وقفة تأملية في قوانين الفيزياء

الفوضى المتناغمين بشكل فريد. فتارة أجد الفيزياء علم العشوائية و العبثية و تارة أخرى، لا أكاد أصدق مدى رتابتها و أناقتها، ولكن هذا التناقض ليس عبثيا بالمطلق، بل ستجدون به أنماطا و جمالا.

إن الفيزياء لا تصف الحقيقة المطلقة، و ربما لا يوجد ما يصف الحقيقة المطلقة، بل إن الفيزيائي يصف الطبيعة ( أو جزءا منها) كما يصفها الفنان، فالوصف دقيق لدرجة ما و حسب، ولو دققتم النظر بمنحوتة أو لوحة لرأيتموها عشوائية و غير دقيقة في تفاصيلها.. إلا القليل من الأعمال الفنية ! و كذلك النظريات الفيزيائية، فهي جميلة و مرتبة لدرجة معينة من الدقة، ولو أردنا معرفة المزيد من خلال تلك النظرية، لن نستطيع رؤية شيء سوى الفوضى من خلالها!

إذا، ما هي قوانين الفيزياء ؟ هل نحن من وضعناها، أم هي الحقيقة المطلقة ؟

القانون يعطي تنبؤات قابلة للقياس، بينما النظرية ( و التي تتكون من عدة قوانين) بمجملها تعطي تفسيرا كاملا لظاهرة أو مجموعة من الظواهر. في الفيزياء، نعتمد كثيرا على الرياضيات في صياغة القوانين كي تعطي تنبؤات كمية و ليس فقط وصفية ضمن نسب خطأ محددة و معلومة. لا يوجد سبب واضح لماذا تنجح الرياضيات في الوصف الكمي " لتصرف" الطبيعة.. ولكن يعود استخدام الرياضيات في وصف الطبيعة إلى اليونان القديمة و فروض فيثاغورث حول التناغم الموسيقي و الطبيعة و الأرقام.

إن النقاش المقنع حول سبب نجاح الرياضيات في الوصف الكمي لسلوك الطبيعة هو التناظرات التي تملأ الفيزياء، و الرياضيات مبنية بالأساس على دراسة التناظرات و الأنماط... إذا تبدو الرياضيات هي الوصف المناسب لهذه التناظرات التي تملأ العالم الفيزيائي.

ولكن ما مدى " حقيقة" هذه التناظرات؟

التناظر هو التطابق و عدم التغير، فالقول أن مثلثلا متناظر حول المحور العامودي، يعني أن المحور هذا يقسم المثلث لقسيمن متطابقين، و يمكن تعميم مفهوم التناظر ليشمل التماثل عند اجراء تغيير/ تحويل لنظام ما ( كتدوير المثلث متطابق الأضلاع بزاوية 120 درجة).

أحد أجمل المبرهنات في الفيزياء، هي مبرهنة نوتر، لعالمة الرياضيات الألمانية إيمي نوتر. و التي تنص أن أي تناظر في جملة فيزيائية يرافقه ( قانون حفظ). فالتناظر في جملة ما عند انتقالها في الإحداثيات يرافقه قانون حفظ كمية الحركة الخطية، و عدم التغير في حالة جملة ما بالنسبة للزمن ، يعني أن تلك الجملة محافظة ( أي أن التناظر بالنسبة للزمن يقتضي قانون حفظ الطاقة) و غيرهما من الأمثلة. ولكن الطبيعة أحيانا تغش !

لنأخذ قانون حفظ الطاقة على سبيل المثال، إن قياس طاقة جملة كمومية في فترة قصيرة من الزمن قد لا يحقق هذا القانون، فوفقا لمبدأ الريبة لهايزنبرغ، فإن قياس الطاقة يقايض بقياس الزمن، وهو نتيجة مباشر لرياضيات أخرى ( غير تلك التي تصف التناظرات). و كمثال على هذه النقايضة، تحلل بيتا – التفاعل الضعيف- الذي يحول النيوترون إلى بروتون مثلا، فإن الجسيم ( البوزون) الحامل للقوة الضعيفة و الذي يعرف بجسيم دبليو ذو طاقة أعلى بثمانين مرة من طاقة التفاعل ككل، فإن هذا البوزون له فترو استقرار قصيرة لللغاية. فكأنه قايض الطبيعة على فترة وجوده !

هل هذا يعني أن قانون حفظ الطاقة خاطئ ؟ هل هذه التناظرات ( التجريدية) مجرد وهم ؟ ما قيمتها من الحقيقة؟ الإجابة هي لا، فقانون حفظ الطاقة من أهم اسس الفيزياء، ولكنه قانون احصائي، أي لو كانت فترة القياس كبيرة جدا، فإن الريبة بالطاقة تؤول إلى الصفر. فهذا القانون هو تقريبي ( ولكن لدرجة هائلة من الدقة) و ليس مطلقا !

