فيزياء الثقوب السوداء

قام الفيزيائي الإنجليزي جون ميشيل في عام 1783 مـ ولأول مرةٍ بافتراض وجود جسمٍ ذو كتلةٍ كبيرةٍ ومجالِ جاذبيةٍ كبيرٍ، لا يمكن لأي شيءٍ أن يفلت منه حتى الضوء، وذلك في رسالة منه لهنري كافينديش في الجمعية الملكية. بعدها بعدة سنوات، قام بيير-سيمون لابلاس أيضا فافتراض وجود هذا "النجم الأسود" في كتابه المنشور في عام 1796 مـ Exposition du système du Monde. لكن فيما بعد، تمت إزالة هذه الفكرة من الطبعات اللاحقة من الكتاب، وتم تجاهل فكرة وجود هذه الأجسام. ظلت فكرة النجم الأسود منسيةً حتى قام العالم الألماني شفارزتشايلد بحل معادلات حقل أينشتاين (للنسبية العامة) في عام 1915 مـ، وبعده ببضعة أشهر قدم العالم يوهانس دروست حلولاً أبسط لنفس المعادلات.

بدت الحلول غير مفهومةٍ في البداية، فما هو هذا الجسيم ذو القطر الذي يساوي صفراً وله كثافةٌ لا متناهية وعنده يتوقف الزمان ولا يصبح للمكان أي معنى. فقد بدت قوانين الفيزياء بالنسبة له ليست ذات معنى، فقام العديد من الفيزيائيين والرياضيين حينها بالعمل على فهم معنى هذا الحل، وتم حينها اكتشاف بعض الخصائص له. وأخيراً تمت تسمية الجسيم الذي يتنبأ به الحل الغريب بـ"ـالثقب الأسود"، وذلك لأن الضوء لا يستطيع الهروب من المجال التجاذبي هذا.

يمكن لأي جسمٍ أن يصبح ثقباً أسوداً إن تم "ضغطه" إلى ما يسمى بقطر شفارزتشايلد، والذي يُحسب بالعلاقة الرياضية التالية:

 

(1)

حيث تعتمد المعادلة على كتلة الجسم، ومربع سرعة الضوء وثابت الجاذبية (ثابت نيوتن).

 

إن نصف قطر شفارزتشايلد صغيرٌ جداً، ولكي تصبح الأرض ثقباً أسوداً فعليها أن تضغط كتلتها في حجم حبة فستقٍ تقريباً! فلم يبدو أن لهذه الأجسام وجوداً، إلا أن بعض المشاهدات الفلكية (تشوشٌ في أشعة إكس والكوازات) جعلت من العلماء يعتقدون أنها موجودةٌ فعلاً. بدت الثقوب السوداء محيرةً وغامضةً مما جذب إليها العديد من الفيزيائيين بسبب فضولهم حولها.

يبدو أن الثقوب السوداء لا تنشأ بسهولةٍ، فهي طريقةٌ دراميةٌ لنهاية نجمٍ ذو كتلةٍ أكبر من الشمس بخمسة عشر إلى عشرين مرةً على الأقل. فعندما يقترب هذا النجم من استنفاذ الهيدروجين المكوِّن له وتبدأ نواته بتكوين عناصر ثقيلةً مثل الليثيوم إلى الحديد تزداد كثافته، فتبدأ الجاذبية الخاصة بالنجم بالسيطرة عليه. ومع تكون الحديد المستقر نووياً للغاية والذي لا يستطيع النجم دمج أي عناصر أثقل منه، تبدأ قوى الضغط (الكمومية) بالضعف أمام الجاذبية، ويبدأ النجم بالانهيار على ذاته مطلقاً طاقةً تساوي ما تطلقه شمسنا طوال فترة حياتها في جزء من الثانية، ويسمى هذا الحدث بانفجار المستعر الأعظم (أو السوبرنوفا)، مما يتارك نواة النجم كنجمٍ نيوترونيٍ بالغ الكثافة.

أحياناً، يستمر النجم النيوتروني بالانهيار على ذاته، ليكوٍّن أخيراً منفردة تجاذبية لا متناهيةً في الكثافة عندما يصبح نصف قطر النجم النيوتروني نصف قطر شفارزتشايلد. لكن يجب أن تكون كتلة النجم النيوتروني على الأقل 3-4 مرات أضعاف كتلة الشمس لكي ينهار إلى ثقبٍ أسودٍ، ويعرف هذا بحد تومان-أوبنهايمر-فولكوف. إن ضرورة الكتلة الكبيرة للنجم النيوتروني تكمن بأن مكونات النجم النيوتروني (بلازما كواركات وغلوونات) تخضع الفيرميونات لمبدأ باولي للاستبعاد، والذي يمنع جسيمين ماديين أن يحتلا نفس المكان. هذا المبدأ يشكل ضغطاً يمنع النجم النيوتروني من الانهيار تحت الجاذبية، ولكن عندما تكون الكتل أكبر من حد تومان-أوبنهايمر فولكوف تتفوق قوى الجاذبية على الضغط الكمومي للمادة المتحللة.

