الشكر
عباد الله..الفطرُ السليمة والنفوسُ الكريمة تسعى لتحقيق الكمالات وأعلى المقامات في شتى النواحي التي بمقدور النفسِ البشريةِ الوصولَ إليها،من تحقيق العبودية الحقةِ لله تعالى،وكمالِ عبادته،إلى إصلاح النفس وتهذيبِها بالأخلاق العلية،والمثلِ الرفيعة،لتعيش كريمةً لطيفةً مقبولةً محبوبةً عند الله تعالى وعند الناس،امتثالاً لأمر الله تعالى واقتداءً برسول الله ﷺ (وإنك لعلى خلق عظيم) قريبٌ من الله تعالى بقلبه وجوارحه،لطيفٌ مع خلق الله بخلقه وشمائله،لا يزيده عمرُه إلا عقلا ورزانة،ولا مالُه وجاهه إلا تواضعاً واستكانة،أَطَر نفسه عن الدنايا وحلَّى فعاله بالعلايا،إن أُنْعِم عليه حَمِد،وإن تُفضِل عليه مَدَح،وإن أعطي شكر،قال ﷺ (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كلَّه خير،وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له)رواه مسلم.
عباد الله..إن كان الشكر من خلق الكرماء وشمائل الأصفياء كما قال الأول: (إن تنعم تنعم على شاكر) فهو قبل ذلك وبعده عبادة لله تعالى يتقرب بها إلى الله، ويتعبد بها إليه (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) والشكر منة يمن الله بها على من يشاء ويتفضل بها على عباده (أليس الله بأعلم بالشاكرين) والشاكر موعود بالمزيد والعطاء المديد قال سبحانه (وسنجزي الشاكرين) ويقول تعالى(وسيجزي الله الشاكرين) فالله سبحانه أوقف الجزاء على المشيئة كثيرا وأطلق ذلك على الشكر،بل قد جعل سبحانه الشكر هو الغاية من خلقه وأمره قال سبحانه (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) .
عباد الله.. وإن أحق من يحمد وأول من يشكر وأصدق من يمدح هو الرب سبحانه الرحمن الرحيم بعطاياه الواسعة وفضائله السابغة ومننه الواسعة، ولذا استفتحت أعظم منة وأكبر نعمة للبشرية أجمع بقوله سبحانه (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:قال ﷺ (لا أحدَ أغيرُ من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن،ولا شيء أحبُ إليه المدحُ من الله ولذلك مدح نفسه)رواه مسلم فإنعامه سبحانه وفضائله لا يحيطها العدُّ أو يبلغها الكد،ولا يوفيها اللسان،أو يدركها البنان، (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)وإنما هو وجدان في القلب واعتراف باللسان وعمل بالأركان قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله (الصلاة شكر،والصيام شكر،وكل خير تعمله لله عز وجل شكر،وأفضل الشكر الحمد) وقال ﷺ : من قال حين يصبح:اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر يومه)رواه أبو داود.والتوفيق لشكر الله تعالى نعمة عظيمة ومنة جليلة ولذا كان النبي ﷺ يقول في صلاته: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمةَ على الرشد،وأسألك شكرَ نعمتك وحسنَ عبادتك)رواه النسائي. وهي تستوجب الشكر أيضاً إذ إن الشاكر إن شكر فهو رصيد مذخور للشاكر ينفعه هو والله غني عنه،(ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) والله سبحانه محمود بذاته ولو لم يحمده أحد من خلقه (ومن كفر فإن ربي غني كريم).
عباد الله..العود على من أسدى إليك معروفاً أو فعل لك خيراً سواء أكان أقل منك رتبة أو أعلى منك درجة بالشكر والتقدير خلق الأنبياء وديدن الشرفاء ، (إنه كان عبدا شكورا) وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال:كان رسول الله ﷺ إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجداً شاكرا لله. رواه أبو داود فشكر النعمة دليل على استقامة المقاييس في النفس البشرية،فالخير يشكر لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة السليمة،ولذا فالشكر صفة ملازمة لأصحاب القلوب البيضاء والأيدي المعطاء التي عرفت قدرها،وأطرت نفسها على التواضع ولين الجانب وحب الخير للغير قال ﷺ : (من أعطي عطاء فوَجَد فليجز به،فإن لم يجد فليثن به،فمن أثنى به فقد شكره،ومن كتمه فقد كفره)رواه أبو داود. ولا غرو فهم قد كسبوا ذلك من توطأة القلب لله،وتذلل اللسان بذكر فضائل الله وإعمال الجوارح في طاعة الله شكرا لله،فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس.
عباد الله..شكر النعمة والثناء عليها يورث المزيد، ويزكي النفوس ويدعوها للعمل الصالح وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها،فتصلح الحال،وتقوى روابط المجتمع فيصبح كاللحمة الواحدة،والجسد الواحد،فتنمو فيه الثروات،وينهل منه الخيرات،وتذهب الإحن ، وتستوجب المحبة والتقارب،قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إن النعمة موصولة بالشكر،والشكر يتعلق بالمزيد،وهما مقرونان في قَرَنٍ ، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد) فالشكر يصاحبه المزيد أبدا،فمتى لم تر حالك في مزيد فاستقبل الشكر،أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) .
الثانيةعباد الله..الشكر خلق مرغوب للنفوس،وعمل محبوب للقلوب،كل يهواه ويتمناه إلا أن هناك قواطع طريق تحول دون تطبيقه وامتثاله حتى يصبح المرء كتلة جامدة ذا قلب قاس وخلق جاف تنفر منه الطباع وتتحاشه النفوس ومن ذلكم:الكبر وغمط الناس فمتى ما أصابه خير من الله أو من خلق الله يرى أنه حقه المشروع،وأنه الأولى به ،وما نال ما نال إلا بسبب علمه،أو الظن بنباهة عقله وحسن تصرفه،فلا يحتاج معه إلى شكر أو الثناء على أحد زعم،وما علم المحروم أنه بخلقه وتصرفه متبع لسيد المتكبرين القائل( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) ومقتد بخاسر بني إسرائيل الذي جعله الله درساً لمريديه وعبرة لمتبعيه إن كانوا يعقلون (قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون )الآيات .
وقد يحول بينه وبين الشكر داء فتاك ومرض عضال وهو الحسد فتجده يشتد آساه على الخيرات التي تكون للناس الأفاضل فيدعوه إلى حسدهم وعدمِ إظهار شكرهم وتقديرهم،ولذا جاء الأمر بالاستعاذة من الحسد في قوله سبحانه (ومن شر حاسد إذا حسد)ولو لم يكن من ذم الحسد إلا أنه خلق دنيئ يتوجه نحو الأَكْفَاء والأقارب ويختص بالمخالط والصاحب،لكانت النزاهة عنه كرما،والسلامة منه مغنما،فكيف وهو بالنفس مضر وعلى الهم مصر (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيما). أعاذنا الله وإياكم من كل خلق سيئ،وجنبنا كل بلاء ومكروه.
