الجاذبية الكمومية، إلى أين ؟

التوحيد بين القوى الأربع هو الحلم الذي أسر أجيالا من الفيزيائيين النظريين، بدءًا من أينشتين ولا يزال هذا الحلم موجودا بانتظار أن يتحقق !

بالطبع لن يتحقق هذا التوحيد بدون نظرية كمومية للجاذبية. و هو وصف كمومي للتفاعل الثقالي، يوازي الوصف الكلاسيكي له و المحقق في النظرية النسبية العامة لآينشتين.

يوجد 4 قوى في الطبيعة، الجاذبية، الكهرمغناطيسية و القوتين النوويتين ( القوية و الضعيفة). ولوصف هذه القوى/ التفاعلات نحتاج لنظرية حقل، لأنه و لأسباب عديدة تبدو الحقول هي الوصف الأمثل لكيفية عمل الأشياء في الفيزياء. و توجد نظرية توصف كل من هذه القوى. تصف النسبية العامة التفاعل الثقالي ( التجاذبي) بين الكتل و الجسيمات حاملة كمية حركة، بانحناء للزمكان، حيث تبين النظرية أن الزمكان عبارة عن حقل له هندسة ريمانيانية ( أي ليت مستوية بل قابلة للانحناء و الطي و اللف ..) و الأجسام تعبر الزمكان من خلال مسارات جيوديسية. بالتالي، التفاعل الثقالي موصوف كليا بواسطة " الهندسة"، و هي نظرية كلاسيكية للحقول. أيضا يوجد وصف كامل للتفاعل الكهرومغناطيسي من خلال نظرية حقل كلاسيكية متمثلة بمعادلات ماكسويل. أما القوتين النوويتين فلا يوجد لهما وصف كلاسيكي، كونهما قوتين تعملان على العالم الميكروي، و الذي لا تسري عليه قوانين الفيزياء الكلاسيكية.

أمكن " تكميم" الحقل الكهرومغناطيسي من خلال طرائق راياضية تعرف بتكاملات فاينمان للمسار ، و بذلك تصف الإلكتروديناميك التفاعلات الكهرومغناطيسية على المستوى الكمومي. و مع اكتشاف القوة الضعيفة، تم تكوين ما يعرف الديناميكا – النكهية الكمومية ، و كذلك بالنسبية للتفاعل القوي و الديناميك اللوني الكمومي.

تطور الأنموذج القياسي لفيزياء الجسيمات ليصف التفاعلات الثلاثة بدقة كبيرة، و بالإضافة لذلك قام الأنموذج القياسي بوصف حالة التوحيد بين القوتين الكهرومغناطيسية و الضعيفة، لتشكل القوة الكهروضعيفة. الأمر بدا واضحا للغاية، فكما لا يمكن تمييز قطع ثلج قد تم إذابتها في كأس ماء، فكذلك لا يمكن التمييز بين القوتين إن كانت كثافة طاقة الكون مرتفعة ( كما كان الأمر قبيل الإنفجار العظيم). تنبأت نظريات أخرى ( تعرف بالتوحيد العظيم) حدوث أمر مشابه – مع كثافة طاقة أعلى- مع القوة القوية. الأمر ليس صعب التخيل، فكل من التفاعلات السابقة لها وصف في نظرية الحقل الكمومي.

و لكن الأمر مختلف تماما بالنسبة للقوة الرابعة ( الجاذبية) فعند محاولة " تكميم" الجاذبية، بالطرق المعتادة لفعل ذلك ( إما عن طريق التكميم المخروطي أو تكاملات فاينمان للمسار) ينتهي الأمر بكارثة رياضية، لا تنجح هذه الطرق و تخرج نتائج غير منطقية! هذا مؤشر خطير للغاية ! فهذا يضع النظريين في موقف حرج! هنالك أمر ما خاطئ في الفيزياء.. أمر خطير جدًا.

نعلم الآن أن هذه الطرق غير كافية لاخضاع الجائبية لميكانيك الكم، و بالرغم من وجود بعض النظريات التي تطرح طريقا لتكميم الجاذبية ( مثل نظرية الأوتار أو غيرها) إلا أنها غير مكتملة بعد. بشكل عام على أي نظرية جاذبية كمومية أن تتضمن المكونات التالية :

قد يبدو الأمر غريبا للوهلة الأولى، لماذا على الجاذبية الكمومية أن تتضمن الديناميك الحراري، و نظرية المعلومات ؟

نظر العلماء إلى النموذج الفيزيائي التي يمكن أن يجمع بين النسبية العامة و مكيانيك الكم، و قد وقع الاختيار و بدون أي تردد، على الثقوب السوداء، تلك المناطق التي تتجمع بها كتل ضخمة في مساحة بالغة الصغر لتتحدى بها الفيزياء التي نفهمها. و مع تركيز العلماء على الثقوب السوداء، تمكن هاوكينج من إثبات وجود أنتروبي للثقب الأسود، و بدارسة ( أثر كازيمير) على أفق حدث الثقب الأسودبين أن تلك الثقوب تشع طاقة عن طريق ما يعرف الآن باشعاع هاوكينج. و من هنا فإن دراسة الديناميك الحراري للثقوب السوداء سيقربنا من فهم تكميم الجاذبية، سنعود لاحقا لفيزياء الثقوب السوداء في مقال منفصل.

