The Standard Model اﻷنموذج القياسي

مما يتكون كوننا ؟

لطالما تساءل الإنسان عن المكونات الأساسية لما حوله وقام بوضع عدة افتراضاتٍ لذلك، منها أن المادة تتكون من أربعة عناصر أساسية: الماء والنار والهواء والتراب. والتي ربطها اليونانيون لاحقاُ مع أشكالٍ هندسيةٍ تُعرف الآن بالأشكال الأفلاطونية. ولكن “النظرية الذرية” ظهرت بشكلٍ أوليٍ لدى مدارس فلسفية يونانية أخرى أيضاً، والتي اقترحت أن المادة تتكون من “جسيماتٍ” صغيرةٍ لا يمكن تجزيئها.

قد يبدو للوهلة الأولى أن اليونانيون كانوا بعيدين جداً عن الجواب الصحيح، ولكنهم في الحقيقة كانوا أقرب مما نتخيل. فربطهم الهندسة والتناظرات بالمكونات الأساسية للمادة أمرٌ نفعله اليوم! كما أن نظريتهم الذرية البدائية ساهمت بظهورها بشكلٍ علميٍ مجدداً بالقرن التاسع عشر على يد جون دالتون.

مرت النظرية الذرية عبر التاريخ بالكثير من التعديلات، حيث بدأت باكتشاف الإلكترون على يد تومسون (الذي يعد أول جسيمٍ نطلق عليه اليوم “جسيمٌ أوليٌ”)، إلى تجارب رذفورد و شيدويك التي أدت لاكتشاف النواة ومكوناتها (بروتونات ونيوترونات). ثم طُورّت النظرية الكمية (لشرودنجر وهايزبنبرغ) لاحقاً النظرية الذرية لتفسر الأطياف الذرية وتعطيها شكلها النهائي كما نعرفه اليوم. وتُشكل نظرية يوكاوا بداية فيزياء الجسيمات في ثلاثينات القرن الماضي.

شكل 1شكل 1

 

تبع ذلك تفسير القوة النووية التي تربط البروتونات والنيوترونات مع بعضها عن طريق نظرية يوكاوا، والتي وضّحت أن النيوكلونات (البروتونات أو النيوترونات) تتبادل جسيماتٍ تُعرف بـ”ـميزونات باي” أو البايونات وذلك بحسب ما تنص عليه نظرية الحقل الكمومي التي تقول بأن أيّ تفاعلٍ بين جسيمين سيحصل عبر تناقل جسيمٍ افتراضيٍ بينهما. وتتحول البروتونات إلى نيوترونات والعكس باستمرارٍ وكأن النيوكلونات ” تهتز” بين حالتي البروتون والنيوترون (شكل 1).

 

من طلب هذه؟

بدأت ثورةٌ كبيرةٌ في فيزياء الجسيمات مع تقدم التقنية في الستينات والسبعينات وبناء مسرعات الجسيمات، فكانت هنالك جسيماتٌ جديدةٌ تُرصد أسبوعياً وتدعى بحالات الرنين. حيث تظهر تلك الجسيمات لفترةٍ بالغة الصغر من الزمن (~ 10-21  ) من الثانية، ويتم رصدها كـ”حالة رنينٍ”(*) عند كتلةٍ معينةٍ (شكل 2). ولم يكن لدى أيٍّ من الفيزيائيين فكرةً عن تفسير كل هذه الجسيمات وإن كانت أوليةً أم لا، وما النمط التي يمكننا من تصنيفها.

شكل 2شكل 2: مقطع عرضي لتصادم بروتون مع جسيم باي متعادل، ويظهر الجسيم دلتا Δ+ كحالة رنين (قمة احصائية).  المصدر CERN

أدت الضرورة إلى التخلي عن فكرة أن البروتونات والنيوترونات والجسميات المكتشفة حديثاً والشبيهة بهما جسيماتٌ أوليةٌ، وأنها حالةٌ محصورةٌ لجسيماتٍ أوليةٍ. ولعبت التناظرات (**) التي تحققها تلك الجسيمات دوراً أساسياً بإلهام النظريين لإيجاد نموذجٍ رياضيٍ لوضع نظريةٍ تُدعى بنظرية الكوارك والمبنية على ما يُعرف بزمرة SU3 (***).أصبحت الأمور أكثر سوءاً عند اكتشاف عائلةٍ جديدةٍ من تلك الجسيمات، والتي تتميز بأنها أكثر استقراراً بالرغم من أنها ذات كتلةٍ أعلى! واكتشاف شقيق الإلكترون الأكبر والذي يُدعى بالميون. حتى أن أحدهم قال عند اكتشاف هذا الجسيم: “من طلب هذه؟”