توجد نظرياً أنواعٌ أخرى من الثقوب السوداء تعرف بالثقوب السوداء فائقة الصغر، والتي تنشأ في تصادمات الجسيمات ذات الطاقة العالية. يوجد لكل جسيمٍ طولٌ موجيٌ مرافقٌ له يتناسب مع الطاقة التي يحملها حسب قوانين ميكانيك الكم، وإن كانت الطاقة المكافئة للكتلة (حسب قانون أينشتاين) محصورةً بطولٍ موجيٍ يساوي نصف قطر شفارزتشايلد فإن الجسيم يصبح ثقباً أسوداً. إن أصغر كتلةٍ لثقبٍ أسودٍ ممكنٍ تساوي كتلة بلانك (0.22 ميكروجرام تقريباَ) وفقاً لحسابات العلماء، ولكن توجد نظرياتٌ أخرى تتنبأ بنشأة ثقوبٍ سوداء صغرى بطاقةٍ أقل بكثير من واحد تيرا الكترون فولت. بالتالي، يمكن للأشعة الكونية التي تصطدم بالأرض أو حتى مصادم الهادون الكبير في مركز أبحاث المنظمة الأوربية للأبحاث النووية (سيرن) أن ينشئ هذه الثقوب السوداء. لكن لا داعي للقلق، فهذه الثقوب ستتبخر بسرعةٍ كبيرةٍ جداً، وسنتطرق لتبخر الثقوب السوداء لاحقاً.

يُعرف مركز الثقب الأسود بالمنفردة التجاذبية، وهي منطقةٌ لا متناهية الكثافة حسب النسبية العامة ولا يعني عندها المكان شيئاً، ولا نفهم عنها أي شيءٍ ونحتاج لنظرية جاذبيةٍ كموميةٍ كي نستطيع تفسيرها. أما إذا علقت في مجال الثقب الأسود التجاذبي سيكون السقوط إلى مركزه أمراً حتمياً، وستكون تأثيرات المد والجزر الخاصة بالثقب الأسود كافيةً لسحق أي شيء ولن تكون تجربةً ممتعةً البتة! كما توجد منطقةٌ من الفراغ حول الثقب الأسود، وهي ذات سمكٍ صفريٍ يتم فيه أسر الفوتونات في مدارٍ حول الثقب الأسود يساوي مرةً ونصف ضعف نصف قطر شفارزتشايلد وتعرف باسم الفوتون-سفير.

تعد منطقة أفق الحدث المنطقة الأكثر أهميةً في الثقب الأسود، وأكثرها جدلاً وإثارةً للأسئلة بعد النقطة الشاذة. أفق الحدث هي منطقةٌ من الفراغ لا يمكن لأي معلوماتٍ أن تغادرها عند اختراقها، وكأنها حاجزٌ بين العالم الخارجي والثقب الأسود. يكون المجال التجاذبي عند أفق الحدث شديداً للغاية فلا يمكن حتى للضوء أن يفلت منه، وبما أنه لا يمكن لأي معلومةٍ أن تسافر أسرع من الضوء فلا يمكن ارسال معلومات من داخل أفق الحدث إلى خارجه.

إن أيّ جسمٍ يقترب لأفق الحدث سيظهر وكأنه يبطئ في سرعته بشكلٍ مقاربٍ في طريقه لأفق الحدث بالنسبة لمراقبٍ خارجيٍ، وذلك لأن الزمن يتباطآ بسبب تأثير الحقل التجاذبي، كما أنه سيشاهد الجسيم وهو ينكمش باتجاه حركته نحو أفق الحدث، وسيبدو له أن الجسم يأخذ وقتاً لا نهائياً حتى يصل لسطح أفق الحدث. إذاً يبدو كلاسيكياً أن كمية المعلومات التي يمكن أن " تلتصق" بسطح أفق الحدث لا متناهية، مما يعني أن الأنتروبي للثقب الأسود لا نهائية.

هذا الاستنتاج غير مقنعٍ ويشابه "كارثة الإشعاع فوق البنفسجي*، فلا يمكن أن يكون لشيءٍ ما أنتروبي لا متناهي، وقد قام بيكنشتاين بإثبات أن للثقب الأسود أنتروبي متناهيةً من خلال النقاش التالي – الذي تم تبسيطه هنا:

سنستخدم المعادلة الرياضية لنصف قطر شفارزتشايلد في (1)، ثم نضيف وحدة واحدةً من المعلومات (أي جسيم) ونوع هذه المعلومة هي إما أنه موجودٌ أو لا، لذلك على هذا الجسيم (الفوتون) أن يكون له طولٌ موجيٌ أكبرٌ ومساوٍ لنصف قطر شفارزتشايلد (كي لا يحتوي الفوتون معلومةً أخرى مثل من أي اتجاهٍ قام بالدخول لأفق الحدث)، ولكننا ذكرنا سابقا أن الطاقة متناسبة مع الطول الموجي للجسيمات الكمومية و تعطى بالعلاقة التالية:

