" سلوان المطاع في عدوان الأتباع"، مخطوطة نادرة، بين القيم الجمالية والقيم الأخلاقية

" سلوان المطاع في عدوان الأتباع"، مخطوطة نادرة، بين القيم الجمالية والقيم الأخلاقية
أ.د/ إمام حنفي سيد عبد الله
• حول المخطوطة
هي إحدى مخطوطات مكتبة الأمير سلمان بجامعة الملك سعود، وتتميز المخطوطة التي بين أيدينا بأنها كتبت في عصر المؤلف 651ه، وهي نسخة جيدة ونفيسة، كتبت بالخط الثلث ومشكلة، كما كتبت العناوين الرئيسية ( السلوانات) بماء الذهب، وكتبت العناوين الفرعية بالمداد الأحمر، عدد أوراقها 100 ورقة.
1- جاءت على غلاف المخطوطة هذه الأبيات:-
إذا أتى المـــــــــــــــوتُ لميقاتهِ فخــــــــــــــــلِّ عن قولِ الأطبــــــاءِ
وإن مضى من أنت صـــــــــــبٌّ به فالصبرُ من فعــــــــــلِ الألباءِ
ما مـــــــــــــــرَّ شيءٌ ببني آدمَ أمـــــــــــــــرُّ مِنْ فَقْـــــــــــــــدِ الأحباءِ
وهي لابن مقلة انظر سير أعلام النبلاء: ( ص229)
2- وكُتب أيضًا:-
إذا ما تعيبُ النّاسَ عَابوا فأكثروا عليك وأبدوا منك ما كنتَ تَسْترُ
فلا تَعِبْنَ خلْقًا بمــــــــــــــــــا فيــــــــــك مثله وكيف يعيبُ العُورَ مَن هو أعورُ
وهذان البيتان لثعلب. انظر تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، في 24/ 195.
3- كما جاء على غلاف المخطوط كذلك:-
أبو بكر بن الدهان تفقه على مذهب أبي حنيفة بعد أنْ كان حنبليًا، ثم شغر منصب تدريس النحو بالمدرسة النظامية، وشرط أنْ لا يفوض إلا إلى شافعي المذهب، فانتقل الوجيه المذكور إلى مذهب الشافعي وتولاه، وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات بن زيد التكريتي:-
من مبلغ عنَّي الوجيه رسالةً ... وإنْ كَانَ لا يُجدي لديه الرســــــائل
تمذهبتً للنعمان بعد ابْن حنبل ... وذلك لمـــــــــــــا أعوزتـــــك المآكــــــــــــــل
وما اخترتَ رأي الشَّافعيَّ ديانةً ... ولكنما تهـــــــــوى الَّذِي هُوَ حاصل
وعمَّا قليلٌ أنت لا شكَّ صائر ... إلى مَالِك فانظـــــــــــــــرْ لما أَنَ قائل
والأبيات وردت في ترجمة المبارك بْن المبارك بْن سَعِيد بْن الدهان أَبُو بَكْر بْن أَبِي طَالِب النحوي الواسطي الضرير ( ت 612ه)، وكان يلقب بالوجيه، والوجيه لقب أَبِي بَكْر هَذَا، وَقَدْ تخرج بِهِ جماعة فِي النحو وكان يَقُولُ الشعر وكان هُذرة. كتبت عَنْهُ أناشيد.
انظر: تاريخ بغداد وذيوله 15/ 333
4- كما جاء تنبيه على غلاف المخطوطة على أنها وقف لله تعإلى، هكذا:-
وقف لله تعالى، هذا الكتاب سند تابع السادات آل أبو الوفا، طالع فيه.. متأملا لمعانيه.. داعيًا لمالكيه بالبقا.. وعلو الارتقا، كتبه الحقير خضر بن علي المساعدي المالكي في العشر الأوسط من شوال سنة 1195ه
5- ورد عنوان المخطوطة واسم المؤلف على غلافها واضحًا بالخط الثلث وبالمداد الأحمر، هكذا: كتاب سلوان المطاع في عدوان الاتباع، تصنيف الشيخ الفقيه الإمام حجة الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن ظفر المكي، عفا الله عنه، آمين.
هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فقد تميزت بوضوح المنهج ودقة الأسلوب، وحسن العرض والترتيب، كما رسم مؤلفها خطة الكتاب في صدرها، فعتمد على الكتاب والسنة والحكم والأمثال والمواعظ والشعر، يحدد المؤلف منهجه فيقول: " وصدرتها بأي من التنزيل المحكم.. وأحاديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.. إلى ما تلا ذلك من منثور الحكم وموزونها.. وأبكار الآداب وعيونها".
وقد تأثر المؤلف بكليلة ودمنة والآداب الشرقية، الفارسية والهندية، وهو ما يدل على تمثله الثقافة العربية للثقافات العالمية وهضمها تمامً والاستشهاد بها كجزء لا يتجزء من الثقافة العربية في عصر المؤلف، والذي تمثل الثقافة الغربية كذلك بحكم المولد والنشأة في صقلية، وهي مفتاح ومعبر للثقافات العابرة من الشرق للغرب ومن الغرب إلى الشرق، ومركزًا اقتصاديًا وتجاريًا كبيرًا ومنفذا بحريًا
كذلك يعرف المؤلف كل سلواناته تعريفًا وافيًا، ويلتزم به في اختياره للحكم والقصص التي يستشهد بها على آرائه، فقسم كتابه الى خمس سلوانات فالأولى في التفويض، والثانية في التأسي، والثالثة في الصبر، والرابعة في الرضى، والخامسة في الزهد.
وجاء الكتاب في مجمله في فن السياسة وأصول والحكم، كما تصورها ابن ظفر الصقلي، وهو عبارة عن قواعد أو نصائح للـمطاع، أي الحاكم أو الملك، وهو أبو عبد الله بن أبو القاسم علي القرشي، والمعروف " بابن حمود" قائد صقلية، فالكتاب يستهدف تسليته وقد تعرض لـ"عدوان الأتباع" ويعيش في محيط الفتن والمؤامرات، وهو بحاجة لنوع من الرياضة الروحية لتنسية متاعبه.. هنا يتقدم ابن ظفر بسلواناته مدركًا قيمتها من حيث أنها روضةٌ للقلوبِ والأسماع، ورياضةٌ للعقولِ والطباع.
• حول مؤلف السلوان:-
هو عبد الله بن محمد بن الظفر الصقلي، المنعوت بحجة الدين، وهو أحد المنتمين لحقل العلم والأدب في التراث العربي الإسلامي.. ولد بصقلية عام (497 هـ)، وكان رحالة يهوى السفر وطلب العلم، انتقل من مكة التي نشأ بها إلى مصر في صباه، ثم إلى المهدية بشمال إفريقيا، ثم إلى حلب مارًا بمصر مرةً أخرى، ثم توجه إلى حماة واستقر فيها، وعمل بالديوان، وكان راتبه دون الكفاف، ولم يزل يكابد الفقر إلى أن توفاه الله.
كان ابن ظفر عالمًا أدبيًا شاعرًا، متعمقًا في علوم الدين واللغة والنحو، وقد أطلق عليه لقب (حجة الدين) لتصانيفه العميقة في العلوم الدينية، تنوعت مصنفات ابن ظفر الصقلي بين الدين واللغة والأدب، ففي العلوم الدينية له " التشجين في أصول الدين" و(أساليب الغاية في أحكام آية"، و" ينبوع الحياة"، وهو تفسير للقرآن الكريم.
وفي الأدب والشعر له أشعار رقيقة في الحب، وله أيضا " شرح مقامات الحريري".
كذلك كان أديبًا بارعًا في القص والحكي، يجمع بين قصص التاريخ الحقيقية، وقصصه التي يبدعها هو نفسه، وله " أنباء نجباء الأبناء"، الذي يورد فيه أنباء عشرة من الصحابة، وبعض أبناء العرب في الجاهلية، إضافة إلى أنباء ملوك الفرس.
توفي ابن ظفر رحمه الله عام (570 هـ).
• ترجمة وتحقيق السلوان
ترجمها اَماري (1221 ـ 1307 هـ = 1806 ـ 1889 م ) ميكليه ع أماري Michele Amari: وهو مستشرق إيطالي من رجال العلم والسياسة. ولد في بلرم بجزيرة صقلية، إلى اللاتينية « سلوان المطاع»، كما ترجمت إلى الانجليزية والفرنسية والإيطالية وطبعت في مصر ولبنان والشام والهند وتركيا وحققت أكثر من مرة.
