الجاذبية الكمومية Quantum Gravity

البنية الكمومية للزمكان

إن كلّ ما تفعله الآن وكل تحركاتنا جميعاً محكومةٌ بالزمكان فيزيائياً، وكذلك هي كل الفيزياء التي ندرسها. إن جميع التفاعلات الأساسية الثلاثة التي تُبنى على نظريات الحقول الكمومية مبنيةٌ على الزمكان كخلفيةٍ. ولكن ماذا عن فيزياء الزمكان نفسه؟ يا ترى ما هو الزمكان؟ وكيف ندرسه؟

بقي الزمان والمكان منفصلين كخلفيةٍ غير ديناميكيةٍ للفيزياء التي تحصل على أساسها منذ عهد جاليليو ونيوتن ومن بعدهم، فلا فيزياء لهما، فهما يحكمان الفيزياء ويكونان الساحة التي تحصل فيها التفاعلات. بقي الأمر على هذا الحال إلى أن أتى الفيزيائيُ الألماني ألبرت أينشتاين، ولم يكن حينها يسأل عن بنية الزمكان، وبل ربما ظنّ حينها ما كان يظنه غيره عن بنيته. لكنه كان فضولياً لمعرفة الضوء، وأراد أن يكشف أسراره وأن يركب على شعاعٍ ضوئيٍ ويرى العالم من منظور هذا الشعاع! قادت رحلة الخيال هذه إلى كشف أحد أعظم أسرار الطبيعة، وتغيرت من حينها ملامح الفيزياء إلى الأبد!

إن السر العظيم حول الضوء يكمن في أنه يسري بسرعةٍ ثابتةٍ مهما كانت سرعة الراصد له، وهذا ما تنبأت به معادلات ماكسويل التي تصف التفاعل الكهرومغناطيسي، والتي بينت أن الضوء ليس إلا موجةً كهرومغناطيسيةً (أي اضطرابٌ في الحقلين الكهربائي والمغناطيسي). ولكن معادلات ماكسويل لم تظهر الراصد ولم تكترث له. لذلك يمكن القول أن سرعة الضوء ثابتةٌ عند جميع الراصدين، لأن معادلات ماكسويل ثابتةٌ بالنسبة لاختلاف الراصدين. لم يكن أينشتاين وحده من انكب على تفسير هذا الثبات، بل اقترح كل من فتزجيرالد ولورنتز أن الراصد ” ينكمش” باتجاه حركته وبالتالي تقل المسافة التي يقيسها، مما يسمح بالإبقاء على قياسٍ ثابتٍ لسرعة الضوء، وهذا أيضاً ينطبق على قياسه للزمن. قام أينشتاين بالجمع بين هذين التأثيرين وغيرهما ليكوّن نظريةً كهرومغناطيسية لا تصف التفاعلات ضمن زمانٍ ومكانٍ، بل في “زمكان”، وبينت نظريته النسبية الخاصة أن النظريات الفيزيائية جميعها بحاجةٍ لأن تكون مستقلةً عن الراصد، أو ما يسمى بتماثل لورنتز في الكتابات العلمية.

بقي السؤال الذي تطلب من أينشتاين أكثر من عشر سنواتٍ لكي يستطيع الإجابة عليه، ألا وهو ماذا لو كان الراصد متسارعاً؟ في البداية بيّن أينشتاين أنه بحاجةٍ لتفسير الجاذبية كي يجيب عن هذا السؤال، فمبدأ التكافؤ الذي ينص على تكافؤ راصد يتسارع براصدٍ في سقوطٍ حرٍ تحت تأثير مجالٍ تجاذبي. ومن هذا المبدأ بدأت رحلة أينشتاين وغيره من العلماء مثل ديفيد هيلبرت إلى إعادة اكتشاف الجاذبية، وإعادة صياغة قوانينها. تطلب الأمر رياضياتٍ معقدةٍ تسمى بالهندسة التفاضلية، وهو علمٌ يدرس التغاير في ظل خلفيةٍ منحنيةٍ. خلص أينشتاين أخيراً إلى أن الجاذبية ليست إلا تفاعل المادة مع هندسة الزمكان، وأن وجود المادة يؤدي لحني “الزمكان وتغيّر هندسته.”

