملائه ليحمدوا الله على نعمة البطالة المقنّعة.

إنها لقصة تتكرر في كل ظاهرة إمبريالية من قديم الزمان، أعني، في كل مكان يوجد فيه مركز مسيطر مهيمن يملك الميكروفون والصوت والصلاحيات، وأقليات مهمّشة لا تملك الصلاحيات ولا الأصوات ولا الميكروفونات.

الأقليات التي يُنظر إليها من علٍ، وتكسَّرُ أجنحتها بحجاجات عنصرية منتهية الصلاحية.

تذكرني وصمة (الإدارات الحريمية) في بلادي بالسؤال الذي وجهه الأخ (حسين علي) مقدم برنامج (حديث الأمة) على قناة (الإسلام) البريطانية، والذي تساءل فيه - وبغضب بريء- عن السبب الذي يدعو الوسائط الإعلامية العالمية إلى ذكر دين الإسلام حين ينفذ أحد المسلمين هجمة إرهابية في مكان ما، بينما لا تذكر أديان إرهابيين آخرين:

"إننا لنعلم أن ظاهرة الإرهاب في التاريخ لم ترتبط بالمسلمين وحدهم، ولاحتى في

التاريخ الحديث. لقد سمعنا وقرأنا عن الهجمات التي نفذها جهاز الشين فين الإيرلندي في الثمانينيات الميلادية، وعن الهجمات التي نفّذتها عصابات الهاجاناه ضد العرب في فلسطين في منتصف الأربعينيات والخمسينيات، والهجمات التي نفذها هنود متعصبون ضد مسجد بابري، وعملية تيموثي ماكفيه المشهورة في أوكلاهوما، والتي كانت دوافعها انتقامية دينية، ولم نسمع أحداً يشير إلى إرهاب كاثوليكي- إرهاب يهودي- أو حتى إرهاب هندوسي أو بروتستانتي؟ لماذا المسلمون وحدهم هم من يُشار إلى دينهم وكأنه هو الدافع لذلك الهجوم أو ذاك؟".

من منكم يريد أن يجيب عن سؤال حسين علي؟

أنا سأجيب

- الحيطة الهبيطة:

الأقليات العرقية والدينية والجنسية في أغلب الأحيان لا تملك من أمرها شيئاً؛ فهي لا تملك وسيلة النفوذ الأساسية (المال والإعلام) التي تمكنها من تأكيد ذاتها، وتمنحها الفرصة التي يملكها المركز المسيطر.

فمثلاً: في بلاد كان فيها السود يُجبرون على الجلوس في مؤخرات الباصات، ويُمنعون من استخدام مغاسل البيض، كان من الطبيعي والطبيعي جداً أن يصبح سواد البشرة مرادفاً للفشل والأمية والبدائية والهمجية.

وكنتيجة لذلك: لم يكن غريباً أن يكون سواد البشرة أحد عناصر الاشتباه في حالة وقوع جريمة ما؛ لأن السود كانوا في أيام التمييز العنصري -حيطة هبيطة- يلصق بهم ما ليس فيهم، ويُقال عنهم ما لا يملكون تفنيده بسبب ضعف صوتهم وقوة صوت العنصريين.

والحال نفسه في ثقافة تملك صورة متماسكة عنيدة للمرأة رسمها ميراث طويل من الانتقاص والاستلاب. فالمثل (شاوروهن واعصوهن) يجمل حجم الغبن والتقزيم لجنس كامل، ببساطة؛ لأن هذا الجنس هو (حيطة هبيطة) صامتة ومستكنة وغائبة بقوة حضور المركز الذكوري.

ولا يجهلنا أن قصة تنميط المسلمين والثقافة الإسلامية مردّها إلى قوة الوسائط العالمية السائدة المهيمنة، المدارة بأيدي صهيو رأسمالية.

فالمسلمون وثقافتهم ودينهم ما هم إلاّ (آخر) غائب وغير موجود على طاولة الحديث أصلاً، وبالتالي، يمكن الحديث عنه واغتيابه وتصويره بالسوأى في الوسائط المتصهينة دون حرج أو تأثيم؛ لأن المسلمين ببساطة هم الحيطة الهبيطة، التي لا تُرجى ولا تخاف، ولن يسمع صوتها ولو صاحت بالصوت الرفيع.

لأجل ذلك، حين يقع الأسود في الجريمة يُقال: لأنه أسود..

ولا يُقال لأبيض وقع في نفس الجريمة بنفس الملابسات: فعلها لأنه أبيض!

ولأجل ذلك، حين يخطط مسلم لعملية إرهابية يُقال: لأنه مسلم..

ولا يُقال لمسيحي أو يهودي أو هندوسي يخطط لعمل إرهابي لنفس الدوافع: فعلها لأنه مسيحي أو يهودي أو هندوسي!

ولأجل ذلك، حين تقع امرأة في منصب إداري في خطأ ما، يُقال: لأنها امرأة..

ولا يُقال لرجل وقع في نفس الخطأ بنفس الظروف: فعلها لأنه رجل!

