زمكان نيوتن منحني

إن أحد الاعتقادات الخاطئة والسائدة بين العامة هي أن النسبية العامة هي نفسها النظرية الهندسية للجاذبية، أي أنها النظرية التي جعلت من الجاذبية تغيراً في هندسة الزمكان بدلاً من اعتبارها كقوة. إن النسبية العامة تعتمد على مفهوم زمكانٍ منحنيٍ بالطبع، ولكن حتى ميكانيك نيوتن تحتاج لزمكان منحنٍ كوصفٍ للجاذبية بدلاً من تصورها كقوةٍ. لهذا، لا علاقة للنسبية العامة بكون الزمكان منحنٍ.

يمكننا أن نتوصل لهذا المفهوم الأساسي والدقيق عبر تسلسلٍ منطقيٍ للمقاهيم التالية:

1. قوانين نيوتن

وضع إسحاق نيوتن قانونين أساسيين لوصف حركة الأجسام، يمكن وصفهما بالمبادئ أو الأسس التي تقوم عليها الميكانيك الكلاسيكية.

القانون الأول:
يتحرك الجسم الذي لا تؤثر عليه قوةٌ خارجيةٌ حركةً منتظمةً وبخطٍ مستقيمٍ.

القانون الثاني:
إن أي انحرافٍ عن الحركة المنتظمة بخطٍ مستقيمٍ سببه قوةٌ تؤثر على الجسم، ويتناسب الإنحراف مع كتلة هذا الجسم عكسياً.

إن الصياغة السابقة لهذين القانونين صياغةٌ دقيقةٌ هندسياً، ولكن كيف يتوجب علينا قراءة هذين القانونين؟

يمكن اعتبار القانون الأول "حالةً خاصةً" من القانون الثاني، حيث إن لم تؤثر قوةٌ ما على الجسم فإنه سيتحرك حركةً منتظمةً وبخطٍ مستقيمٍ. ولكن نيوتن لم يكن ساذجاً بهذا الشكل. إن كان القانون الأول بالفعل حالةً خاصةً من القانون الثاني فلا يوجد أي ضرورةٍ لذكره منفرداً، ولكن يجب قراءة القانون الأول بشكلٍ مختلفٍ. إن القانون الأول هو الوصف الفيزيائي لمعنى كلمة "خط مستقيم"، أو التعريف الفيزيائي لهندسة الفضاء. ربما يبدو الخط المستقيم واضحاً للرياضيين على ورقةٍ بيضاء، ولكننا بحاجةٍ لتعريف ما نقصده بالخط المستقيم في الطبيعة، لأن عندها فقط يمكننا معرفة إن حصل انحرافٌ عن هذا المسار أم لا. بالتالي لا يمكننا اختبار قانون نيوتن الثاني قبل اختبار "الخط المستقيم" الذي يوفر القانون الأول لنا تعريفاً فيزيائياً له. لذلك تعتبر الصياغة السابقة دقيقةً هندسياً.

 

2. مشكلة الجاذبية:

نحن الآن بكونٍ به أكثرٌ من جسيمٍ واحدٍ، وهذا أمرٌ مسلمٌ به. كل الأجسام لها كتلةٌ وكل الكتل تتفاعل مع بعضها تجاذبياً، ويمكننا القول من حيث المبدأ أنها تؤثر على بعضها بقوة الجاذبية على مسافاتٍ لا متناهيةٍ، وذلك حسب قانون نيوتن التجاذبي الشهير:

أو كما أفضل التعبير عنه عن طريق معادلة بواسون للحقل

ما يهم في هذه المعادلات أن مدى أثر الحقل التجاذبي غير محدودٍ، وبالتالي ستؤثر الكتل على بعضها بقوة الجاذبية مهما كان بعدها عن بعضها نظرياً، ولهذا لا يمكننا إيجاد أي نقطةٍ في الكون بها أكثر من جسيمٍ واحدٍ1 يمكننا تطبيق قانون نيوتن الأول بها. بناءً على هذا، لا يوجد لدينا طريقةٌ فيزيائيةٌ لوصف الخط المستقيم، وبالتالي يصبح قانون نيوتن الثاني غير دقيقٍ، فكيف نعرف الانحراف عن الخط المستقيم إن لم نعرف ما هو الخط المستقيم في البداية!

