1905 السنة العجائبية ﻵينشتاين

في مكتبه المتواضع، يراقب القطارات... هكذا كان يمضي ألبرت اينشتين اليافع يومه، كان يسرع في انجاز المهام التي وكلت إليه من قبل مكتب براءات الإختراع في برلين، لكي يجلس و يتأمل القطارات.... تأملاته تلك تمخضت أفكارا غيرت ملامح الفيزياء إلى الأبد !

وصف أينشتين مكان عمله على أنه محراب تأمله الطبيعة و الفيزياء، و إنه لم يكن ليحظى بمكان أفضل لذلك ! خبرة أينشتين و شغفه بالفيزياء مكناه من اتمام عمله بشكل سيع و جيد ليختلي مع أفكاره تلك حول الضوء و الكوب عليه و مسابقته كما كان يحلم. إن قدرته المميزة على فهم الفيزياء بهذه الصورية الجميلة أعطته أفضلية في حل مسائل الفيزياء العالقة في عصره.

 

كان الضوء هو اللغز الأكبر، لم يكن مفهوما كيف يمكن للضوء أن يحرر إلكترونات من معدن إن كان يتردد معين، و ليس له علاقة بكثافة الضوء هذا، فالتفسير كان أن الضوء يسخن الممعدن و تطرد الإلكترونات مع على سطحه نتيجة لذلك، و بلكن هذا التفسير ( الكلاسيكي) لم يكن يحل قضية تناسب التردد و ليس الكثافة الضوئية مع تحرر الإلكترونات.

في ورقته الأولى من سنته العجائبية ( 1905) استفاد أينشتين من أبحاث ماكس بلانك بخصوص تكميم الطاقة Quantisation of Energy ليطبقه على أنموذج الظاهرة الكهروضوئية. بين أينشتين في ورقته بعنوان (. "Über einen die Erzeugung und Verwandlung des Lichtes betreffenden heuristischen Gesichtspunkt")و التي تعني الإنتاج و التحول في الضوء من ناحية ارشادية. أن الضوء مكون من جسيمات (كمات) تدعى بالفوتونات، لهذه الفوتونات طاقة تتناسب مع ترددها، و لكي يقوم يتحرر الاكترون من سطح المعدن على فوتون واحد فقط الاصطدام به و تحريره، و على طاقته أن تكون تساوي أو أعلى من طاقة ( العتبة).

تلك الورقة كانت إحدى أهم أعمدة تأسيس نظرية الكم. و التي لاحقا طرحت السؤال حول ماهيو الضوء، فورقة أينشتين هذه تبين أن الضوء مكون من جسيمات كما ذكرنا، ولكن معادلات ماكسويل الشهيرة، و التي وحدت القوى الكهرومغناطيسية في جملة من ثمان معادلات غاية في الأناقة، بينت أن الضوء عبارة عن موجة ... موجه كهرومغناطيسية.

بالطبع كانت معادلات ماكسزيل إنجازا تاريخيا في الفيزياء، فكانت بالإضافة لأناقتها في وصف النظرية الكهرومغناطيسية، أيضا كانت هامة في لفت نظر الفيزيائيين إلى أسئلة عميقة مثل، كيف يتحول الحقل المغناطيسي إلى آخر كهربي حسب مرجع الإحداثيات؟ و أيضا... إن كان الضوء موجة، و الموجة اهتزاز وسط ما حسب الفيزياء الكلاسيكية، إذا ما الذي يهتز ؟

حاول العلماء حينها افتراض وسط ساكن يدعى بالأثير، و لكن فرضية الأثير لم تلقى أي دعم من التجارب. و كانالواضح أن على العلماء التخلي عنها. في ورقته بعنوان "Zur Elektrodynamik bewegter Körper" و التي تعني حول إلكتروديناميك الأجسام المتحركة. وضع أينشتين نظريتة النسبية الخاصة، و التي تبين أن الضوء لا يحتاج لأثير لكي يتحرك فيه، و أن سرعته ثابتة مهما كانت سرعة المراقب لها و بأي محور إحداثيات. و لكن ما يتغير هو الزمن و الطول، فكلما زادت سرعتك سارت ساعتك بشكل أبطأ و مر الزمن عليك بشكل أبطأ! هذه الورقة غيرت مفهومنا عن الزمان و المكان، أو ما قد أصبح الزمكان حينها. المذهل أنها معتمدة على مراجع قليلة و رياضيات ليست بالمعقدة. و لكنها كانت ورقة حتما تاريخية . سميت بالنسبية الخاصة لأنها تتداول محاور الإحداثيات العطالية فقط ( التي تتحرك بسرعة ثابتة) و التي قامت أيشتين بتعميمها في 1915 بنظريته النسبية العامة. ليغير فيزياء نيوتن حينها بالمطلق ! حيث زمن نيوتن الثابت الذي يسري مسقلا على غيره أصبح نسبيا و متغيريا و يختلف من مراقب إلى آخر !