أما بالنسبة لنظرية المعلومات الكمية، و تناولها لأحد أغرب الظواهر الكمومية، و التي تعرف بالتشابك الكمومي. يجب على نظرية جاذبية كمومية أن تتضمن هذا الفرع الهام من الفيزياء، و يعود السبب أن التشابك الكمومي قد يكون الحل لفهم كيف يمكن تكميم أو فهم الزمكان كموميا. فلو كان لدينا جمليتين كموميتين، فإن التشابك الكمومي بينهما يعني أنهما يوصفان بتابع موجي واحد،و بالتالي فإن قياس أحد الجملتين سيدي لمعرفة مباشرة لحالة الجملة الأخرى. ولأن القياس يؤدي " لانهيار " التابع الموجي، فإن هذا يعني تأثر الجملة الغير مقاسة مباشرة بالقياس على الجملة الأولى. و المثير في الموضوع أن هذه الظاهرة لا تأخذ المسافة بينهما بعين الاعتبار!

إلا أن التشابك الكمومي نفسه يعتمد على المسافة بين الجملتين، فكلما كانت الجملتان أقرب لبعضهما، كان التشابك الكمومي بينهما أكبر، و من هنا فإنه بالإمكان قول العكس: كلما كان التشابك الكمومي بين جملتين أكبر، فإن المسافة بينهما أقل. و هذا أمر هام جدا، فتبطبيق الوصف الرياضي للتشابك الكمومي يمكن اعادة تعريف مفهوم المسافة.

و من هنا تتلخص أهم التجديات النظرية تجاة الجاذبية الكمومية، و هي كون معادلات حقل أينشتين ليست خطية، و اعتماد التفاعل التجاذبي على الزمكان نفسه ( الإعتماد على الخلفية). و ربما السبب الأخير يعد من أكبر التحديات النظرية في السبيل نحو جاذبية كمومية !

ولكن بالرغم من كبر التحديات النظرية، و التي ذكر بعذها هنا و الطسبيل إلى حلها، تواجه نظرية الجاذبية الكمومية تحديات تجريبية هائلة... بالنظر فقط إلى الظروف التي كان بها الكون عندما كانت القوى الأربع متحدة ( كما يعتقد أغلب المجتمع الفيزيائي ) فإن الطاقة كانت ذو كثافة هائلة، لن تحققها مسرعات الجسيمات مهما كبرت ( سننقاش السبب في الأسفل). و كون الجسيمات التي " تكمم الحقل التجاذبي" و التي تعرف بالجرافيتونات شديدة الضعف مع التفاعل باقي الحقول، و لاعتمادنا على التفاعل الكهرومغناطيسي بآلات الرصد عموما، فإن رصد أي من الجرافيتونات ( حتى قرب ثقب أسود) سيكون أمر أقرب للمستحيل، على الأقل بالطرق التي نتبعها الآن في فيزياء الجسيمات. تبدو هنا الأمواج الثقالية كبصيص أمل لرصد الجرافيتونات. ولكن الأخيرة ليست سهلة الرصد، بالرغم مما أعدته مراكز الأبحاث من أجهزة عبقرية للرصد، إلا أن جميع المحاولات لم تكلل بالنجاح بعد.

إن التحدي الأساسي للجاذبية الكمومية هو تلك الأبعاد الصئيلة للغاية ( بمقاييسنا) التي تعمل عليها هذه النظرية – أيا كانت- بالرغم مما تعطيه لنا فيزياء القرن العشرين من العلاقة بين " الأبعاد الضئيلة" و الطاقة.

حيث تخبرنا العلاقة أننا إن أردنا الخوض أعمق وكل ما علينا هو دفع طاقة! ولكن هذا ليس صحيحا تماما، فحشر كمية كبيرة جدا من الطاقة في مساحة صغيرة سيؤدي لتكون ثقب أسود، وفقا للعلاقة

و التي تعرف بعلاقة نصف قطر ( شفارزتشايلد) حيث لو وصلت الطاقة لرتبة ما يكافىء كتلة بلانك(تساوي تقريبا 22 ميكروجرام) مضروبة بسرعة الضوء، فإن ثقب أسود مجهري سيتكون، و يزداد نصف قكره بزيادة الطاقة وفقا للعلاقة أعلاه. بالتالي يوجد محدودية بمقدار الطاقة التي نستطيع حشرها في مجال ضيق "لرؤية" أبعاد أدق.

و من هنا، يمكن استشعار مدى صعوبة اختبار اي نظرية للجاذبية الكمومية، بالإضافة للصعوبات النظرية. فيبدو أن هذه النظرية ستتطلب عملا توافقيا بين التجريببين و النظررين في السنوات المقبلة القادمة...

 

 

 

المراجع:

 

Zee, A. (2010). Quantum field theory in a nutshell. Princeton university press.

Feynman, R. P., Hibbs, A. R., & Styer, D. F. (2005). Quantum mechanics and path integrals: Emended edition. Dover Publications.

 

Jauch, J. M. (1968). Foundations of quantum mechanics (Vol. 7). Reading, Massachusetts: Addison-Wesley.

Giudice, G. F., Rattazzi, R., & Wells, J. D. (1999). Quantum gravity and extra dimensions at high-energy colliders. Nuclear Physics B544(1), 3-38.

Thiemann, T. (2003). Lectures on loop quantum gravity. In Quantum Gravity(pp. 41-135). Springer Berlin Heidelberg.

Susskind, L., & Uglum, J. (1994). Black hole entropy in canonical quantum gravity and superstring theory. Physical Review D50(4), 2700.