حينها كان الفرض يقول بوجود ثلاثة جسيماتٍ أوليةٍ ليس لها حجمٌ أو بنيةٌ، ولها شحنةٌ كسريةٌ دُعت بالكواركات. وتُكوّن تلك الكواركات عند إجتماعها جسيماتٍ أخرى تدعى الهادرونات. ولهذه الهادرونات نوعين فرعيين، باريونات وميزونات. والجدولين التاليين يوضحان الكواركات الثلاثة المفترضة عند وضع النظرية.

م

الكوارك

الشحنة    e الكتلة MeV/c2
1

علوي up

+2⁄3

2.3+0.7
−0.5

2 سفلي Down −1⁄3

4.8+0.5
−0.3

3

غريب  Strange

−1⁄3

95±5

 

 

شكل 3شكل 3

إن الكواركات محصورةٌ داخل الهادرونات ولا يمكننا عزل كواركٍ بمفرده، حيث أن طاقة الربط بين الكواركات في الهادرونات تزداد كلما حاولنا إبعادهم عن بعضهم. لذلك كانت الطريقة الوحيدة للتأكد من وجودهم هي تجارب التشتت في مسرعات الجسيمات. فمع ازدياد طاقة تشغيل تلك المسرعات، تم اكشاف ثلاثة كواركاتٍ أخرى (الشكل 3).بهذا، تبين أن البروتون يتكون من ثلاثة كواركاتٍ uud (اثنان عُلويان وواحد سُفلي)، بينما يتكوّن النيوترون من ddu (اثنان سُفليان وواحدٌ علويٌ) وما إلى ذلك.

 

التناظر ونظرية الزمر والتفاعلات الأساسية

يُعد نجاح نظرية الزمرة SU3 بالتبؤ بالكواركات وتأكيدها تجريبياَ أحد نجاحات الرياضيات في مجال فيزياء الجسيمات. حيث تلعب التناظرات أهميةً بالغةً للغاية فيها. حيث استخدم النظريون نظرية الزمر الرياضية لفهم تلك التناظرات (عدم التغير بالنسبة لتحويلاتٍ معينةٍ، كالدوران ونحوه)، وهي نظريةٌ ذات علاقةٍ وطيدةٍ بالتناظرات بالأشكال الهندسية. حيث يربط أو يلصق الرياضيون التناظرات بزمرٍ معينةٍ، كأن تصف التناظرات في الدائرة زمرةً تُعرف بـ U(1) ، وهلم جراً.

إن التناظرات في فيزياء الجسيمات هامةٌ للغاية، فأنت تريد أن تبقى قوانين الفيزياء كما هي لدى أيّ راصدٍ، وهذا ما يٌدعى بتناظر لورنتز، أو بالأحرى بونكاريه. وتنشأ هذه التناظرات من النسبية الخاصة، وتُوصف بزمرٍ خاصةٍ بها تُعرف بزمر (SO(3.1 وزمرة بونكارية.(◊)

شكل 4شكل 4: بعض الأمثلة على التناظرات التي تصفها زمرة SU2  مثل تناظر رقاقة الثلج بالدوران 60 درجة، وتناظر توزيع المجال الكهربي بين شحنتين، ولا يتغير هذا التوزيع إلا لو قمنا بالدوران 180 درجة.

إن الوصف الأساسي للطبيعة لا يتوقف على الجسيمات الأولية فحسب، بل على التفاعلات التي تحصل بينهما. ونجد أن الطبيعة تحوي أربعة تفاعلاتٍ أساسيةٍ فلا توجد تفاعلاتٍ غيرها أو تفاعلاتٍ مشتقةٌ منها. تلك التفاعلات هي:ولكنك تريد أيضاً أن يتم حفظ بعض “الأعداد الكمومية” في بعض التفاعلات مثلا تناظر الدوران، أو التناظر بالنسبية للدوران بالنسبة لحقلٍ مغناطيسي، وتوصف تلك التناظرات بزمرة تعرف بـ (SU(2. إن تناظر الإيزوسبين مهمٌ للغاية، فهو يقول لنا أن البروتونات والنيوترونات تتفاعل بشكلٍ متشابهٍ نووياً.

