العولمه (صحيفة الرياض)
ج : مصطلح "العولمة" من المصطلحات الحديثة التي لم تتبلور بعد، ولذا فإن الكتاب والباحثين يختلفون كثيراً في تعريف هذا المصطلح، وكلٌ يحمله على توجه معين ، فمنهم من يتجه به اقتصادياً، وآخر سياسياً، وثالث فكرياً، ... وهكذا ، وأياً كانت هذه التوجهات فإن المقصود من العولمة : جعل الشيء عالمياً تذوب معه الحواجز والحدود بين العالم ويصبح العالم كقرية واحدة متحدة في الجوانب المذكورة ونحوها. ولن تكون تلك التوجهات شيئاً جديداً يأتي به العالم ويتحد عليه اقتصادياً وسياسياً وفكرياً، إنما هو سيطرة القوة العظمى – إن صح التعبير- على العالم، تفرض من خلاله نظمها الاقتصادية ، والسياسية والفكرية ونحو ذلك .
وعوداً على السؤال هل تسطيع الأمة الإسلامية مواجهة ذلك؟ أقول إن الأمة الإسلامية تستطيع ذلك لو أرادت، لأنها هي ، وهي فقط، التي تمتلك مقومات العولمة ، وبتعبير آخر تمتلك خاصية العالمية، ولكن لا بد من وجود الأدوات مع المقومات ، أما ما أعنيه في كونها تلك المقومات، فهو أن نظامها الاقتصادي المبني على الشريعة هو النظام العالمي الذي يصلح للعالم كله، وكذلك نظامها السياسي هو النظام العالمي الذي يصلح للعالم كله، وثقافتها كذلك ثقافة عالمية يحتاجها العالم كله. وكذلك فإن دينها ديناً عالمياً يجب على العالم كله اتباعه. والذي جاء بتنظيم ذلك كله والدلالة عليه هما المصدران العالميان : الكتاب والسنة ، قال المولى سبحانه وتعالى عن عالمية كتابه {وما هو إلا ذكر للعالمين} وقال عن عالمية رسوله {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.
وأما الأمر الآخر فهو الأدوات التي تستطيع الأمة من خلاله مواجهة العولمة، بل والسيطرة على العالم، هي التقنية الحديثة وبالأخص في مجال الإعلام، فعالم اليوم هو عالم التقنيات، والتوجيه العالمي فيه لمن يملك القوة في تلك الوسائل ويستطيع من خلالها أن يبث ما يريد في هذا العالم. وهذه الأدوات ليست مستحيلة على الأمة البشرية، فهي من إنتاج البشر، والغرب لم تنزل عليهم من السماء، إنما أنتجوها واخترعوها بالبحث والجد، وعقول أبناء الأمة ليست قاصرة عن تلك، بل وتفوقها أحياناً، فأبناء الأمة سبقوا الغرب في العلوم والمخترعات حينما كانت أوربا تعيش في ظلام دامس في القرون الوسطى، ولم تعرف أمريكا حينها، إنما كان العلم والمكتشفات تصدر من أبناء الأمة. فلابد من الاعتماد على الله وترك الاعتماد على غيره والتبعية له. ثم هناك أمر هام وهو أن التقدم والرقي والقدرة على المواجهة والسيطرة على العالم لما فيه خير العالم ، لن يكون بالأمر الهين أو القريب، بل يحتاج بعد العودة إلى الله سبحانه وتعالى والاعتماد عليه، إلى التخطيط والصبر لعشرات السنين ، وربما مئات السنين.
س2- هل نحن حقاً أمة منهزمة كمسلمين كما يشاع في بعض أوساطنا العربية؟
جـ- سبحان الله! كيف تكون الأمة المسلمة أمة منهزمة؟ إن الأمة المنهزمة هي الأمة التي تتخلى عن دينها، وعن عزتها به، وتطلب العزة بغيره، يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، وإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله" ، قال الله سبحانه وتعالى العزة للمؤمنين وهي عدم الانهزامية : {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}. ولكن يجب أن ندرك أن العزة وعدم الانهزامية هي ليست بكثرة العدد وقوة السلاح، ولكنها بالاعتماد على الله والتمسك بالدين، فلم يكن المسلمون في زمن من الأزمان أكثر عدداً ولا أقوى عدة من عدوهم. فالمؤمن يمتلك قوة فوق طاقة البشر لو عرف كيف يستثمرها، إنه يملك قوة تؤيده من رب العالمين، ولله جنود السماوات والأرض، فالله سبحانه وتعالى قد نصر عباده المؤمنين الصادقين بأنواع من القوى لا يستطيعه البشر، كالملائكة ، والريح، والبحر، وغيرها من أنواع القوى . ولكن ما أصاب الأمة من هزيمة وذل إنما هو بسبب بعدها الله سبحانه وتعالى ولجوئها إلى غيره والتخلي عن دينها.
س3- ما خصائص القوة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تمكننا من توظيفها في هذا الصراع؟ .
جـ- إن خصائص القوة التي تمتلكها الأمة المسلمة تكمن في هذا الدين، فهو مصدر عزها ونصرتها وهيمنتها في عصر العولمة، فكما أشرت من قبل فإن الأمة تمتلك من الخصائص والمقومات ما تمتلكه أمة غيرها، لو الاستفادة منه، فإنها تمتلك نظماً عالمية في جميع المجالات، سوء المجال الاقتصادي، أو المجال السياسي، أو الاجتماعي، أو الثقافي أو غير ذلك، وهي النظم المستنبطة من كتاب الله ورسوله، فلو اتجهت الأمة إلى هذين المصدرين واستخرجت كنوزهما في هذه النظم وغيرها، ثم عملت به أولاً ثم حاولت إبرازه للعالم كله بدلاً من تلك النظم البشرية التي تتصف بالقصور، وتحتمل الصواب والخطأ. و هذه النظم البشرية على اختلافها التي تريد لها القوى العظمى السيطرة في ظل العولمة هل يعقل أن تكون لها القدرة على الانتشار أكثر من النظم الإسلامية؟!.
د. سليمان بن قاسم العيد
جامعة الملك سعود