تم بالفعل إثبات هذا التفاعل بين المادة والهندسة من خلال ملاحظة أثر “انحناء مسار الضوء” تحت تأثير مجالٍ تجاذبي من خلال أثرٍ يسمى بعدسة الجاذبية، حيث يتفاعل الضوء مع الجاذبية أيضاً، وهذا مالم تتنبأ به نظرية نيوتن سابقاً. إن الناظر إلى المعادلات التي تحكم الجاذبية وتلك التي تحكم بالكهرومغناطيسية والتفاعلات التي بينهما سرعان ما يدرك ضرورة وجود نظريةٍ موحدةٍ تصفهما معاً ككيانٍ واحد. أسر هذا الأمر عقل أينشتاين وأصبح هوسه إيجاد تلك النظرية (الكلاسيكية) الموحدة. لكن الأمر لم يتوقف هنا، فالصعوبات البالغة في ايجاد تلك النظرية لم تتوقف عند الرياضيات المعقدة فحسب، بل بضرورة تكميم حقل الجاذبية كما حصل مع الحقل الكهرومغناطيسي، فنظرية حقل موحد لا يمكنها أن تكون كلاسيكية، ربما لم يقتنع بهذا الأمر أينشتاين ولكنها ضرورةٌ حتميةٌ لا مفر منها!

تجلى ذلك بوضوح عند اعتبار أحد حلول معادلات حقل أينشتاين التي تسمى بحلول شفارزتشايلد، والتي تتنبأ بكارثة رياضيةٍ وفيزيائيةٍ على حد سواء. هذه الحلول تتنبأ بمنفردةٍ تجاذبيةٍ ينهار عندها معنى الزمكان تماما وتسمى بالثقوب السوداء الآن. وقد بين إدوين هابل أن الكون ليس ساكناً بلا بداية أيضاً، بل لا بد له من أن يكون قد بدأ من نقطةٍ متفردةٍ شبيهٍ إلى حد ما بتلك التي تحدثت عنها حلول شفارزتشايلد. لم ينته الأمر عند هذا فحسب، ولكن حصلت المزيد من الكوارث الفيزيائية عند محاولات تكميم معادلات حقل أينشتاين، فعندها انهارت نظرية أينشتاين والنظرية الكمية. ظهرت تباعداتٍ رياضيةٍ لا معنى لها وكأن الفيزياء الخاصة بالنسبية العامة وتلك في نظرية الحقل الكمومي فيزياءٌ مستقلةٌ تماما، وكأن للطبيعة عقلين مستقلين!

بدت نظرية الحقل الموحد كما حلم بها أينشتاين مستحيلةً، وبدأ الفيزيائيون يتركون المحاولات للجمع بين التفاعلين الجاذبية والكهرومغناطيسي. بالأخص مع اكتشاف قوتين جديدتين تعملان على المستوى ما دون الذري، واللتان سرعان ما تم توحيدهما مع الكهرومغناطيسية وبغضون بضعة عقود تم صياغة النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات والذي يصف التفاعلات الثلاثة مع المادة بدقةٍ. يوجد عالمين منفصلين عن بعضهما إذاً، العالم الأول الخاص بوصف الزمكان والهندسة وتفاعلها مع المادة، والآخر يتمثل بالنموذج القياسي.

قد يبدو هذا مُرضيا للوهلة الأولى. ألا يعد أن يكون لدينا نظريتين فقط تصف الطبيعة إنجازاً عظيماً؟ ألا تتحدث النظرية الكمومية للجاذبية عن مستويات طاقةٍ في هالةٍ بعيدةٍ كل البعد عن الفيزياء الحالية؟

الدافع وراء تكميم حقل الجاذبية (الزمكان):

