ما هي الموجات التجائبية ؟

 

" تكمن أهمية إكتشاف هذه الموجات بعد 100 عام من التنبؤ بها بأنها تبين و بدون أي ريبة أن أينشتاين كان محقا تماما، و أن الزمكان ليس مطلقا البتة . إن هذا الإكتشاف هو بلا شك هدية من الطبيعة لنا ! "

لقد رسخ بأذهاننا منذ الطفولة أن الزمان و المكان أمرين مطلقين، قد تركا للفلاسفة و الشعراء. الزمان و المكان أمرين منفصلين و يتفق عليهما الجميع. ولكن هذا قد تغير تغيرا تاما منذ 100 سنة فقط !

بسبب تدريبي كفيزيائية نسبية Relativist قد ألفت التفكير بالزمكان كحقل مرن ، يعتمد على الراصد، و بعيد كل البعد عن المطلق، أصبح الزمان و المكان لدي كيانا واحدا بعيدا كل البعد عن المطلق. في الحقيقة، قد أبقتني هذه المفاهيم يقظة ليالي عديدة كي اتمكن من تقبلها، و أعتقد أنها أبقت الكثيرين غيري يقظين أيضا. فهذا المفهوم عن الزمكان بعيد تماما عن خبرتنا اليومية، و حتى عما درسناه في فيزياء المدارس ( و البكالوريوس أيضا). ولكن ، اليوم تتألق هذه الفكرة بشكل بارز لتحتل عناوين الأخبار العلمية !

قبل 100 سنة، قام البرت أينشتاين، ديفيد هيلبرت و غيرهماا من ألمع العقول بكشف الستار عن حقيقة الزمكان ، كونه ينحني و يلتف متأثرا بالكتلة / الطاقة. حيث تخبر المادة الزمكان كيف ينحني، و يخبر الزمكان بدورة المادة كيف تتحرك ! هذه هي النسبية العامة بإختصار. الزمان لم يعد مستقلا عن الراصد، ولا المكان أيضا. و بهذا يمثل الزمكان " الحقل" الذي تتفاعل به المادة/ الطاقة تجاذبيا.

أحرزت النسبية العامة الكثير من النجاحات و مرت بالكثير من الإختبارات التي اجتازتها بجدارة ! ولكن الإختبار الأخير، و الذي يعد الأكثر أهمية بقي قرنا كاملا كي يتم التأكد منه، ألا وهو الكشف عن " الموجات التجاذبية" ، و لكن ماهي هذه الموجات؟ و لماذا يعد إكتشافها أمرا بالغا بالأهمية، حتى يمكنني القول و بكل جرأة ، أن هذا الإكتشاف هو الإكتشاف الأهم لهذا القرن !

عند غياب أي كتلة/طاقة ، فإن الزمكان يكون مسطحا، أو بدقة أكبر يتبع الهندسة المستوية ( تلك التي تدرس في الثانوية ). ولكن عندما يحدث إضطراب بسيط لهذه الهندسة المستوية، لأي سبب كان، فإننا نتوقع ردة فعل من خلفية الزمكان، و ردة الفعل تلك هي – حسبما تتوقع النسبية العامة و معادلات حقل أينشتاين- موجات تنتقل في الزمكان. هذه الموجات إذا عبارة عن إضطرابات في هندسة الزمكان فوق الهندسة المستوية، أو موجات من إنحناء الزمكان. و كأن الزمكان وسط مرن و احداث اضطراب به يؤدي لتكون موجة تنتقل بهذا الوسط. تعرف هذه الإطرابات بال"موجات التجاذبية " Gravitational Waves

لأن الجاذبية تفاعل ضعيف للغاية، يمكن تصور " وسط الزمكان" كوسط قاس جدا، و ذلك من الصعب إحداث اضطراب ملحوظ به. و لهذا نحتاج لمصادر ذات طاقة عالية جدا كي تستطيع إحداث موجات تجاذبية ذات تردد و سعة قابلين للقياس، و لهذا كان من الصعب جدا إكتشاف تلك الموجات، و استغرقت كل هذه المدة كي يتم اكتشافها.

أما عن المصادر التي تعطي موجات تجاذبية قوية كفاية هي: 1) الإنفجار العظيم 2) النجوم النيوترونية الثنائية التي تدور حول بعضها بسرعات عالية جدا 3) إنفجارات السوبرنوفا و الهايبرنوفا 4) أنظمة الثقوب السوداء الثنائية ( على وشك الإندماج mergers ) و تلك الأخيرة كانت مصدر الموجات التي تم رصدها . يوجد بالطبع مصادر أخرى ، فأي جسمين يتفاعلان تجاذبيا يصدرات موجات تجائبية، و حتى ردة فعل الزمكان للتموجات الكمومية quantum fluctuations تؤدي لموجات تجاذبية. إلا أن هذه الموجات – كما ذكرنا سابقا- بالغة بالضعف مما يستحيل علينا رصدها.

تكمن أهمية الموجات التجاذبية بأنها في البداية تؤكد صحة الأنموذج الهندسي للجاذبية، أي وصف التفاعل التجاذبي بين الأجسام كإنحناء بالزمكان، و تبين أن تناظر لورتنز ينطبق على الزمكان و الجاذبية ( حيث موجات الجاذبية تسري بسرعة الضوء c ) و أيضا تعد الخطوة الأولى على الصعيد التجريبي بالكشف عن نظرية جاذبية كمومية ، حيث يمكننا – المحاولة- بتكميم تلك الموجات التجاذبية لنحصل على جسيم الجرافيتون ، كما قد قمنا يتكميم الحقل الكهرومفناطيسي و الضوء – كموجة منه- و حصلنا على الفوتون. إلا أن القول اسهل كثيرا من الفعل على هذا الصعيد !

لا تقف أهمية تلك الموجات عند الناحية الأساسية في الفيزياء و حسب، بل يفتح الكشف عنها بابا واسعا لنوع جديد من الفيزياء الفلكية، و هو الفيزياء الفلكية باستخدام الموجات التجاذبية، حيث ستمكننا من دراسة العديد من الظواهر الفلكية بشكل لم يسبق له مثيل مثل السوبرنوفا، النجوم النيوترونية و البلسارات، و أيضا على الصعيد الكوزمولوجي بدراسة الإنفجار العظيم كما لم يسبق لنا فعل ذلك من قبل. حيث دراستنا الفوتونية للإنفجار العظيم لن تأخذنا سوى 100 ألف سنة بعد الإنفجار العظيم، و ذلك لكون الكون حار جدا قبلها مما أدى لتكون – حاجز آسر للكون- و تكون خلفية الماكرويف الكونية CMB أما الموجات التجاذبية قد تأتي من الإنغجار العظيم نفسه – أو على الأقل أقرب بكثير من تلك الموجات الكهرومغناطيسية للإنفجار العظيم.

يطول الحديث عن أهمية هذا الإكتشاف، و تبعاته المستقبلية، ولكن إكتفيت هنا بأهم النقاط على الصعيدين النظري و التطبيقي.

لأن الموجات التجاذبية هي اضطرابات بالزمكان، فإن الكشف عنها يتطلب دقة بالغة في قياس التغير بالمسافات على مستوي فائق الصغر ، ولذلك استخدم الفريق تداخل الليزر للكشف عن أي تغير بسيط بالمسافات قد أحدثته تلك الموجات المارة بالأرض.

 

هذه هي البداية فقط لعصر جديد من فيزياء الجاذبية، سيأخذنا لفهم أعمق و اعمق عن طبيعة تكميم التفاعل التجاذبي و عن فهم لنشأة كوننا !