قراءة في كتاب

ماجد علي القنية
1435
هــ

هذه المقالة قراءة في كتاب (دروب مختلفة) للصديق الحبيب الدكتور خالد بن سليمان الراجحي، وكان قد تفضل علي مشكورا بإهدائي الكتاب. وكما توقعت، وكما وجدت كتابه الأول (جسر من ضوء)، فقد وجدت هذا الكتاب ممتعا ومفيدا.  

الكتاب مقسم إلى ثلاثة أجزاء. الجزء الأول عبارة عن تأملات في مواضيع متفرقة. والجزءان الثاني والثالث لاحظت أنه تنفذ عبرهما محاور رئيسية تدور حولها معظم الأفكار والتجارب التي في هذين الجزئين. من هذه المحاور الرئيسية: أنه من المهم في الحياة أن يكون المرء مرنا ومتأقلما مع الظروف، وأن الإنفتاح على الجديد هو شيء مهم، وأنه من المهم أن يكون المرء وسطا في أموره، وأن الله تعالى جعل أسباب النجاح في متناول يد الإنسان وليست خارج يده فلو أخذ بها لنجح بإذن الله وأن هذه الحقيقة التي تنطبق على النجاح تنطبق أيضا على السعادة، وأنه من المهم أن يعطي المرء الأمور التي يقوم بها والأمور التي هو بصدد القيام بها ما تستحقه من الجد والإهتمام، وأنه لا بد أن يقع المرء في أخطاء وأن استفادته وتعلمه من هذه الأخطاء هو طريقه إلى النجاح، وأنه لا توجد مشاكل بلا حلول، وأن لكل مشكلة جانب أيجابي ينبغي للمرء أن يفتش عنه ويستفيد منه بل وقد تصل استفادته منه إلى درجة تجعل الفائدة التي خرج بها من المشكلة أغلب من الضرر الذي جاءت به المشكلة، وأن اختلاف الآراء مفيد، وأن المرء هو أعرف الناس بنفسه.

الكتاب غني بالأفكار، ما لا يقل عن فكرة في كل صفحة، وهذا يعني أن الكتاب قد احتوى على أكثر من مئة فكرة. وبالرغم من أن هذه الأفكار مقسمة إلى مجموعات بحيث أن كل مجموعة تناقش موضوعا معينا وضع في فصل لوحده، ولكن الأفكار التي داخل كل مجموعة بها استقلال بعضها عن بعض من ناحية احتمالية صوابها أو خطأها. فمثلا في فصل خصصه المؤلف لموضوع الصداقة يقول في أحد الجمل معددا عوامل استمرار وثبات الصداقة "التقارب العمري، والتوافق الذهني، والتكامل بين الصديقين". ففي هذه الجملة ثلاثة أفكار ومع أنها عن مسألة واحدة وهي عوامل استمرار وثبات الصداقة ولكن هذه الأفكار الثلاثة مستقلة نسبيا بعضها عن بعض من ناحية احتمالية صوابها أو خطأها، فلو قلنا مثلا أن أحدها (ولنقل فكرة أن التكامل بين الصديقين هو من عوامل استمرار وثبات الصداقة) صحيحة أو خاطئة فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الفكرتين الأخريين (فكرتي أن التقارب العمري والتقارب الذهني بين الصديقين هما من عوامل استمرار وثبات الصداقة) ستكونان بالتبعية صحيحتين أو خاطئتين، بل قد تكونان صحيحتين وقد تكونان خاطئتين وقد تكون إحداهما صحيحة والأخرى خاطئة.

وهذه الإستقلالية النسبية لكل فكرة في الكتاب هي موجودة حتى في تلك الأفكار التي هي مبنية على (أو نابعة من) أفكار أخرى في الكتاب. فمثلا في فصل (الحياة ... ممتعة) يرى الكاتب أن الإحتفال بالإنجازات هو شيء مهم. وقد بنى الكاتب على هذه الفكرة فكرة أخرى، وهي حسب فهمي أنه في مجال الإدارة فإنه من الخطأ أن يجعل المدير مكافآت موظفيه على الإنجازات التي يقومون بها هي دائما مكافآت مالية بل عليه أن يصرف قيمة بعض المكافآت المالية في إقامة احتفال لهم. فلو كانت الفكرة الأولى (فكرة أن الإحتفال بالإنجازات هو شيء مهم) صحيحة فإن الفكرة التي بنيت عليها (الفكره أعلاه عن المدير والإحتفال) مع أنها من المتوقع أن تكون صحيحة لأنها بنيت على فكرة صحيحة إلا أنه يظل هناك احتمال أن تكون خاطئة لأنه ليس كل ما بني على صحيح يكون بالضرورة صحيحا.       
 

أردت أن أقول أن الأفكار التي في الكتاب (والتي ذكرت أنها تزيد عن المئة فكرة) هي مستقلة نسبيا بعضها عن بعض من ناحية احتمالية صوابها أو خطأها، وهذه الإستقلالية النسبية لكل فكرة هي من طبيعة ومعالم الفكر، فأي كتاب فكري سيكون هذا شأنه.   