 

منذ أكثر من 23 قرنا و الجدال حول وجود الذرة لازال قائما إلى أن نشر أينشتين ورقته بعنوان "Über die von der molekularkinetischen Theorie der Wärme geforderte Bewegung von in ruhenden Flüssigkeiten suspendierten Teilchen" و التي تعني، حول حركة الدقائق الصغيرة المعلقة في سائل غير متحرك كمتطلب للنظرية الحركية للحرارة. طرح فيها أينشتين أن تلك الدقائق المعلقة في سائل أو غار، كذرات الغبار حتى لو كان الهواء غير متحرك ليست إلا دليلا على وجود الذرات حيث بسبب الحرارة تتحرك الذرات و تتصادم مع تلك الدقائق محدثة الحركة البراونية التي وصفها عنوان ورقته.

 

لم ينه أينشتين سنته العجائبيه بعد ! العادلة الشهيرة التي يعلمها حتى أقل الناس اطلاعا على الفيزياء E=mc^2، و بالرغم أن المعادلة ذاتها لم تظهر في ورقته "Ist die Trägheit eines Körpers von seinem Energieinhalt abhängig?" و التي تعني: هل لعطالة الأجسام علاقة بمقدار الطاقة التي تحتويها ؟

كانت تلك العلاقة نتيجة لنسبية الكتلة، فتخيلوا قطارا يحاول مسابقة الضوء! يسري أسرع فأسراع، يحرق المزيد من الوقود ليحوله لطاقة حركية، ولكن هذا القطار لن ينجح بسباق الضوء حسب النسبية، لأن الزمن سيبطؤ، و لكن أين ستذهب كل تلك الطاقة ؟ الجواب... لكتلة القطار، فسيصبح أكثر كتلة شيئا فشيئا كلما حاول السير بسرعة أكبر ( سرعات تقارن بسرعة الضوء) .

و من هنا، العلاقة أعلاه، وحدت بين الكتلة و الطاقة، و غيرت مفهومنا عنهما. فلم يعد نظر للطاقة على أنها مستقلة عن المادة بعد الآن !

 

بالرغم من الاحباط الذي مر به أينشتين بالفترة بين تخجه من كلية العلوم و 1905 إلا أن السنة هذه غيرت مجرى حياته كما غيرت مجرى الفيزياء أيضا !

 

المراجع :

 

- كاكو ميتشو، كون أينشتين- كيف غيرت رؤى أينشتين من إدراكنا للزمان و المكان، ترجمة شهاب ياسين.

- Greene, B. (2007). The fabric of the cosmos: Space, time, and the

texture of reality. Random House LLC.

 

-Penrose, R., & Jorgensen, P. E. (2006). The road to reality: a complete guide to the laws of the universe. The Mathematical Intelligencer, 28(3), 59-61.

 

- Das wunderjar Albert Einsteins, Josef Honerkamp

https://www.physikemeriti.uni-freiburg.de/josef-honerkamp/Alte%20Vortrae...

 

Einstein, Albert (1905). "Über einen die Erzeugung und Verwandlung des Lichtes betreffenden heuristischen Gesichtspunkt". Annalen der Physik 17 (6): 132–148.

 

Einstein, Albert (1905). "Über die von der molekularkinetischen Theorie der Wärme geforderte Bewegung von in ruhenden Flüssigkeiten suspendierten Teilchen". Annalen der Physik 17 (8): 549–560.

 

Einstein, Albert (1905-06-30). "Zur Elektrodynamik bewegter Körper". Annalen der Physik 17 (10): 891–921.

 

Einstein, Albert (1905). "Ist die Trägheit eines Körpers von seinem Energieinhalt abhängig?". Annalen der Physik 18 (13): 639–641