  • الجاذبية.
  • التفاعل الكهرومغناطيسي.
  • التفاعل النووي القوي.
  • التفاعل النووي الضعيف

يجب علينا أن نفهم تفاصيل هذه التفاعلات:

  • الجاذبية:

تصف نظرية النسبية العامة هذا التفاعل، بينما يتم تجاهلها في فيزياء الجسيمات لضعفها الشديد. حيث إن قارنتها بشدة التفاعل النووي القوي فسنجد أن الجاذبية أضعف منه ب 10-42 مرة. فالجاذبية قوةٌ تعمل على المستوى الكوني الضخم كمستوى الكواكب والمجرات ونحوها. وتُهمل القوتين النوويتين على هذا المستوى لكونهما محصورتين بمدىً صغيرٍ جداً (قطر البروتون إلى قطر النواة)، أما القوى الكهرومغناطيسية فتعمل بين الأجسام المشحونة كهربياً، ولكن غالب الأجسام الكبيرة متعادلةٌ [1].

لذلك يمكننا القول بأن النموذج القياسي يدرس التفاعلات الثلاثة الأخيرة فقط، معتمداً بشكلٍ أساسيٍ على التناظرات أو ما يعرف بنظريات حقول القياس.

  • التفاعل الكهرومغناطيسي:

تصف الإلكتروديناميك الكمومية التفاعل الكهرومغناطيسي على مستوى الجسيمات بدقةٍ بالغةٍ، حيث تعد نظرية الإلكتروديناميك الكمومية النظرية الأكثر تطابقاً مع التجربة بنسبة خطءٍ لا تتعدى 10 أجزاء بالمليار. إن نظرية حقل القياس تنص على أن “مولدات التناظر” في تفاعلٍ معينٍ تترافق مع جسيم (بوزون) ينقل التفاعل. حيث ينقل الفوتون التفاعل الكهرومغناطيسي، بمعنى أن أيّ جسيمين متفاعلين كهرومغناطيسياً سيتبادلان فوتوناً يحمل طاقةً أو كمية الحركة المتبادلة في التفاعل. وتساهم رسومات فاينمان بتبسيط التعامل مع نظرية الإلكتروديناميك الكمومية كتلك المعروضة بالشكل 5 لتفاعلٍ كهرومغناطيسيٍ لإلكترونٍ اكتسب طاقةً ثم فقدها على هيئة فوتون.

 

شكل 5شكل 5

من الشكل السابق يمكننا أن نستنتج أن التفاعل الكهرومغناطيسي لا يحصل بين جسيمين فحسب، بل يمكن لجسيمٍ واحدٍ أن “يتفاعل مع نفسه” أو ما يسمى بالطاقة الذاتية، حيث يمكن لإلكترونٍ أن يشع فوتوناً ثم يمتصه. ويمكن أن تحصل العديد من التفاعلات الذاتية (بسبب التموجات الكمومية) مما يؤدي إلى ظهور تباعداتٍ وما لا نهاياتٍ مزعجةٍ في المعادلات. ولذلك يلجأ الفيزيائيون لطرقٍ رياضيةٍ تُعرف بإعادة التطبيع للتخلص من تلك التباعدات. مما يجعل من نظريات حقل القياس الحالية (التي تصف التفاعلات) ليست أنيقةً رياضياً تماماً، بل معقدةً وتقريبيةً وغير مبنيةٍ بشكلٍ رياضيٍ مسلميٍ كما هو الحال مع نظريات الحقل الكمومي الساكن المبنية على المسلمات مثل مسلمات ويغتمان.

يمكن النظر لنظرية الإلكتروديناميك الكمومية بشكلٍ مختلفٍ قليلاً، حيث تفسر هذه النظرية جميع التفاعلات الكهرومغناطيسية بالكون بشكلٍ أساسيٍ بالرغم من تعقيدها الرياضي، مما يعني أنها أصل الكيمياء والكيمياء الحيوية والحياة، ومشاعرنا وما نحبه ونهواه من عطورٍ وألوانٍ وفنونٍ، وكل ما نسمعه من موسيقى وما نفكر به كله متجذر وناتجٌ من الإلكتروديناميك الكمومي!