ومن الأفكار التي أبدعها الكاتب واقتنعت بصحتها هو ما ذكره من أن الشباب هم أهل للثقة لأن يوضعوا في مراكز حساسة ويولوا مسؤوليات كبيرة.

ومن الأفكار التي لا أخالفه ولا أوافقه الرأي فيها هو رأيه في الفصل الأول الذي عنون له ب (أما بعد) أنه حتى الأحداث السيئة في الماضي قد تبدو جميلة عند تذكرها، وعزا ذلك إلى أن آثارها السلبية تكون قد اندثرت، فلم يبق إلا الذكرى والذكرى من طبعها أنها جميلة. أما لماذا الذكرى (وحتى ذكرى الحدث السيء) من طبعها أنها جميلة؟ فهذا موضوع آخر لم يتكلم عنه الدكتور، ولا يظن القارئ الكريم أن الجواب هو لأن آثار الحدث السلبية تكون قد اندثرت، لأنه حتى بعد اندثار تلك الآثار السلبية فإن الذكرى الباقية هي عن حدث سيء وليست عن حدث جميل فلماذا تكون جميلة؟ ولماذا لا تكون هذه الذكرى سيئة؟ أو على الأقل لماذا لا تكون هذه الذكرى محايده لا جميلة ولا سيئة؟ والدكتور كما ذكرت لم يتكلم في هذه المسألة بل توقف عند أن الذكرى من طبيعتها أنها جميلة أو كما قال أنها "تجلو الإبتسامه". وأنا أقول أنه لو صحت فكرة الدكتور من أن الذكرى من طبيعتها أنها جميلة (حتى ذكرى الحدث السيء) فإن سبب ذلك قد يكون أن الدماغ بآلية معينة غير معروفة يحدث شعورا جميلا بالذكرى (حتى ذكرى الحدث السيء). وأتم الدكتور فكرته بأنه ولأن الذكرى جميلة (ذكرى الحدث السيء ومن باب أولى ذكرى الحدث الجميل) فإن الناس دائما يكون عندهم شعور جميل بالماضي.

هذه هي فكرة الدكتور حسب فهمي لها، وأظن أن جميع الناس أو أغلبهم يتفقون على أن الشعور بالماضي جميل، أما تفسير الدكتور لذلك بأنه بالإضافة إلى أن الشعور بذكريات الأحداث الجميلة جميل فإن الشعور بذكريات الأحداث السيئة هو أيضا جميل فهو تفسير أسمعه لأول مرة، وإن صح تفسيره فإنه برأيي يكون قد جاء باكتشاف فكري رائع. أما التفسير الذي كنت أميل إليه، وأظنني قد قرأته في مكان ما، هو أن سبب ذلك (أي سبب كون الشعور بالماضي جميلا) هو أن في الدماغ آليه معينة تنسي المرء (أو تثبط في ذاكرته) ذكريات الأحداث والمشاعر السيئة التي مر بها في الماضي، أما ذكريات الأحداث والمشاعر الجميلة فينساها المرء بمعدل أقل، فإذا التفت للماضي (مثلا ماضيه في المدرسة أيام الصبا) فإنه مباشرة يتذكر الأحداث والمشاعر الجميلة التي مر بها في المدرسة أما الأحداث والمشاعر السيئة فيكون قد نسي أكثرها، ولذلك يكون الشعور بالماضي جميلا. والذي جعلني أميل إلى هذا التفسير هو أنني عندما ألتفت إلى أيام المدرسة أشعر مباشرة بشعور جميل فأقول ما أجمل تلك الأيام بل وأقول ليتها تعود، ولكنني إذا بدأت أستذكر مليا تلك الفترة أتذكر العديد من المشاعر السيئة التي مررت بها بل وأتذكر أنني حينها كنت أكره المدرسة أكثر مما أحبها وهذا يدل على أن دماغي قد قام بتثبيط هذه الذكريات في ذاكرتي فنسيت تلك المشاعر السيئة التي مررت بها في المدرسة بل ونسيت أنني حينها كنت أكره المدرسة أكثر مما أحبها. وأنا الآن لا أعلم هل التفسير الصحيح لكون الشعور بالماضي جميلا هو تفسير الدكتور أم التفسير الذي ذكرته أم خليط منهما.

وكنت قد قمت أول ما وصلني الكتاب بقراءة الكلام الذي على غلافه الخلفي، فأعجبني هذا الكلام كثيرا حتى أنني نويت أن أقترح على الدكتور أن يجعل هذا الكلام من صلب الكتاب ظنا مني أنه كان موجودا فقط على الغلاف، ثم عندما شرعت في قراءة الكتاب ووصلت إلى الفصل الأخير وجدت أن ذلك الكلام هو جزء من هذا الفصل. فهذا الفصل (خاتمة ..) هو برأيي قطعة فكرية ثمينة صيغت بأسلوب أخاذ جدا.