 

(2)

ولكن حسب علاقة أينشتين فإن الطاقة تتناسب مع الكتلة أيضا:

 

(3)

أي إن إضافة وحدةً واحدةً من المعلومات للثقب الأسود ستزيد من كتلته بمقدار:

 

(4)

بالتالي فإن نصف قطر شفارزتشايلد سيزيد بمقدار استخدام المعادلة رقم (1) و (4)

 

(5)

 

لا تهم كثرة التفاصيل لاستنتاج العلاقة الأخيرة، ولكنها تنص على أنه عند إضافة وحداتٍ من المعلومات لأفق الحدث فإن مقدار الزيادة في مساحته سيكون عدداً ثابتاً يتناسب مع العلاقة (5). بالتالي المعلومات المخزنة في الثقب الأسود محدودةٌ وليست لا متناهيةً، أي أن له أنتروبي محدودة وتعطى بالعلاقة التالية:

 

(6)

 

استنتج ستيفن هاوكينج العلاقة (6). وذلك باعتبار التأثيرات الكمومية عند أفق الحدث. هذا يعني أن أفق الحدث له حرارة، وبفعل التأثيرات النسبية (تأثير دوبلر النسبي) فإن المنطقة القريبة من أفق الحدث شديدة الحرارة.

 

لبعض الثقوب السوداء "لفٌ"، أي تدور حول نفسها مسببةً بذلك اضطراباً في نسيج الزمكان حولها، والذي يعرف بمنطقة الإرجوسفير، كما أن لبعضها مجالاتٍ كهربية. ومن هنا يأتي السؤال: كيف يمكن للفوتونات التي يفترض أنها تنقل التفاعل الكهرومغناطيسي خارج أفق حدث الثقوب السوداء المشحونة، أو حتى الجرافيتونات (التي يفترض أنها تنقل التفاعل التجاذبي في الجاذبية الكمومية) أن تخرج من داخل الثقب الأسود إلى خارجه ؟ ، والجواب يأتي من فهم أن هذه الجسيمات جسيمات افتراضية، أي أنها غير قابلة لنقل المعلومات أو العزل منفردة، وبالتالي يمكنها السفر بأسرع من الضوء (**)

الصورة الحالية في علم الكونيات هي أنه يوجد في مركز كل مجرةٍ ثقبٌ أسودٌ فائق الضخامة.

مع أن الصورة السابقة لأفق الحدث تبدو أنها مكتملة إلا أن العديد من المفارقات تحدث عند النظر إلى جسيمٍ يدخل أفق الحدث، سنتحدث في مقالاتٍ أخرى عن بعض المفارقات و المشكلات التي تحير الفيزيائيين بالنسبة للمعلومات والثقوب السوداء وأهمية هذه المفارقات لترشدنا إلى حلول نظرية الحقل الموحد أو الجاذبية الكمومية.

(*) كارثة الفوق بنفسجي: أو تعرف أيضا بكارثة رايلي جينز: و التي تنص أن الجسم الأسود عند الإتزان الحراري يشع طيفاً فوق بنفسجيٍ ذو قدرةٍ لا نهائيةٍ (أنتروبي لا متناهية) و تم حل هذه المشكلة من قبل بلانك في قانونه لتكميم الطاقة و نشأة ميكانيك الكم.

(**) في نظرية الحقل الكمومي، فإن القوى الأساسية (مثل التنافر والتجاذب بين الكترونين) يتم بتبادل جسيماتٍ افتراضيةٍ متل الفوتونات في حالة التفاعل الكهرومغناطيسي.

 

 

المصادر:

Bardeen, J. M.; Carter, B.; Hawking, S. W. (1973). "The four laws of black hole mechanics". Communications in Mathematical Physics 31 (2): 161–170.

Bekenstein, Jacob D. (April 1973). "Black holes and entropy". Physical Review D 7 (8): 2333–2346

Wald, Robert M. (1984). General Relativity. University of Chicago Press

Carroll, Sean M. (2004). Spacetime and Geometry. Addison Wesley

Penrose, R. (1965). "Gravitational Collapse and Space-Time Singularities". Physical Review Letters 14 (3): 57

Arkani–Hamed, N.; Dimopoulos, S.; Dvali, G. (1998). "The hierarchy problem and new dimensions at a millimeter". Physics Letters B 429 (3–4): 263

Harada, T. (2006). "Is there a black hole minimum mass?". Physical Review D 74 (8): 084004

Schwarzschild, K. (1916). "Über das Gravitationsfeld eines Massenpunktes nach der Einsteinschen Theorie, Sitzungsberichte der Königlich Preussischen Akademie der Wissenschaften 7: 189–196. ( الورقة الأصلية التي نشرت فيها حلول معادلات حقل أينشتاين

Droste, J. (1917). "On the field of a single centre in Einstein's theory of gravitation, and the motion of a particle in that field". Proceedings Royal Academy Amsterdam 19 (1): 197–215.