  • التفاعل النووي القوي:

تحدثتا سابقاً عن هذا التفاعل الذي يبقي النواة متماسكةً والذي تصفه نظرية يوكاوا، ولكن نظرية يوكاوا لم تكن سوى تقريبٍ/نظرةٍ من بعد للتفاعل النووي القوي، والذي يُعرف بالتفاعل اللوني أو الديناميك اللوني الكمومية. وبالرغم من الإسم إلا أن التفاعل اللوني لا علاقة له بالأولوان، والأمر مجرد تسمية لا أكثر. ويعود السبب لتسمية التفاعل النووي القوي بهذا الإسم إلى المقاربة بين ديناميك التفاعل وخلط الألوان، فأنت بحاجةٍ لخلط ثلاثة ألوانٍ رئيسيةٍ لكي تحصل على أيّ لونٍ (أحمر، أخضر[2] وأزرق).

فالكواركات (التي تتفاعل تفاعلا قوياً) تحمل واحدةً من ثلاثة شحناتٍ (بدلاً من إثنتين في التفاعل الكهرومغناطيسي)، ولقد سُميت تلك الشحنات بأسماء الألوان الرئيسية السابقة. أما النظرية التي تُبنى عليها الديناميك اللوني الكمومية فهي نظرية يانج ميلز، وهي أحد الحالات الخاصة من نظرية حقل القياس. ولكن الأمور أكثر تعقيداً هنا مقارنةً بالديناميك اللوني الكمومية، حيث توجد 8 مولدات لزمرة التناظر SU3 وبالتالي توجد ثمانية بوزوناتٍ ناقلةٍ للتفاعل، وتدعى جميعها بالغلوونات. ويتم تبادل الغلوونات بين الكواركات في الديناميك اللوني الكمومية، ولا تتفاعل الكواركات فقط بالتفاعل اللوني بل تتفاعل الغلوونات المختلفة لونياً مع بعضها أيضاً.

شكل 6                        شكل 7

شكل 6 الصورة الكاملة للتفاعل النووي                     شكل 7 المقاربة بين التفاعل اللوني وخلط الألوان
القوي الأساسي و الفرعي

 

  • التفاعل النووي الضعيف

يتميز هذا التفاعل بالكثير عن غيره، ففي البداية يغير هذا التفاعل “نكهة” الكواركات بتحوّيل الكوارك العلوي إلى سفلي أو العكس وما إلى ذلك. لذلك يعتبر الإنحلال النووي بفعل اشعاع بيتا مثالاً على تفاعلٍ نوويٍ ضعيفٍ (شكل 8)، ولذلك يُعرف أحياناً بديناميك النكهية الكمومية. وبالإضافة لذلك، تمتلك الجسيمات الناقلة لهذا التفاعل كتلةً كبيرةً جداً (إن قورنت بالبروتون مثلاً). وتعرف بجسيمات Z  و  W-  و W+ . وتتحلل هذه الجسيمات سريعاً لكونها ناشئة من الفراغ الناتج من التموجات الكمومية، وذلك بفعل مبدأ عدم التأكد* للطاقة والزمن. ولهذا فإن مدى هذه التفاعل بالغ القصر 10-18  cm.

شكل 8شكل 8: إنحلال موجات بيتا نتيحةً للتفاعل النووي الضعيف

يحدث في التفاعل الضعيف نوعين رئيسين من “التيارات”: تيارٌ مشحونٌ يتمثل بفيضٍ من بوزونات W± و تيارٌ متعادلٌ ويتمثل بفيضٍ من جسيمات Z .أدى اكتشاف بوزونات Z وW   في عام 1973مـ في وكالة الأبحاث النووية الأوروبية إلى نشأة النموذج القياسي لفيزياء الجسميات كما نعهده اليوم، والذي يُعرف بنموذج واينبرغ وعبد السلام.

تصبح القوتين الضعيفة والكهرومغناطيسية قوةً واحدةً في مستوى طاقةٍ يُقدر بـ 100 GeV، ويطلق عليه اسم التفاعل الكهروضعيف، ولهذا التفاعل أهميةٌ كبيرةٌ في بداية نشأة الكون. حيث حدث انكسارٌ للتناظر بين هذين التفاعلين عندما برد الكون، مؤدياً إلى قدرتنا على تمييزهما من بعضهما. الأمر أشبه بكأسٍ من الماء به ثلج، فعند ارتفاع درجة حرارة الوسط سيذوب الثلج في الماء ولن نتمكن من تمييز الماء والثلج بعد ذلك.