لطالما زعم البعض أن الوصف الكمومي للجاذبية وبنية الزمكان بعيدةٌ عن فيزياء القرن الواحد والعشرين، حيث أن مستويات الطاقة التي تصبح فيها الجاذبية ذات أهميةٍ في فيزياء الجسيمات الأولية تقع في نطاق 15 رتبةً من رتبة الطاقة التي تعمل بها أقوى مسرعات الجسيمات التي قامت البشرية في بنائها (مصادم الهادرون الكبير). فلدراسة الأثر الكمومي للجاذبية نحتاج لدراسة تصادماتٍ في نطاق طاقة بلانك[1]، والتي تبدو بعيدة المنال عن مصادمات الجسيمات الحالية، ولكن هذا ليس صحيحا تمامًا. حيث تعطينا الطبيعة فرصاً لدراسة الجاذبية الكمومية تجريبياً دون الحاجة لبناء مصادمات جسيمات بمستوى طاقة بلانك.[2]  يوجد على سبيل المثال أحداثٌ كونيةٌ بطاقةٍ عاليةٍ للغايةٍ تبعد عن طاقة بلانك بستة رتب فقط. ولا ننسى أن الخلفية الكونية الإشعاعية القادمة من الانفجار العظيم تحمل أثر تفاعلات الجاذبية الكمومية، ويمكن قياسها إذا ما تمت زيادة دقة وحساسية الأجهزة التي تقيس التغايرات في الطاقة. عدا أنه من الممكن قياس آثار الجاذبية الكمومية في مستويات طاقةٍ بالتيرا إلكترون فولت، مثل انبثاقات أشعة جاما وقياس الموجات التجاذبية.

أتت البيانات القادمة من القمر الصناعي “بلانك” الذي وُكلت إليه مهمة قياس الخلفية الكونية الإشعاعية مؤخراً بمعلوماتٍ جديدةٍ عن نسبة المادة “الباريونية” والمادة المظلمة والطاقة المظلمة. حيث ترتبط الطاقة المظلمة بثابتٍ كونيٍ موجبٍ، والذي يعتقد الكثير من الفيزيائيين فهم ماهيتها مرتبطٌ بالجاذبية الكمومية.  ولا تشكل المادة الباريونية سوى 4% من الكون، أما الباقي فلا يمكن تفسيره بالنظرية الحالية لفيزياء الجسيمات (النموذج القياسي)، مما يحتم علينا البحث خارج هذا النموذج لتفسير ال 96 % الباقية من الكون!

للجاذبية الكمومية أهمية تجريبية إذاً وليست رفاهيةً أكاديميةً فقط، عدا عن ارتباطها بظواهر فيزيائيةٍ تنتظر أن نفهمها ونفسرها، مثل الثقوب السوداء، الطاقة المظلمة، الثابت الكوني، والانفجار العظيم وغيرها. للجاذبية الكمومية أهميةٌ بالغةٌ في الفيزياء النظرية أيضاً، وبالأخص بالفهم العميق والفيزيائي للحقول الكمومية بعيداً عن نظريات الاضطراب.

قد يبدو من المحرج جداً للفيزيائيين أننا لا نفهم حقا سوى الحقول الكمية الحرة لسوء الحظ، والتي تقبع على فضاء منوكسكي رباعي الأبعاد. يمكن تشبيه هذه الحقول الكمومية كمجموعةٍ لا متناهيةٍ من المتذبذبات التوافقية الكمومية الغير مترابطة.

لهذا طور الفيزيائيون طريقتين للخروج من هذا الوضع البدائي والغير فيزيائي لوصف الحقول هذه، وهم نظرية الحقل الكمومي على زمكانٍ منحنيٍ ونظرية الاضطراب. هذا يعني التطور التالي بالنسبة لفيزياء المسرعات، حيث يكون معرفة سعة التشتت هي الأهم. يمكن كتابة المؤثر الوحودي المتعلق بالتفاعلات الخاصة بالتشتت، والذي يقوم بربط فضاء هيلبرت الخاص بالحقول الكمومية الحرة (المفهومة جيداً) في الماضي إلى المستقبل. حيث لا يوجد تفاعل وفقاً لمبرهنة هاغ إن كان المؤثر وحوديا تماماً. أما إن لم يكن … فسيصبح لدينا تباعدٌ في الحسابات (مشابه لما يحصل في كارثة فوق البنفسجي)، مما يضطر الفيزيائيين إلى فرد المؤثر باستخدام المتسلسلات واستبعاد الحدود المتباعدة وغيرها من طرائق نظرية الاضطراب وإعادة التطبيع. لقيت هذه الطرق نجاحاً كبيراً مكللاً بالنموذج القياسي والنموذج الكهروضعيف بالرغم من هذه المشكلات وخاصة مشكلة الاختيار الخاصة بمبرهنة هاغ [3] .