• حول صقلية الإسلامية
أفادت صقلية وهي المشرفة على مناطق مدنيات ثلاث ـ الغربية والأفريقية والشرقية ـ من فنون وآداب وعلوم الفينيقيين والمصريين واليونان والرومان والبيزنطيين والعرب، وازدهرت الثقافة العربية فيها: فشاهد ابن حوقل فيها نحو 300 مسجد و 300 من معلمي المدارس (970)، واشتهر من علمائها، الشيخ أبو القاسم ابن القطاع (ت 515 ه‍)، وابن ظفر .
• المنمنمات في إسبانيا- الإسلامية
هو عنوان كتاب للمستشرقة الفرنسية رحيل أريي، حول المنمنمات التي احتوى عليها كتاب سلوان المطاع في نسخته الكاملة، والتي اشتملت على صور عديدة معبرة عن القصص التي اقتبسها وذكرها ابن ظفر الصقلي من الآداب الفارسية والهندية والعربية، ويبدو فيه شديد التأثر بقصص الحيوان والحكمة الشرقية في كتاب كليلة ودمنة لبيدبا الحكيم الهندي، وأثر ابن المقفع في نقلها من الفارسية إلى العربية في القرن الثاني للهجرة، وكذلك حكايات ألف ليلة وليلة، والتي يصعب نسبتها إلى أدب بعينه، لما احتوت عليه من مؤثرات عالمية وعربية، وقد ترجم الكتاب إلى العربية الدكتور محمد خير البقاعي، ومما جاء في مقدمته:
فقد استرعى كتاب « سلوان المطاع في عدوان الأتباع» اهتمام الباحثة الفرنسية رحيل اريي بمنمنماته، قابل مؤلف الكتاب ابن ظفر العماد الأصفهاني أمين سر نور الدين زنكي، كما نادم أشهر أمراء الشرق في عصره؛ السلطان محمود بن زنكي الملقب بنور الدين قاهر الصليبين. ويحق لمكتبة الاسكوريال الإسبانية أن تفخر بمخطوطة سلوان المطاع ولمْ لا وقد زينت بسبع وأربعين منمنمة نادرة لأقد النصوص التي وصلتنا من الغرب الإسلامي.
والملاحظ هو ظهور الصور الآدمية في الكتاب، الأمر الذي يفيد التمازج الحضاري الذي شهدته الأندلس. تستنتج المؤلفة، أن اللوحات من صنع أحد الموريسكين ( أحفاد مسلمي الأندلس) ممن غادروا إسبانيا إلى المغرب العربي بعد سقوط غرناطة، وتتجلى فيها ثقافته العربية الإسلامية ممزوجة بالثقافة الأسبانية. ورسومات الكتاب تقرن بين الواقعية العملية والدقيقة في تمثيل البشر والحيوانات وهي وثيقة ذات أهمية كبيرة لدراسة العادات والثياب لدى مسلمي إسبانيا والمغاربة في القرن السادس عشر.
أما اللوحات، فهي أهم ما في الكتاب، يذهب فرانسيسكو فرنانديرز غوانزاليس، أحد المستشرقين في نهاية القرن التاسع عشر، إلى أن المنمنمات ليست إلا نسخاً متقنة مأخوذة عن مجموعة أصلية، ويشك ديرنبورغ في أن تكون من رسم مسلم، أما مؤرخ الفن فيليب نافارو فيؤكد أصالتها بدليل أنها من رسم شخص واحد وتنفيذها بارع.
يقول ميشيل قصيري الراهب الماروني الذي وضع أول فهرس للمخطوطات العربية بالإسكوريال: بفضل هذه المخطوطة ندخل في صلب الحياة الإسلامية في إسبانيا في القرن السادس عشر في أسلوب المنمنمات وشكل الأثاث والأسلحة والألبسة وتصفيفات الشعر والأزياء العسكرية والكهنوتية، مشفوعة بحكايات وأحاديث مغامرات الفروسية التي كانت تدور في رواية سابور وفيروز الموروثة من التراث الإسباني.
تظهر لوحة غلاف الكتاب والتي عنوانها « النديمتان» جاريتين تجلسان على سجادة مزخرفة بموتيفات خضراء وزرقاء وصفراء وتعليق اللوحة يقول: تنحى الخليفة معاوية بعد أن سمع حديثاً بين نديمتين من ندامه يدور حول أخطار الملك.. يبقى أن أحداً لم ينسب المنمنمات إلى أبن ظفر ربما لأنه مخطوطه الوحيد المزيَّن بالرسوم.