شكل 9
شكل 9: تيارٌ متعادلٌ صغيفٌ في غرفةٍ فقاعيةٍ لدى سيرن، بين الإكتشاف التاريخي للأنموذج القياسي لوانبرغ و عبد السلام

يعني هذا أن الفوتون سيسافر بسرعة الضوء بينما بوزونات (W, Z) لن تفعل ذلك، بل ستنفصل عن بعضها مكونةً قوتين منفصلتين.إن سبب انكسار التناظر هو ما يعرف بحقل هيجز (الحقل القياسي) بطاقةٍ أقل من 100GeV، حيث يكتسب هذا الحقل “قيمةً” لا تساوي الصفر في الفراغ مما يؤدي لتفاعل الجسيمات معه وبالأخص البوزونات الناقلة للتفاعل الكهروضعيف (والتي تعرف بـ W0  و B ). ويؤدي هذا التفاعل لتحويلها إلى فوتونٍ بغير كتلةٍ وبوزونات W المشحونة و  Z  المتعادل، والتي ليس لها كتلة كما ذكرنا سابقا.

إن ما قمنا بعرضه أعلاه يُعرف بآلية هيجز- أنغلير، وانكسار التناظر التلقائي:

يعطي حقل هيجز الفيرميونات (الجسيمات المادية) كتلةً أيضاً، وذلك عبر تفاعلها معه بآليةٍ مختلفةٍ تُعرف باقتران ياكاويا مع حقل الهيجز. ولكن يجب التنويه أن أكثر من 90% من كتلة الأشياء حولنا لا تأتي من آلية هيجز-بوكاوا، بل من معادلة أينشتاين E=mc2، حيث توجد طاقةٌ لربط الكواركات. وتفهم هذه الطاقة على أنها كتلةٌ حسب المعادلة الشهيرة، وتساهم طاقة الربط بـ 90% من كتلة البروتون/ النيوترون.

الصورة النهائية للنموذج القياسي لفيزياء الجسيمات:

ربما يحق لنا كجنسٍ بشريٍ أن نفخر بما حققناه من فهمٍ عميقٍ لمكونات الكون من حولنا بشكلٍ أساسيٍ والتفاعلات التي تحكمه، وبحلول عام 2012مـ إنتهت رحلةٌ شيقةٌ ومغامرةٌ مثيرةٌ لهذا الفهم دامت قروناً عديدةً، وذلك بعد تأكيد اكتشاف القطعة الأخيرة من الأنموذج القياسي (بوزون هيج). وهنا نلخص الشكل النهائي للأنموذج القياسي:

  • تتكون المادة من فيرميونات، والتي تنقسم إلى كواركات (تتفاعل لونياً) مكونةً باريوناتٍ وميزوناتٍ، وتكون الليبتونات حرةً ولا تتفاعل تفاعل قوياً. ويوجد لكلٍ من جسيمات المادة جسيماتٍ مضادةٍ لها.
  • الليبتونات المتفاعلة كهرومغناطيسياً هي الإلكترون ونسخٌ أكثر كتلةً منه، أما المتفاعلة تفاعلاً ضعيفاً فقط فتدعى بجسيمات النيوترينو.
  • توجد ثلاثة ” أجيالٍ” من المادة، تتشابه في خصائصها ولكنها تختلف في الكتل فقط. ولا توجد أجيالٌ أخرى من المادة. وتم تأكيد ذلك عملياً بانحلال بوزون Z عام 1975مـ.
  • تنقل التفاعلات جسيماتٍ أوليةٍ تعرف ببوزونات القياس.
    حيث يوجد 12 بوزوناً لقياس نتيجة تركيب زمرة النموذج القياسي U1 × SU2× U3 والتي لها 12 مولداً للزمرة. وبينما ينقل الفوتون التفاعل الكهرومغناطيسي، تنقل 8 غلوونات التفاعل اللوني، بينما تنقل جسيمات Z W±
  • لا يبدو أن للجسيمات السابقة أيّ بنيةٍ داخليةٍ أو أنها حالةٌ محصورةٌ لأيّ جسيماتٍ “أكثر أوليةً منها”. ويعود السبب لهذا الاعتقاد بعدم وجود تركيبٍ داخليٍ لهذه الجسيمات لحتمية أن تكون حالةً الجسيمات الأكثر أوليةً المفترضة محصورةً بترابطٍ شديدٍ، ولكن لوجود هذه الحالة لا بد من طاقة ربطٍ هائلةٍ تؤدي لكتلةٍ كبيرةٍ جداً مقارنة بكتل الجسيمات هذه. ولذلك لا يمكن أن تكون جسيمات الأنموذج القياسي جسيمات مركبة.
  • الجاذبية غير موجودة ضمن النموذج القياسي.