إذا، و إجابة على السؤال الأول، فإن الرياضيات لغة المطلق، لغة الحقيقة ... ولكنها ليست إلا تقريبات للعالم الفيزيائي، نعم تقريبات ! و لكنها تقريبات جيدة جدا. ولكنها تطل لا تساوى الحقيقة المطلقة، و التي يبدو إلى حد الآن أنه لا وجود لها في عالم الفيزياء. أما سؤال إن كنا قد وضعناها محاولين ترويض عبثية الطبيعة، فإنه سؤال أتركه مفتوح.. لأنه لا يبدو لي أو لأي فيزيائي آخر إجابة واضحة و مقنعة له. ربما سأطرح وجهة نظري المستقاه من التحليل الرياضي، القوانين تعكس حالة الطبيعة ولكن بتقريب معين. فعند محاولة ايجاد حلول للمعادلات التفاضلية الفيزيائية، غالبا ينتهي بنا الأمر بإيجاد حلول عددية تقريبية، أو نضطر " لفرد" تابع فيزيائي ما ، نجهل صيغته التحليلية إلى متستلسة لا متناهية، نأخذ فقط أولى الحدود منها، أو بصيغة أخرى، نتجاهل الأعداد الصغيرة جدا التي لن نتمكن من قياسها في التجارب. و منه، فإن دقة قواني الفيزياء هي حقا مرتبطة بدقة قياسنا !

كيف تتصرف الطبيعة ؟

من الموسيقى الهادئة إلى انفجارات النجوم و حركات الكواكب، و أطياف الذرات ... أينما نظرت ستجد ذلك السلوك الأنيق رياضيا ، ألا وهو السلوك الموجي أو التذبذبي. الطبيعة مليئة بهذه الحركة. ولا تكاد جملة فيزيائية أن تخلو من حالة تذبذب. و بالأخص التذبذب التوافقي، و هو الحالة الأجمل من التذبذب. هنا نقطة التقاء الفيزياء بالفن، فالموسيقى تعتمد على الذبذبات ( بالأخص التوافقية منها) و الألوان هي أطوال موجية مختلفة. و حسب ما يعتقد بعض النظريين، التذبذب هو الحل لنظرية كل شيء، حيث يعتقد بعض العلماء أن كل ما يشكل القوى و المادة، ليس إلا " خيوط" دقيقة مكونة من بعد واحد ؛ تعرف بالأوتار. تهتز تلك الأوتار في متعدد شعب شعرف بفضاء كلابي ياو، و هو فضاء من تسعة أبعاد ميكروية ( طولها من طول بلانك) و كما هي السمفونية جميلة بألحانها، فإن الطبيعة هي اوركسترا هائلة من أنغام هذه الأوتار! بالطبع ينقص هذه الفرضية الكثير من العمل حتى نتأكد من انطباقها على الواقع أم لا. إلا أنها تمثل مثالا فريدا على أهمية التذبذب في الطبيعة !

و كمؤمنة جدا بفلسفة الجمال الرياضي، فإن رياضيات هذه الحركة هي الأجمل! و التر تعرف بفضاءات هيلبرت و التحليل التوافقي و تحليل فورييه. تشعرون و أنتم تدرسونها أن الطبيعة تتحدث إليكم، يمكنكم بالطبع الإحساس بذلك في كل مرة ترون فيها تحويل فورييه !

إن المذهل هو النظر لتفسير هذه الحركة، لماذا الطبيعة تحب الموجات ؟

لسبب ما، الطبيعة ليست إلا مجموعة من الحقول، تتبع هذه الحقول قوانين ميكانيك الكم، و لذلك نسميها بالحقول الكمومية. و يوجد استثناء واحد فقط ألا و هو الحقل التجاذبي ( الزمكان) الذي يبدو أنه لا يهوى التكميم ( أو لابما لم يأتي أحد و يقنع الزمكان أن يلتزم بميكانيك الكم) فإن القانوالأساسي الذي ينطبق عليهما ، هو قانون الفعل الأقل، و الذي يحكم تطور الجمل الديناميكية بالنسبة للزمن بحيث يحدث ( أقل) تغير ممكن ! فالمبدأ الذي ينطبق على الجسيمات هو سلوك المسارات الأقل احداثا للتغير ( المحبة للتناظر) قدر الممكن!

و عند تطبيق هذا المبدأ على الحقول، نجد أن الحلو هي حلول لموجة ... لايحتاج الأمر الكثير من التحليل الرياضي للاحساس بالأمر، فالموجة تحدث تغيرا في الحقل تارة بالسالب و تارة بالموجب و كأن محصلة ما " يدفعه" الحقل كي يتغير ديناميكيا هي صفر، ولكنها مزاحة قليلا لجهة معينة.

ولكن لماذا الطبيعة تكره التغيير و تحب الناظر ؟ حيث يظهر التناظرة مرة أخرى هنا!

المبدأ الخاص بالفعل الأقل يبدو و للوهلة الأولى أن الطبيعة كحاسب عملاق، فهي تحسب كيف يمكن للجسيم أن يحافظ قد الإمكان على التناظر؟ و كأنها تحسب ما المسار الكامل التي تسلكه! و لكن الأمر ليس هذكا، فكل ما على الجسيم/ الحقل فعله . هو الاتباع اللحظي لمبدأ الفعل الأقل..الأمر مختلف قليلا في الحالة الكومية، ولكن الأمر متشابه بشكل عام.

الطبيعة هي الملهم الأول للجمال، سوءا كان فنيا أ رياضيا !

 

المراجع:

Zee, A. (2010). Quantum field theory in a nutshell. Princeton university press.

 

Rota, G. C. (1997). The phenomenology of mathematical beauty. Synthese,111(2), 171-182.

 

Cardy, J. L. (1996). The mathematical beauty of physics. arXiv preprint cond-mat/9607163, 113-125.

 

Chandrasekhar, S. (1987). Truth and beauty: Aesthetics and motivations in science (pp. 153-154). Chicago: University of Chicago Press.

 

 

Feynman, R. P. (1967). The character of physical law (Vol. 66). MIT press.

Chicago