قد يسأل سائل: مادامت الصورة العنصرية عن الأقليات غير صحيحة ومجحفة في الغالب، فلماذا تترسخ في العقل الاجتماعي بهذه القوة لدرجة أن تتحول إلى عقيدة؟

عقيدة يصبح بها من يؤمن بحق الأقلية أو من يحاول تفنيد الادّعاءات العنصرية حولها كمن جاء شيئاً فريّاً؟

أنا سأجيب هذه المرة أيضاً

_ التنميط (الستريو تايب) ابن أثيمٌ للتكرار:

يحفل تراثنا المسموع والمروي بقصص وأمثال وأشعار موضوعها الأساسي هو تنميط الأقليات الإثنية والجنسية وجعلها نماذج بشرية ناقصة ومشوّهة، الأصل فيها أن تخطئ، و الاستثناء هو أن تنجح أو تقوم بالشيء الصحيح.

ولعل قصة الرجل الذي أوصاه والده بثلاث: أن لا تخاوي (عبد) أي أسود البشرة، وأن لا تعطي سرك حرمة (امرأة)، وأن لا تنام في الشعيب، أفضل مثال على دور القصة والمثل السائر في تثبيت الصورة الشوهاء حول أقليات محدّدة.

ويأتي الإعلام بوسائطه الجديدة: التلفاز، والمذياع، والجريدة، والفيلم السينمائي، وفيما بعد الإنترنت، والموقع الإخباري، ومقطع اليوتوب، وصفحة الفيسبوك... والخ الخ.

يأتي الإعلام ليساعد على ترسيخ ظاهرة التنميط والإجحاف بحق الأقليات بطريقة أكثر احترافاً.

في التسعينيات مثلاً، ظهرت كومة من الأفلام العنصرية التي نمّطت المسلمين ومسختهم إلى كائنات غبية تحتقر النساء متعطشة للقتل والجنس.

والنتيجة، أنه حين حصلت حادثة تفجير أوكلاهوما في منتصف التسعينيات ظهرت من الغد سيناريوهات مستعجلة تحلل وتفصل في الجماعات الإسلامية التي يُحتمل أنها دبرت للحادث، وظهر على التلفازات محللون هرائيون وحمقى يُلقّبون بـ(خبراء في الجماعات الإسلامية).

ولم يمر وقت طويل حتى ظهر (تيموثي ماكفيه) الجندي الموتور المسؤول عن الحادث ليجعل من (هوليلة) وسائل الإعلام العالمية حول المسلمين ودورهم في الحادث (نكتة الموسم).

ولكن هيهات أن تكون هذه هي المرة الأولى أو الأخيرة التي تغلط فيها وسائل الإعلام بحق المسلمين؛ فالمسلمون ما هم إلاّ إرهابيون حتى إشعار آخر، ومواطنون سيئون ولو نسجوا سجّادات صلاتهم من ألوان العلم الأمريكي، وإن لم يفعلوها في أوكلاهوما فهم قد فعلوها في فيلم (أكاذيب حقيقية)، وفعلوها حين اختطفت منظمة التحرير الفلسطينية طائرة الركاب المدنية الإسرائيلية في الثمانينيات، وسيفعلونها لاحقاً طال الزمان أو قصر.

والأمر نفسه ينطبق على كافة الأقليات المنمّطة، فهي وإن ظلمت أو ألصق بها ما

ليس فيها فهي جديرة بالوصم، ليس فقط لأنها لا تملك المكروفون والصوت، ولكن لأنها لا تملك قوة التغيير الاقتصادي والمجتمعي، ووجودها في المجتمع لا يعدو كونه وجوداً تكميلياً يمكن استبداله بغيره من العناصر الاجتماعية..

-وراس مالها حرمة!

يوجز هذا التعبير العنصري قصة التنميط من رأسها إلى رجليها، فالشخص المتورط في تنميط الأقليات  المستضعفة يقوم بعملية اختزال لهوية الشخص المستضعف أو (الآخر) حسب تعبير إدوارد سعيد.

فسواء كان هذا (الآخر) هو مسلم، أسود، امرأة، عامل، أو شغالة أندونيسية، فهو يُختزل من إنسان كامل يحمل جوانب معقدة من هويته تستحق الاعتبار والاحترام، إلى جانب واحد متضخم وعنيد في الخطاب العنصري المهيمن.

إن هذا الاختزال المجحف لا يغمط (الآخر-المستضعف المظلوم) حقه ويشوّه صورته فحسب، بل يجعل من الشخص العنصري أضحوكة كبيرة متحركة من الجهالة والتمركز الغبي حول الذات.

إن هذا الغمط والبطر يجعلان الإنسان العنصري عاجزاً عن تقدير الآخر وما يمكن أن يفعله من خير أو شر. ودونكم مثال الحادي عشر من سبتمبر، والذي جعله فيلسوف فرنسي مشهور مثالاً على: كيف يمكن للمركز أن يقتل نفسه، وكيف يمكن للطغيان أن تنقلب عليه الطاولة التي يجلس عليها من حيث لا يحتسب، وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون..

إن ما يحصل الآن من صعود صوت الأقليات واستحواذها على الميكروفونات بقوة الإعلام البديل (الإنترنت والقنوات الرقمية المستقلة) جعل من العنصريين نكتة حتى أمام أنفسهم، وجعل الكبرياء والطغيان ولغة الدبابات والطيارات والازدراء التي احتقنت على مر عقود تتحول إلى غباوة لا معنى لها ولا قيمة لها في عصر الكلمة الحرة والحوار الحر.

ولننتظر تاريخاً قادماً مشرقاً لا ترتفع فيه الأصوات العنصرية التي تستقي وجودها من احتقار الآخرين والتفنن في رسم الصور الغامطة عنهم، تاريخاً مشرقاً ترتفع فيه أصوات المساواة والحوار والكلمة الحق التي أرادها الله تعالى للناس جميعاً.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).