يوجد طريقةٌ أخرى للتفكير بالأمر، وهو عن طريق "محاور الإحداثيات العطالية"، حيث أن قوانين نيوتن منطبقة فقط على الراصد في محور إحداثيات عطالي. ولكن لا أحبذ التطرق للراصد ومحاور الإحداثيات لأن البنية الحقيقة للقوانين الفيزيائية مستقلةٌ عن الراصد حقيقةً، ولأن بإمكاننا وباستخدام الهندسة التفاضلية تعريف الخط المستقيم مستقلين عن أي محور إحداثيات أو راصد 2.

إذا الجاذبية تسبب مشكلةً إن اعتبرناها كقوةٍ، فإذاً يجب علينا إنقاذ قوانين نيوتن بتغيير هذه الصورة عن الجاذبية (دون التطرق للنسبية).

 

3. مبدأ التكافؤ الضعيف وتناظر غاليليو.

إن رمينا ورقةً وحجرً من ارتفاعٍ سنجد أن الورقة تحتاج لوقتٍ أطول كي تصل للأرض. ستقود البعض هذه الملاحظة خطأً للظن أن كتلة الجسم تحدد مقدار "تأثره" بالجاذبية. وبالتالي فإن الأجسام الأكبر كتلةً تتأثر أكثر بالجاذبية وتسقط أسرع، أي أن لها تسارعاً أكبر. ولكن في الواقع وبالقليل من التحليل الرياضي سنجد أن لا علاقة لكتلة الجسم بتسارعه التجاذبي، بل إن التسارع التجاذبي صفةٌ تعتمد على الحقل التجاذبي التي تصفه معادلة بواسون:

يأتي الحد الأول من المعادلة من قانون نيوتن الثاني، بينما الحد الثاني من قانون نيوتن للجاذبية بتصورها قوةً تتناسب مع كتلة الجسم والحقل التجاذبي.

وبما أن كتلة الجسيم لا يمكن أن تساوي الصفر يمكننا " شطبها" من المعادلة لنحصل على :

بالتالي، يكون تسارع الجسم مساوياً لمقدار الحقل التجاذبي (عند نقطةٍ معينةٍ). هذا ما يعرف بمبدأ التكافؤ الضعيف. نلاحظ هنا أن الجاذبية " كقوةٍ" لا يتناسب تسارعها مع الكتلة، وهذا ما لا تنص عليه مسلمة نيوتن الثانية. ولو قمنا برمي الورقة والحجر في فضاءٍ مُفرّغٍ من الهواء لوصلا الأرض في نفس الوقت.

4. تساؤل لابلاس:

قبل ان يولد ألبرت أينشتاين حتى، قام الفيزيائي والرياضي الفرنسي بيير لابلاس بإدراك المعضلة التي عرضناها في (2)، وبالرغم من عدم امتلاكه للأدوات الرياضية الملائمة للتساؤل عما يجب فعله الآن أو حتى للإجابة بشكلٍ دقيقٍ على التساؤل. قام لا بلاس بالتساؤل إن كان بالإمكان إنقاذ نيوتن واعتبار الجاذبية ت غيراً بهندسة الفضاء، وليست كقوةٍ. وذلك بالتفكير بحركة كرةٍ في انحناءٍ قمعيٍ لسطحٍ كما في الشكل. ذلك على أنها النموذج الثنائي الأبعاد لرحلة الكواكب حول الشمس، فالشمس تحني الفضاء والكواكب تدور في "خطٍ مستقيمٍ" ولكن في فضاءٍ منحنٍ.

كان الجواب على تساؤله هذا هو لا بالطبع، لا يمكنك فعل هذا! 3 فالجاذبية ليست انحناءً بالفضاء. ولكن لابلاس لم يقرأ قانون نيوتن الأول بتمعن كافٍ.

 

5. الزمكان

إن فشل لابلاس بتغيير صورة الجاذبية يكمن بأنه نسي أن قانون نيوتن الأول لا يتضمن الحركة بخطٍ مستقيمٍ فقط، بل ويشمل أيضا الحركة المنتظمة (ما يسمى بسرعة ثابنة). بالتالي يوجد جزءٌ آخرٌ من المعلومات متعلقٌ بكيفية "معايرة" المسار بالنسبة للزمن. بالنظر لرسومات الحركة في خطٍ مستقيمٍ في محاور الزمكان نجد أن الخط المستقيم في الزمكان يقتضي حركةً بخطٍ مستقيمٍ في الفضاء وحركةً منتظمةً. بالتالي يمكننا التخلي عن المعايرة والاكتفاء بحركةٍ في خطٍ مستقيمٍ في الزمكان وليس فقط في الفضاء.

