نظرية كل شي...

إن الفيزياء التي نناقشها هنا ليست كباقي الفيزياء التي ندرسها في الجامعات، أو التي يعمل بها أغلب الباحثون... إنها أقرب للفن، أقرب للفلسفة... تعيش في كون مختلف عن باقي الفيزياء.. لأنها " فيزياء الرب" ... لم تسمى كذلك لأنها تدرس الثيولوجيا أو الأديان... بل لأنها تدرس أسس الفيزياء، إنها.. " نظرية كل شيء".

... بدأ الأمر بسقوط تفاحة على رأس نيوتن، القصة الشهيرة، بداية التوحيد ... حيث وحد نيوتن بين ما يحرك ما على الأرض أو ما في السماء... توحد الأرض مع السماء بنظرية قوى موحدة ... و قصة العالم الشغوف فاراداي، و جيمس كلارك ماكسويل الذان وحدا القوتين المحيرتين " الكهربية" و المغناطيسية . حيث صاغ ماكسويل النظرية الكهرموغناطيسية في معادلات غاية في الأناقة و الجمال. لم ينتهي التوحيد بعد! فقد وضع ألبرت أينشتين النسبية الخاصة في 1905، و التي كانت خطوة كبيرة في توسيع فهمنا للكون، حيث لم يبت الزمان و المكان أمرين مختلفين سوى في وعينا .. و ظهرت الوحدة بينهما بشكل مهيب في النسبية العامة عام 1915. نظرية "هندسية" تصف الزمكان و الجاذبية.

نظرية " الحقول" باتت أمرا مثيرا، ففي ناحية أخرى، نظرية الكم بدأت تتحول لنظرية " حقل كمومي" على يد عظماء مثل بول ديراك و فيرنر هايزبيرغ. نظرية بدأت تجمع بين القوة الكهرومغناطيسية و القوتين النوويتين المكتشفتين حديثا.

إذا أصبح لدينا حقل "كمومي" يصف القوى الثلاثة، الكهرومغناطيسية، النووية القوية و النووية الضعيفة، و نظرية حقل أخرى ... تصف الجاذبية

ولكن ما هي الحقول ؟ يبدو أن الطبيعة تحب هذا المبدأ !

الحقل هو كمية فيزيائية تأخذ قيما عند كل نقطة في الزمكان . مثل درجة حرارة الغرفة، ستأخذ قيمة معينة تختلف ( أو ربما تكون ثابتة) باختلاف الموقع، و أيضا من الممكن أن تتغير مع الزمن.

في الحقول الكمومية، لو أثرنا الحقل بطريقة ما، فإنه سيعطينا "جسيم" و هذا ما نجده في حالات التصادمات بين الجسيمات. حيث يوجد حقل لكل جسيم أولي، و من الممكن أن تحدث حالات تراكب بين الحقول تلك لتنتج جسيمات أخرى "مركبة" فسر هذا المبدأ لماذا تنشأ كميات هائلة و متنوعة من الجسيمات عند حدوث تصادمات بطاقات عالية . حيث لا يحفظ عدد الجسيمات حينها. ولكن يوجد كميات أخرى تحفظ. تدلنا للتنبؤ بنتاج التصادمات.

إن مصادمة الجسيمات بطاقات عالية، هي وسيلتنا للرجوع بالزمن للوراء ، للحظات الرائعة و المثيرة للفيزيائيين قبيل الإنفجار العظيم ، بمصادمة الجسميات تمت دراسة أنمذجة القوة الكهروضعيفة ( أي التوحيد بين القوة الضعيفة و الكهرومغناطيسية تحت قوة واحدة) ، ورمبا بالمستقبل سندرس أنمذجة التوحيد العظيم ( التوحيد بين القوة الكهروضعيفة و القوية) و لكن اسس هذه النمذجة موجودة وواضحة، فهذه الوقى لها وصف واحد يعرف بالأنموذج القياسي.

ولكن المشكلة الحقيقة هي اخضاع القوة الرابعة لنظرية الحقل الكمومي ... أي صياغة جاذبية كمومية ولكن هذا ليس بالأمر السهل، فيبدو أن الجائبية كمن وضع نظريتها ( أينشتين) لا تحب ميكانيك الكم ! فوصف الجائبية من خلال النسبية العامة ( كتغير في هندسة الزمكان) ليس قابل لأسباب نظرية أولا و تجريبية ثانيا للتكميم كما هو .

ولكن ... لماذا نهتم ؟ كل من الأنموذج القياسي ، و النسبية العامة ناجح في وصف القوى .. أليس هذا ما نريد ؟

بالحقيقة ... لا... لسبب عميق جدا، نحتاج لنظرية واحدة... لنظرية حقل موحدة تصف التناغم بين الزمكان و القوى ... تصف كل شيء !

يبدو التوحيد أمرا يجذب العلماء... أمرا آسرا ... التناظر و التشابه، نكاد نشعر به ... نريد فقط أن نلمسه، تستشعره أقىمنا و طباشيرنا... تحكيه رموزنا ! قصة كل شي، قصة الجمال .

نعمل أن الكون نشأ عن طريق الإنفجار العظيم، و كلما رجعنا بالزمن للوراء زادت كثافة الطاقة، و تغيرت ملامح الفزياء عن اليوم، بطاقة أعلى نرى انصهار القوتين الضعيفة و الكهرومغناطيسية –كما ذكرت سابقا- و القليل إلى الوراء نرى اندماج القوة القوية مع "اختيها" ، فيبدو منطقيا أن الجائبية ستتبع النسف نفسه. كما أننا بحاجة لنظرية مشبه لوصف التفاعل الثقالي بين الجسيمات الأولية ( و إن كان ضعيفا) و أيضا في ظواهر طاقة عالية و كتلة كبيرة ( كما في الثقوب السوداء) نحتاج لنظرية تصف الجائبية بشكل كمومي .

على الأقل هذا ما نقوله ... ولكن لم يفكر أينشتين بهذا بالضرورة عندما اعتكف على نظرية الحقل الموحد. أينشتين لم يكن مهتما بمكانيك الكم، ولم يعلم حتى باكتشاف القوتين النووتين. ولكنه استشعر التناغم و الوحدة في الطبيعة، رآها و شعر بها بالنظر للكهرومغناطيسية و للنسبية العامة.. " إنهما حتما نظرية واحدة" نحن لا نوحد بين القوى، بل نصحح الخداع " البصري" الذي يجعلنا نرى القوة " الواحدة" قوى أربع ! الجاذبية و الكهرومغناطيسية في نظر أينشتين هما قوة واحدة.. ولكننا نراهما قوتين نتيجة "لتفاوت شدتيهما"

كأس التوحيد المقدسة كما أصبحت تعرف، هي الهدف الأسمى تجاه تقدير الجمال... النظرية الأكثر جمالا في الكون... نظرية الجمال ! فهي القطعة الأخيرة في منطومة التناظر، ولكن ... ليست القطعة الأخيرة في حل ألغاز و أحاج الطبيعة !

ربما.... ربما يكون الحل في الهندسة ! فاليونان ربطوا الجمال بالتناظر و الهندسة ... وربما يكون لحل هنالك !