يمكن تلخيص ما نفهمه عن الحقول الكمومية (الحرة-المتفاعلة اضطرابياً) على فضاء مينكوسكي في المسلمات التالية، والتي تعرف بمسلمات ويغتمان:

1-) يوجد تمثيلٌ مستمر وواحدي لزمرة بوينكاريه على فضاء هيلبرت:

Picture1

2-) لمؤثرات كمية الحركة طيفٌ في مقدمة المخروط الضوئي، يعطى بـ:

Picture2

3-) توجد حالة فراغٍ فريدةٍ، متناظرةٍ لزمرة تحويلات بونكاريه:

Picture3

4-) مبادئ الحفظ (التناظر) المحلية واللا محلية، ليكن ϕ  مؤثراً ممسوحاً كتوزيعٍ ( تابع معمم) . فإن التركيبات الخطية:

Picture4

5-) مبدأ المحلية (السببية). إن كانت مجموعةٌ من النقاط حيث تابع ما عندها لا يساوي صفراً، وكانت هذه النقاط مفصولة مكانياً، فإنه لا يمكن أن توصل هذه النقاط بمنحنى غير مكانيٍ.

 

تتضمن مسلمات ويغتمان عناصر أساسيةً لمفهومنا الحالي للحقول الكمومية، ألا وهي: التنسور المتري الخاص بفضاء منكوسكي ɳ ، و بنيته السببية المتمثلة بزمرة بونكاريه وتمثيلاتها على فضاء هيلبرت، وأيضا الحالة المتناظرة للفراغ على المنطوي التوبولوجي القابل للتفاضل   R

بهذا، تفترض المسلمات السابقة خلفيةً غير ديناميكيةٍ ومسطحةً ومتمثلةً بمتري مينكوسكي. أي أن الحقول الكمومية مبنية على منطويات توبولوجية غير ديناميكية حسب مسلمات ويغتمان.

إن وضع الحقول الكمومية على خلفيةٍ معممةٍ (زمكان منحنيٍ) يجعل الأمر أكثر صعوبة، حيث سيبقى لدينا بنية سببية (محلية) ولكن لا توجد تناظرات لا محلية، ولا زمرة تناظر في الحقول الكمومية على زمكان منحنٍ، ولا يمكن تعميم مسلمات ويغتمان حينها. لدراسة التفاعلات في نظرية الحقول هذه (على الأقل بطريقة اضطرابية) يجب اعتبار حقولٍ كموميةٍ محليةٍ، وأخذ “جميع الخلفيات في الوقت عينه”. لن يتم التطرق لتفاصيل هذه العملية هنا.

إن نظرية الحقل الكمومي على فضاءٍ منحني ليست سوى تقريبٍ للعالم الحقيقي لسوء الحظ، فهي تجاهل تماماَ تفاعل المادة مع الهندسة (هندسة الزمكان الموصوفة بالنسبية العامة). وتتجاهل أيضا حقيقة أن الزمكان نفسه مكمم، وضرورة اعتبار هذا الأمر. لذلك ستؤدي مواصلة التمسك بنظرية الحقل الكمومي المبنية على مسلمات ويغتمان (أو تلك على فضاء منحن) إلى نظريةٍ غير تنبئيةٍ وغير قابلةٍ للتطبيع للجاذبية الكمومية، ولن تصف الظواهر الكونية التي تنهار عندها البنية المستمرة للزمكان مثل الثقوب السوداء أو الانفجار العظيم. كما أنها ستفشل تماما بوصف بنى زمكان مثل إن كان الفضاء غير أزومتري. بعبارةٍ أخرى، إن التموجات في “مؤثر” الفضاء المتري تصبح ضرورةً ولا بد من أخذ التأثيرات الكمومية بعين الاعتبار، لأن الوصف الكلاسيكي غير كافٍ في الظروف السابقة.