إن الزمكان لا يعني الزمان والمكان، بل إنه مفهومٌ واحدٌ، تكوينٌ رباعي الأبعاد يعرف بالمنطوية4 ولا يوجد بها تمييزٌ بين الزمان والمكان.

بتطبيق نفس النقاش، إن عدنا إلى تساؤل لا بلاس في الزمكان، فالإجابة عليه ستكون بنعم. نعم، يمكن اعتبار الجاذبية تغيراً بهندسة الزمكان بحيث تبقي على بنية الفضاء بنيةً مسطحةً (ضمن إطار ميكانيك نيوتن).

 

إذاً فالجاذبية حسب ميكانيك نيوتن عبارةٌ عن تغيّرٍ (انحناء) في الزمكان، والأجسام التي لا تتعرض لقوى (غير الجاذبية) ستتحرك في خطوطٍ مستقيمةٍ في الزمكان وفقاً لقانون نيوتن الأول.

 

 

6. الزمان والمكان المطلق:

إن تعريف الزمكان كمنطويةٍ غير كافٍ لتحديد ماهيته كما عرفه نيوتن، هنا نعرض تعريفاً للمكان والزمان المطلقين ومعناهما الهندسي، فنحن بحاجةٍ لهذين التعريفين كي نستطيع إعادة بناء قوانين نيوتن بشكلٍ هندسيٍ في الاستنتاج رقم (7).

المكان المطلق:5

و يسمى أيضاً بالفضاء المطلق، ليكن لدينا منحنٍ ما (مسارٍ ما لجسيم) في لحظة ما، وموقع الجسيم في منطوية الزمكان يتمثل بنقطةٍ عليها. جميع النقاط على المنطوية في زمنٍ معينٍ يمكن اعتبارها كمستوىً (ثلاثي الأبعاد) غير متصلٍ مع المستوى في لحظةٍ زمنيةٍ أخرى. وبهذا إن حدث في زمنٍ ما منفصلٍ عن حدثٍ في زمنٍ آخر. حيث يقع كلٌ منهما في سطحٍ ثلاثي الأبعاد منفصلٍ عن الآخر. إنظر للشكل.
(يمثل الزمن المحور الرأسي، بينما السطوح الأفقية هي ما نعنيه بالمكان المطلق).

 

الزمان المطلق:

الزمن يسري بمعدلٍ ثابتٍ دائماً في جميع الأمكنة المطلقة، أو بالأحرى جميع خطوط العالم. أي أن الزمان يقاس من أي نقطةٍ في منطوية الزمكان بنفس المعدل. 6 ومن هنا نعبر عن اتجاه المستقبل والماضي والمكان، ونحصل على بنية للمنطوية:

إن إتجاه المستقبل هو الإتجاه الموجب لسير الزمن المطلق، بينما إتجاه الماضي هو الإتجاه السالب له. ويكون سير الزمن معدوما عند اتجاه المكان (المسافة بين نقطتين). كما أن الاتجاه الرأسي للأعلى هو المستقبل حسب الشكل السابق، والاتجاه للأسفل هو الماضي، أما الاتجاهات ضمن المستوى نفسه فهي اتجاهاتٌ في الفضاء.

 

7. البنية الهندسية لقوانين نيوتن:

نعرف خط العالم لجسيمٍ ما في منطوية الزمكان كمسار هذا الجسيم في الزمكان. وبهذا يمكننا إعادة صياغة القانون الأول:

إن خط الزمن لجسيمٍ لا تؤثر غليه قوىً في منطوية الزمكان هو منحنى مستقيمِ بها متجهٍ نحو المستقبل.

 

ونعرف القوة كشعاع ( متجه) له اتجاهٌ مكاني (في الفضاء) فقط. ومن هنا يمكننا إعادة صياغة قانون نيوتن الثاني:
إن أثرت محصلة قوةٍ على جسيم فإنها تحدث تغيراً في مساره، ولكنها تبقيه متجهاً للمستقبل، ويتناسب هذا التغير عكسياً مع كتلة الجسيم.

 

وبهذا نختم نقاشنا حول زمكان نيوتن. لنجد أن النسبية ليست ما أنتج زمكان منحن.

 

 

المراجع :

1. Differentia forms and Mathematical Physics. By C.von Westenholz

2. Geometry topology and physics By Nakahara

3. Geometry Spinors and Applications By Hurley and Vandyck

4. Group theory and General Relativity By Carmeli

 

 

 

 

1