اقتصاد الافتراش

لقد منّ الله علي وعائلتي بأداء مناسك حج هذا العام وذلك بصحبة حملة أخيار كان لهم دور واضح في تسهيل أداء جميع من في الحملة مناسكهم بكل سهولة ويسر، جزاهم الله عن الجميع خير الجزاء، كما سعدت بالتعارف على شباب سعودي مثقف ساعدنا في التخفيف من مشاق رحلة الحج، جعل الله الجميع من المقبولين. لقد انبهرت من الخدمات التي تقدمها الدولة لحجاج بيت الله مجانا، وأكثر ما لفت انتباهي همة وتفاني الشباب السعودي من رجال الأمن في كل القطاعات، وذلك بتحملهم المشاق لتأمين سلامة الحجاج بكل أمانة وشرف دون ملل أو كلل ولساعات طويلة، ومع ذلك تجد أن قلوبهم منشرحة ويقدمون الخدمة للكل بكل أريحية وبابتسامة تشعر منها أن عملهم خالص لوجه الله تعالى. ولا شك أن مصدر كل هذا يرجع إلى تدريب مهني راق، يلغي مقولة "إن الشباب السعودي غير ملتزم بعمله وكسول" التي يرددها بعضنا أحيانا بقصد أو غيره. أكثر ما أزعجني في حج هذا العام تنامي ظاهرة الافتراش التي أعتقد والله أعلم أنها تخفي بشكل واضح جهود القائمين على تنظيم الحج، حيث تجد الفوضى سائدة بينهم، ينامون في أي مكان يبيعون في أي مكان، يأكلون ويشربون في أي مكان. لا تستطيع أن تصل إلى مشعر لكثافة الجمع فترى المفترش بالساحات والطرقات ويصبح همك سلامتك الجسمية والصحية، مع الأسف يشكلون مشكلة أمنية وصحية واضحة للعيان. حاولت خلال فترة وجودي في المشاعر تقصي أمر بعضهم ميدانيا، هذا حاج مصري يعمل صيدليا برفقته زوجته وأمه، مشكلته أنه دفع مبلغ 16 ألف جنيه لشركة في مصر لغرض العمرة والحج، وعمل صيدليا في مكة المكرمة ثلاثة أشهر سدد من خلالها ديناً اقترضه للدفع للشركة، ثم لم يجد مندوب الشركة في مكة، ولم يجد حسب قوله وسيلة سوى الافتراش لأداء النسك، وهذا حاج تركي دفع ألفي دولار مع حمله تركية، تبين له أنها باعت كامل العملية لمقاول من الباطن مقابل 500 ريال للحاج ولم توفر السكن لهم، ولم يكن لهم سوى الافتراش، لا أقول إن مشاكل الافتراش تعود كلها إلى الفساد المالي من متعهدي الحج، ولكنه أحدا أهم أسبابها. أخيرا جزى الله ولاة الأمر عظيم الجزاء وجعله في موازين أعمالهم، وأرجو منهم بكل صراحة النظر لاقتصاديات الافتراش، فهي تفاحة فاسدة في صندوق تفاح شهي ونقي. أما آن الأوان لتحديد حد مالي للاستطاعة والالتزام به والله أعلم؟