معادلة ديراك ، و الجمال الرياضي

 

قليلة تلك اللحظات التي تتجلى فيها حقائق الكون أمام أحد الذين أفنوا حياتهم من أجلههم تلك اا بأسمى و أبهى صورها. أحد أهم تلك اللحظات هي اللحظة التي كتب فيها بول ديراك ورقته عن ميكانيك الكم للالكترونات سنة 1928 و قام في هذه الورقة باستنتاج المعادلة الموجية النسبية للالكترون و التي أصبحت تحمل اسمه " معادلة ديراك".

ظهرت هذه المعادلة من سؤال قد يبدو غير منطقي في عصرنا هذا وهو :

لماذا قد اختارت الطبيعة للالكترونات أن تحمل لفا مغزلياا يساوي ½ ؟ لماذا لم يكن للاكلترون لف ذو قيمة أخرى، أو حتى لماذا باﻷصل له لف مغزلي ؟

نعرف اﻵن أن اللف، كما غيره من الأعداد الكمومية ليس إﻻ " صفة" للاكترون ، و هو جسيم من بين العديد من الجسيمات المكتشفة . و لكن على عصر ديراك، بدا هذا السؤال منطقيا ووجيها، ﻷنه لم يكن يعرف سوى اﻹلكترون و البروتون – أو باﻷحرى النيوكلون- و فقط.

كان ديراك منزعجا من الوصف النسبي الكمومي ( معادلة الموجة النسبية ) التي استنتجها كل من كلاين و غوردون – و سبقهم بها شرودجر - للأسباب التالية:68

أوﻻ، تحتوي المعادلة على مشتقة من الدرجة الثانية بالنسبة للزمن، مما يجعل من غير الممكن حساب القيم المتوقعة للكميات الديناميكية – سوى الموضع-

ثانيا، المعادلة تتبأ بحلول ذات طاقة سالبة ، و ﻻ يمكن استقصاء هذه الحلول كونها متصلة بشكل مستمر مع الحلول ذات الطاقة الموجبة، و في ميكانيك الكم – وفقا لهذه المعادلة- يمكن نتيجة اضطراب بسيط أن يحدث انتقال للجسيم الموصوف بهذه المعادلة من حالة طاقة موجبة إلى أخرى سالبة. و هذا بدأ غير منطقي لديراك.

.ثالثا، ﻻ تتضمن هذه المعادلة وصف لتابع موجي يحمل لفا مغزليا

 

بدأ ديراك التفكير بطريقة غاية بالعبقرية و البساطة في آن واحد… لم يلجألتعقيدات رياضية و يفكر مثلا بالكميات السبينورية عندما قرر استنتاج المعادلة النسبية ، بل فكر بالطريقة التالية:

 

إن كانت المشكلة اﻷولى تأتي من مشتقة من الدرجة الثانية بالنسبة للزمن، و في النسبية يجب أن نعامل الزمن و المكان بنفس الطريقة، يجب أن تحتوي المعادلة على مشتقة من الدرجة اﻷولى للزمن و الموضع ، و ليس كما معادلة شرودنجر. ( التي تحتوي علىمشتقة أولى بالنسبة للزمن و من الدرجة الثانية بالنسبة للموضع). و يجب أن تحقق هذه المعادلة عﻻقة الانتشار الخاصة بكمية الحركة و الطاقة النسبية

E² = (mc² )² + p²c²

لم يحتج ﻷكثر من هذا لاسنتاج المعادلة، و بعدها تولت المعادلة الباقي، فقد كشفت عن الكثير من الخبايا لم يكن يدركها ديراك حينها … بل احتاج المجتمع العلمي لعدة سنوات بما فيهم الرياضيون كي يكشفوا عن جميع ما تحتويه المعادلة من " أسرار"

في البداية، ظهر اللف المغزلي للاكترون بشكل " طبيعي" من المعادلة، و يمكن أن يقال أن ديراك أعاد إكتشاف اللف الخاص بالإلكترون من المعادلة هذه .. و لولا إن كان اللف معروف بسبب أثر زيمان الشاذ لكان ديراك هو من اكتشف اللف. و لكن بالرغم من ذلك، قدمت المعادلة تفسيرا للف الخاص باﻹلكترون، و هو أن اللف أثر " نسبي" للاكترون و ليس له علاقة بالميكانيك الكمومي.، على عكس اﻹعتقاد السابق .. و حتى يومنا هذا قد يظن الكثير أن اللف الخاص باﻹلكترون هو نتيجة كمومية، بينما في الحقيقة هو أثر نسبي كلاسيكي.