 

النموذج القياسيشكل 10النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات CERN

ما بعد النموذج القياسي:

بالرغم من النجاح الباهر للنموذج القياسي وتمكنه من وصف جزءٍ من طبيعة المادة وتفاعلاتها في صيغٍ تملأ ورقةً واحدةً فقط إلا أنه ليس وصفاً كاملاً للطبيعة. فمثلاً، المادة التي يصفها النموذج القياسي تشكل 4% من الكون فقط، بينما يمثل الباقي المادة المظلمة والطاقة مظلمة التي لا نعرف عنهما شيئاً!

يبقى أيضاً مكانٌ لإيجاد نظرية توحيدٍ عظيمٍ تجمع بين القوة الكهروضعيفة والقوة النووية القوية، والتناظر الفائق والجاذبية الكمومية ونظريات الحقل الموحد، والبنية الكمومية للزمكان والثقوب السوداء الفائقة الصغر وانحلال البروتون، وإن كان يوجد أبعاد أخرى وما إلى ذلك.

توجد أمامنا العديد من الأسئلة المفتوحة، ولكنها ليست محصورةً بخارج النموذج القياسي فقط، بل في البينة الرياضية الأساسية لحقول القياس أيضاً. حيث اعتبر معهد كلاي للرياضيات أن إيجاد نظريةٍ رياضيةٍ غير تطبيعيةٍ لحقول القياس أحد أهم المسائل الرياضية / الفيزيائية للقرن. وعرض المعهد جائزةً بقيمة مليون دولارٍ لمن يجد حلاً لهذه المسألة، وبالإضافة لمسألة توسيع نظرية يانغ ميلز للعالم الماكروي وكيفية الربط بينها وبين الفيزياء النووية. وتوجد أيضاً مسألة كتل الجسيمات الأولية، فلم هي قريبةٌ جداً من الصفر بالرغم من أن كتلة بلانك كبيرةُ جداً ~0.22 mlg. ولم توجد مادةٌ بكميةٍ أكثر من كمية المادة المضادة؟ وغيرها من الأسئلة المفتوحة التي تبحث عن عقولٍ فضوليةٍ وشغوفةٍ للإجابة عنها!

---------------------

[1] ولكن لا يمكننا الإستمرار بتجاهل الجاذبية في فيزياء الجسيمات لأسبابٍ عديدةٍ، بالإمكان مراجعة مقالات سابقة عن الجاذبية الكمومية  للإستزادة.

[2] ربما يعتبر الفنانون أن الألوان الرئيسية هي الأحمر الأصفر و الأزرق، ولكن خلط الأوان الذي نتحدث عنه مختلف، فمثلاً للحصول على الأصفر من ألواننا الرئيسية سنطرح الأخضر من الأزرق

------------------------------------
– Kaku, M. (1993). Quantum field theory (Vol. 378). Oxford: Oxford University Press.
– Langacker, P. (2011). The standard model and beyond. CRC press.
– Perkins, D. H. (1982). Introduction to high energy physics (Vol. 2). Reading, Massachusetts: Addison-Wesley.
– Lichtenberg, D. B., Tassie, L. J., & Keleman, P. J. (1968). Quark-diquark model of baryons and SU (6). Physical Review167(5), 1535.
http://www.quantumdiaries.org/  Amazing Blog about particle physics – Run By particle physics around the world from various labs
– Omnes, R., & Barton, G. (1971). Introduction to particle physics. New York: Wiley-Interscience.
http://home.web.cern.ch/fr/about/physics/standard-model