كما كانت نظرية الكم وتكميم الهاملتوني أمراً ضرورياً لحل مشاكل التباعد في ذرة الهيدروجين وتفسير استقرارها (عدم سقوط الالكترون في النواة لنتيجة لإشعاع الإنكباح-كما تتنبأ النظرية الكهرومغناطيسية الكلاسيكية). فإن تكميم الزمكان يعد ضرورةً أيضاً هنا لمعاملة جميع الخلفيات بنفس المنوال.

نحتاج إذا لنظريةٍ كموميةٍ للجاذبية، تكون مستقلةً عن خلفية الزمكان، بحيث تكون البنية السببية نفسها مكممةً، والمخاريط الضوئية متموجةً تصبح بها المحلية أمراً مشوشاً. حينها يمكن تفسير الطبيعة بشكلٍ أساسيٍ، وتفسير ظواهر أخرى مثل إشعاع هاوكينغ والثقوب السوداء والمتفردات الثقالية وحتى الانفجار العظيم نفسه أيضاً. ستنجح هذه النظرية عندما تنهار نظرية الحقول الكمومية الاعتيادية عندما نجعل الحقل الكمومي هو الزمكان نفسه، وتكون الخلفية (المنطوي القابل للتفاضل) ديناميكية، ولن توجد خلفية حينها.

بالرغم من نجاح النموذج القياسي والديناميك اللوني الكمومي بوصف تصادمات الجسميات حيث يمكن اهمال التفاعل مع الهندسة (لأن الترابط مع الحقل الثقالي ضعيفٌ جداً). ولأن معادلات أينشتاين تصف العلاقة بين الهندسة (انحناء الزمكان) والتنسور الخاص بالطاقة والإجهاد. فإنها مستقلةُ تماماً عن طبيعة المادة ومكوناتها الأساسية. لدرجة ما يبدو أننا بخير بوجود نظريتين للفيزياء: نظرية الحقل الكمومي على زمكان منحن، والنسبية العامة. لكن من وجهة نظرٍ أساسيةٍ فإن هذا ليس صحيحاً أبداً، حيث توجد العديد من الدوافع لتوحيد هاتين النظريتين.

[1] ~1019  GeV
[2] يجب التنويه أيضا أن الطاقة العالية لا تعني بالضرورة القدرة على قياس مسافة أدق، بسبب أثر الجاذبية، فإن الطاقة العالية في مجال ضيق قد تكون ثقوب سوداء ميكروية، تدمر ما أريد قياسه، بعض النظريات التابعة لنظريات الأوتار تتنبأ بثقوب سوداء ميكروية بنطاق طاقة قريب من النطاق الذي يتم الحصول عليه من مصادمات الجسيمات الحالية.
[3] مشكلة الاختيار، تنص مبرهنة هاغ على أن تمثيل التفاعل (المؤثر والتابع الموجي كليهما يحمل اعتمادية على الزمن) غير ممكن، وذلك لأنه في نظرية الحقول الكمومية على فضاء مينكوسكي، لا يوجد تكافؤ بين تحويلين واحديين بين فضائيين هيلبرت ومجموعة من التحويلات الواحدية التي تلبي العلاقات التبادلية المخروطية Canonical commutation relations فتصبح مشكلة اختيار اعتمادية المؤثر أم التابع الموجي ليكون معتمدا على الزمن (الاختيار بين صورة هايزنبرغ أم شرودنجر)
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

توجد هناك العديد من الدوافع الرياضية والفيزيائية التي تحتم وجود الجاذبية الكمومية، حيث تمتلأ الفيزياء الكلاسيكية بالكثير من المشاكل والتناقضات بشكلٍ لا يمكن التغاضي عنه، ومن الأمثلة على هذه المشاكل:

– تناقضات المادة الكمومية مع الهندسة الكلاسيكية:
إن معادلات حقل أينشتاين، تتنبأ بتفاعل بين المادة وهندسة الزمكان:

Picture1

إذاً يجب علينا استبدال تنسور الطاقة-الإجهاد بمؤثر كمومي حيث أن المادة كموميةٌ، ولكن بالحفاظ على الطرف الأيسر من المعادلة كلاسيكياً (هندسة كلاسيكية) نحصل على هذه المعادلة:

بدون عنوان3

وعندما نعوض بدلها بقيمة الفراغ في فضاءٍ منكوسكي:

Picture2

وبهذا نحصل على تناقضٍ عند التعويض في معادلات حقل أينشتاين. وإن تعديل تعريف الفراغ والتعويض مجدداً غير متوافقٍ مع المشاهدات، كما أنها عمليةٌ غير مجديةٍ حيث إن الفراغ نفسه معتمدٌ على الخلفية. لذلك يجب على المرء أن يقوم بتكميم جميع حدود معادلات حقل أينشتاين لتصبح معادلات أينشتاين الكمومية على فضاء هيلبرت مناسبٍ:

Picture3

 

– نظام الفوق بنفسجي، تباعدات نظرية الحقل الكمومي:
في نظرية الحقل الكمومي الإضطرابية، يتم التكامل على جميع الجسيمات الافتراضية في الحلقات ذات الرتب العليا (مثلما يحصل في عملية الطاقة الذاتية). للحدود ذات الرتب العليا، يمكن للجسيمات الإفتراضية أن تأخذ قيم جد عالية لكمية الحركة، و بالتالي سيكون لها طاقة عالية، و زمن استقرار منخفض (حسب مبدأ الريبة) و طول موجي مساوي لطول موجة كومبتون:

Picture4

ولكن حسب النظرية النسبية العامة، إن كانت الطاقة مكافئة لكتلة بلانك، سيكون طول موجة كومبتون أصغر أو مساو لنصف قطر شفارزتشايلد، بالتالي سيتكون ثقب أسود ميكروي، يتحلل حسب إشعاع هاوكينج إلى أي نوع من الجسيمات (ما دامت لها نفس محصلة الكتلة واللف). فمثلا يمكن للنيوترينو أن يتحول إلى كوارك، أو غلوون، وهذا غير مسموح وفقا للأنموذج القياسي. ولذلك، يتوقع من الجاذبية أن تقوم بقطع فوق البنفسجي، وذلك بتكميم الزمكان برتبة مساحة بلانك (كما تفعل الجاذبية الكمومية الحلقية).

– مشاكل الهندسة الكلاسيكية:
مع أن معادلات حقل أينشتاين تتنبأ بوجود الثقوب السوداء أو المنفردات التجاذبية إلا أنها غير قادرة على وصف الزمكان عندها، ولذلك تعاني الهندسة الكلاسيكية من تضاربات.

– تضاربات المادة الكمومية:
إن استخدام نظرية الاضطراب لحل مشاكل التباعدات في نظرية الحقل الكمومية ليس له تفسيرٌ أو تبريرٌ فيزيائيٌ. كما أن الطاقة الخاصة بالفراغ، والتي تهمل حدودها (المتابعدة) أمرٌ لا يمكن التغاضي عنه، فطاقة الفراغ أمرٌ “حقيقيٌ” ذو تأثيرٍ فيزيائيٍ يمكن قياسه (مثل أثر كازيمير). كما يبدو أن لتموجات الفراغ قيمةٌ كبيرةٌ لا يستهان بها من الطاقة، ولا بد من وجود أثر لها يُترك على هندسة الزمكان – ربما من خلال الثابت الكوني-. إن الجاذبية توفر حلاً هنا، بوجود حدٍ لصغر “الطول” فإن المادة + الجاذبية لابد من أن تكون منتهيةً لأن الجاذبية توفر قطعاً للحدود اللانهائية.

– مشكلة الثابت الكوني:
لنأخذ حقلاً عددياً على فضاء منكوسكي، فإن القيمة المتوقعة للمؤثر الهاملتوني في حالة الفراغ، تعطى بالعلاقة التباعدية التالية :[1]

بدون عنوان

يمكن التخلص من التباعد باعتبار أن الأعداد الموجية المسموحة تعطي بالعلاقة:

Picture6

غير مسموحة بسبب الجاذبية (تولد ثقوب سوداء). وبهذا فإن التكامل السابق يصبح متناسباً مع مقلوب مربع مساحة بلانك.  باستخدام هذه النتيجة لحساب هاملتوني الثابت الكوني:

بدون عنوان

 حيث استخدمنا متري مينكوسكي هنا ( فضاء مسطح). و نستنتج من هذا التكامل النسبة:

Picture8

بينما تم تقديرها حسب البيانات التجريبية بأقل من ذلك ب 120 رتبة في الواقع، وهذا يعد الخطأ الأسوأ في تاريخ الفيزياء ! [3]

– مشكلة الجاذبية الكمومية الإضطرابية :
إن محاولة تطبيع الحقل التجاذبي اضطرابياً، بفرد التابع اللاجرانجي كمتسلسلة قوى للمعامل (χ)[2] الذي يمكن اعتباره “الانحراف” عن متري منكوسكي ( الجرافيتون) يؤدي إلى تباعداتٍ حتى في مستوى حلقتين. ولم يتمكن أحد من تبرير التخلص من أي من الحدود المتباعدة. إذاً فالوصفة المتبعة في نظرية الحقول الكمومية الاضطرابية غير نافعةٍ!

قد تنجح الوصفة السابقة بتقديم ثابت ارتباطٍ جديدٍ لا تعهده النظرية الكلاسيكية للجاذبية، ولكن قد يبدو أنه من غير الطبيعي والغير جميلٍ لنظرية أن “تخترع” معاملاتٍ غير موجودةٍ فقط لحل مشكلاتها الرياضية. إن تقديم هذا الثابت (كما في نظريات الأوتار) يكلف النظرية جمالها التنبئي.

– الجاذبية الفائقة:
إن تقديم التناظر الفائق للحقول الكمومية، أدى للتخلص من الكثير من التباعدات في نظرية الاضطراب، وحل بشكلٍ نسبيٍ مشكلة فوق البنفسجي، أو بالأحرى حسن من تباعدها لحد ما، وذلك نتيجةً للإلغاءات الفيرميونية. إذاً يبدو من المنطقي تجربة الجاذبية الفائقة للتخلص من التباعدات، ولكن بينت نقاشات جدية عدم جدوى هذه الطريقة، حتى نظرية إم الشهيرة، والتي تطرح جاذبية فائقة في 11 بعداً لم تظهر بها تلك الإلغاءات ” السحرية” المتأملة من نظريات الجاذبية الفائقة.

إذا يبدو أن الحل الوحيد المرض هو نظرية تجاذبية كمومية ونظرية حقلٍ كموميٍ مبنيةٌ على استقلال الخلفية، لا تعتمد على خلفية الزمكان، بل على منطويٍ آخر، أو ربما لا تعتمد حتى على أي منطوٍ! تعتبر الجاذبية الكمومية الحلقية أحد أكثر النظريات المبنية على استقلال الخلفية نجاحاً وتقدماً، ولكنها لا تزال قيد البناء والتطوير.

 

[1] إن القيمة المتوقعة للهاملتوني في الفراغ، تعطي بالفرق بين الهاملتوني و النسخة المرتبة طبيعيا منه Normally-ordered Hamiltonian H-HN= <0>
[2] قد يكون الثابت الكوني هو الحل لتفسير الطاقة المظلمة، ولكن لايوجد بيانات تدعم هذا لحد الآن.
[3] لإضافة ديناميكية للبنية السبيبية يمكن كتابة المتري على الشكل التالي:
g= η+χحيث يمثل الحد الأول متري مينكاوسكي، بينما الحد الثاني فهو الإنحراف عنه- الجرافيتون.
--------------------------------

المصادر:

  • Thiemann, T. (2007). Modern canonical quantum general relativity. Cambridge University Press.
  • Ehlers, J., & Friedrich, H. (1994). Canonical Gravity: from Classical to Quantum. In Canonical Gravity: From Classical to Quantum(Vol. 434).
  • Kiefer, C. (2007). Why Quantum Gravity?(pp. 123-130). Springer Berlin Heidelberg.
  • Garay, L. J. (1995). Quantum gravity and minimum length. International Journal of Modern Physics A10(02), 145-165.
  • Von Westenholz, C., & von Westenholz, C. (1981). Differential forms in mathematical physics(Vol. 3). New York: North-Holland.
  • Ashtekar, A., Baez, J., Corichi, A., & Krasnov, K. (1998). Quantum geometry and black hole entropy. Physical Review Letters80(5), 904.
  • Hořava, P., & Witten, E. (1996). Eleven-dimensional supergravity on a manifold with boundary. Nuclear Physics B475(1), 94-114