كما ظهر في المعادلة حالات ذات طاقة سالبة أيضا،و لكن مفصولة عن تلك الحالات الموجبة بفارق طاقة قدرة

2mc²

لم يفهم ديراك معنى هذه الحالات إلا متأخرا، حتى 1930 حيث فسر طبيعتها كالكترونات و لكنها بشحنة موجبة حتى تم اكتشافها في 1933 من قبل أندرسون . ولكن لماذا لا نرى الكترونات موجبة في الطبيعة ، بالرغم من ظهورها بشكل متكافئ في معادلة ديراك مع تلك ذات الشحنة السالبة؟

قد حير هذا السؤال ديراك كثيرا و عزى اﻷمر إلى مبدأ باولي للاستبعاد، حيث افترض ديراك وجود " بحر" من تلك الجسيمات / الحالات و هو ممتلئ بحيث لا يمكن لالكترون سالب أن ينتقل إلى حالة موجبة الشحنة ﻻنه ﻻ يمكن لفيرميونين أن يشغلا نفس الحالة و لكن يمكن أن ينتقل الكترون موجب الشحنة لحالة سالبة الشحنة تاركا و راءة " ثقب" يظهر كمادة مضادة …

ﻻ زالة فرضية بحر ديراك أو نموذج " الثقب" يشرح في الكثر من الكتب و المحاضرات عن ميكانيك الكم النسبي إﻻ أنها فرضية غير صحيحة البتة !

و يعود سبب عدم صحة هذه الصورة هو ظهور حقول جديدة لجسيمات لها عدد صحيح من اللف و بالتالي تتبع احصاء بوز-أينشتاين و الذي ﻻ ينطبق عليه مبدأ باولي، و بالتالي يمكن للجسيمات هذه أن تشغل أي حالة بأي عدد دون وجود قانون يمنعها، و بالتالي ﻻ يمكن تطبيق هذه الصورة على الجسيمات المضادة لها. . المشكلة هذ أصبحت أكثر تعقيدا بكثير مما بدأ به ديراك، ﻻنه حسب التناظر بين المادة و المادة المضادة يجب أﻻ نوجد نحن، بل يجب أن يلغي بعضها بعضا … هذه المشكلة تعرف اﻵن بمشكلة التخليق الباريوني

Baryogenesis

قد أخطأ ديراك أيضا بظنه أن معادلة كلاين جوردون معادلة خاطئة، بعد اكتشاف العديد من الجسيمات عديمة اللف مثل ميزونات باي، بوزون هيجز و حى الجسيمات ذات عدد صحيح من اللف تنطبق عليها هذه المعادلة أيضا. و بالتالي ﻻ يوجد أي مشكلة بها كما ظن ديراك. سوى كونها ﻻ تصف اﻹلكترون بالتحديد.

بالرغم من الدوافع الغير صحيحة لاشتقاق المعادلة إﻻ أنها كانت من أهم اﻹنجازات للبشية في القرن العشرين ، و كشف الكثير من أسرار الطبيعة ، منها وجود المادة المضادة، تفسير اللف االخاص باﻹلكترون و الكشف عن علاقة هندسية عميقة في الطبيعة و هي التناظرات التي تخضع لها الكميات السبينورية ( التي لها لف ½ ) لم يكن يدركها الرياضيون قبل ديراك .

ﻻ يمكن ﻻي مقال أن ينصف بحق هذه المعادلة و قيمتها الفيزيائية و الرياضية على حد سواء. و لكن يمكن اختصار الفلسفة وراء اكتشاف هذه المعادلة، بأن الجمال و الاتساق الرياضي، كما وصفه ديراك، هو أداة قوية لكتابة قوانين الطبيعة، و لفهمها.. بالرغم من عدم وجود تفسير فيزيائي لهذه الحقيقة

إن الطبيعة ليست أجمل مما نخيل، بل أكثر مما يستطيع عقلنا تصوره ..

 

المراجع

 

- Dirac, Paul AM. "A theory of electrons and protons." Proceedings of the Royal Society of London A: Mathematical, Physical and Engineering Sciences. Vol. 126. No. 801. The Royal Society,

- Paul AM Dirac. The quantum theory of the electron. In Proceedings of the Royal Society of

London A: Mathematical, Physical and Engineering Sciences, volume 117, pages 610–624. The

Royal Society, 1928.
 

- Paul AM Dirac. The quantum theory of the electron. part ii. In Proceedings of the Royal Society

of London A: mathematical, physical and engineering sciences, volume 118, pages 351–361. The

Royal Society, 1928.

-W Heisenberg. {P-1932a, b, c}(1.2, 1.5, 2.5, 2.6, 3.4) uber den bau der atomkerne i, ii. III

Zeits, f. Physik, 77(1):156, 1932.

 

- Weinberg, Steven. The quantum theory of fields. Vol. 1. Cambridge university press, 1995.

- Carl D Anderson. The positive electron. Physical Review, 43(6):491, 19