الخيوط الرفيعة
الخيوط الرفيعة!!
في أمور الإدارة واتخاذ القرارات، هناك دوماً خيوط رفيعة تـفصل ما بين الصواب والخطأ والسليم والمعوج والفعالية والبربسة!! فالمدير الذي يكتـشف هذه الخيوط ويتابعها ويعمل وفق معادلاتها وتـقلباتها تـندرج قراراته في خانة "القرار الفعال" أما الأخر الذي يخلط الحابل بالنابل فتأتي قراراته بصفة "ما عنده سنع"!! وقد يتم إلغاء قراراته قبل أن يجف حبر توقيعه عليها!! فينطبق المثل الشهير "كأنك يا غازي ما غزيت"!!
المشكلة في بعض هذه الخيوط الرفيعة أنها أدق من "شعرة معاوية" التي أسست لنظرية خرافية في الإدارة وفن التعامل مع الظروف والناس قبل قرون عدة من ولادة فردريك تايلور مؤسس علم الإدارة الحديث. إنها حالة قرارات صعبة يكون الفاصل فيها بين الصحيح والسقيم "رفيعا" إلى درجة انه من الممكن أن يدخل في "سم الخياط"!!
المقصود أن هناك أشياء صغيرة قد تؤثر على القرار صياغة وتـنفيذاً فكلمة أو موعد أو رقم أو حتى الطريقة التي يُعلن بها القرار قد تعني الكثير في قبول قرار ما وتحقيق السلاسة في اعتماده وتـنفيذه وتحقيقه للمقاصد التي أتخذ من أجلها!! ولماذا نذهب بعيدا فـ "ال" التعريف عملت فرقاً شاسعا في قانونية و عدالة أحد قرارات الأمم المتحدة الشهيرة (كلمة أراضي مقابل الأراضي) !! ولكي نعود إلى الإدارة، يجدر بنا التـنويه إلى أن القرار قبل التـنفيذ يمر بعدد من المراحل كلها مهمة لنجاحه: التـقدير ثم التـقرير ثم التعبـير وتـتـشابك الخيوط في كل مرحلة لتجعل عملية اتخاذ القرارات كمثل "غزل" خيوط متـشابكة ودقيقة!!
مسألة أخرى تـزيد من صعوبة هذه القرارات الإدارية تـتمثل في أن خيوطها مرتبطة غالباً بالإنسان وهو في حد ذاته لغز كبـير في عالم الإدارة ملئ حد الجد بالمزاجية والتـقلب والنفسيات والشخصيات والأفكار الغير ثابتة وإنما تعمل في ديناميكية متواصلة تجعل من هذه الخيوط الرفيعة كمثل أسلاك الضغط العالي في شارع أنكاس!! عليه، المدير الذي يتصور أن الإنسان في عالم الإدارة يرتبط بخيوط مثل تلك التي يحركها الممثل في مسرح الدمى يكون واهم إلى أبعد مدى وستكون قراراته التي اتخذت وفق هذا المنطق واهمة إلي حد الفجيعة الإدارية!! الجملة الأخيرة تمثل الفرق الحاسم بين المدرسة الآلية في اتخاذ القرارات مقابل المدرسة السلوكية والمعنى في بطن الحكمة العربـية الشهيرة التي تقول:
"نصف العقل مُدَاراةُ الناس"
تبقي قضية القضايا في صناعة قرارات سليمة وسط خيوط كالأنكاث!! وهي قضية الموقف أو الحالة التي يمر بها القرار قبل وأثـناء وبعد عملية التطبـيق. القرار الذكي والمرن "يراعي" الظروف المحيطة ولا يأتي جامدا كمثل شجرة صماء في صحراء جرداء!! هناك فرق بين قرار "يقع" (!!) حسب منهج "الرعاية" حيث يتصور صاحب القرار أنه الراعي الوحيد الذي يفهم المعادلة وقرار أخر "يتخذ" حسب نظرية "المراعاة" حيث يحرص متخذ القرار على النظر إلي زوايا معقدة وخيوط خفية في معادلة القرار!! كما أنه من الضرورة بمكان أن يتواءم ويتوافق هذا القرار مع الأحوال والمواقف المتغيرة والمتـقلبة ساعة بساعة بل في عصرنا هذا ثانية بثانية!! أنظروا ماذا يقول المتـنبي:
ووضع الندى في موضع السيف بالعُلى
مُضر كوضع السيف في موضع الندى
إذا كان هناك من يشبه اتخاذ القرارات الإدارية في عالم اليوم كالمشي على الحبال فيجب التـنبه إلى أن هذه الحبال تأخذ حتماً شكل الخيوط الرفيعة والمتحركة والذي يسقط لا منجاة له!!
