الذراع التنموي الثالث
أي هزات جميلة يحملها لنا قلب العطاء، فقلب واحد لا يكفي عندما تنوي أن تتطوع لخدمة ومساعدة الآخر، فحين يكتب القدر لنا رواية (تطوع) فنهايته مفتوحة تشبه نهاية روايات أدب الحداثة، فنحن مغرمون باكتشاف المجهول، ونعشق تعزيز الذات، والعمل التطوعي يعطينا مساحة من إشباع الأنا المتضخمة بداخلنا، لسنا على قلب واحد عندما نتطوع لمساعدة المحتاج، ففينا المرائي، وفينا المتباهي والصادق الذي لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، نحن هكذا بنو البشر مختلفون وتختلف أهدافنا ونوايانا تجاه كل شيء، وتقاس الدول المتحضرة بمدى وعي شعوبها بأهمية العمل التطوعي، حيث يعتبر العمل التطوعي الذراع التنموي الثالث للدول، من حيث مساهمة المؤسسات المدنية والأهلية في رقي مجتمعاتها ورفاهيتها، ولا أحد يختلف معي في أن التجربة تصنع شكلاً آخر للإنسان، وهي بمثابة الأداة التي تضع أبعاداً للعقل فالإنسان ما هو إلا مجموعة من التجارب الصغيرة المتراكمة التي تنامت عبر الزمن وشكلها الاحتكاك بالآخرين، ووسط عالم يعاني اختلال الموازين، كان لا بد لنا أن نخلق التوازن داخل أرواحنا التي هجرها الاستقرار من خلال الانخراط في الأعمال التطوعية لأجل الخروج من بؤرة الذات وتمركزنا حول ذاتنا، والعمل التطوعي أنواع ويمكن التمييز بين شكلين أساسيين للعمل التطوعي حسب ما جاء في ورقة عمل مقدمة الى المؤتمر الرابع لجمعية متطوعي دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2003م، أولا: العمل التطوعي الفردي وهو السلوك الذي يمارسه الفرد من تلقاء نفسه وبرغبة صادقة منه استناداً إلى ما يتمسك به من مبادئ واعتبارات أخلاقية أو إنسانية أو دينية أو اجتماعية، وثانياً: العمل التطوعي المؤسسي وهو الذي تقوم به المؤسسات والجمعيات بشكل منظم لتقديم خدماتها التطوعية لخدمة الغير من فئات المجتمع وتتسم بالاستمرارية والتنظيم الهيكلي وتخضع للأنظمة واللوائح، وتتنوع هذه المؤسسات في أشكالها إلا أنها تتركز في الأنواع الثلاثة التالية: المؤسسة الخيرية الخاصة، الجمعية الخيرية، المؤسسة أو الجمعية الخيرية ذات النفع العام.
وفي شهر ديسمبر الذي يحتضن اليوم العالمي للتطوع والذي اعتُمد من قبل الأمم المتحدة عام 1985م بقرارها رقم 40/212 وتحديد الخامس من ديسمبر ليحتفي العالم ويحتفل من أجل شكر المتطوعين على مجهوداتهم إضافةً إلى زيادة وعي الجمهور حول مساهمتهم في المجتمع، وليصبح العمل التطوعي امتداداً للمواطنة الفاعلة والإيجابية للمساهمة في التنمية الشاملة للمجتمعات، وفي السنوات الأخيرة أخذ التطوع حيزاً كبيراً في عالم الانترنت حيث ربط الناس ببعضهم من طلاب ومهنيين ومتخصصين في جميع انحاء العالم من المهتمين والمساهمين في العمل التطوعي، وكانت وسيلة مساعدة عن طريق ربط العاملين المتطوعين بعضهم ببعض في جميع انحاء العالم، فهي وسيلة قوية لتعبئة جميع شرائح المجتمع كشركاء نشطين في بناء عالم أفضل. ومن الضروري بمكان تعزيز الأطر المؤسسية التي تدعم العمل التطوعي فهو بمثابة تكريم لإنسانيتنا، ولا يخفى علينا حجم ومجهودات المملكة وريادتها للعمل التطوعي حيث لا يزال تسجل لها الأسبقية للتطوع والإغاثة حتى خارج الحدود، ومشاركة من جهات القطاع الخاص السعودي ممثلاً في أصحاب الأعمال ومدعماً من الغرف التجارية الصناعية للوفاء بالدور الاجتماعي إلى جانب الدور الاقتصادي في تحقيق التنمية، ولكن لا يزال العمل التطوعي يواجه معوقات يجب المسارعة في تخطيها من أجل تدعيم الجهود وقطف ثمرة العمل حيث غياب الاستراتيجية الواضحة لبعض جمعيات ومؤسسات العمل التطوعي وعدم توافر الإيرادات والموارد الثابتة لغالبيها، كذلك نقص الكوادر البشرية المتخصصة، وضعف التنسيق والتعاون والتكامل بين الجمعيات والازدواجية في الأعمال، وعدم الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وغياب النظام الموحد الذي يقنن العمل التطوعي، وقصور البرامج الإعلامية في التوعية به، كلها تحول أمام تنظيم وتنشيط العمل التطوعي وتعزيزه كثقافة مجتمعية يتشربها الأطفال والكبار للنهوض بالحس الاجتماعي المرهف القادر على احتواء احتياجات الآخر وتلمسها بعناية وترتيب وتنظيم متقن تحت مظلة إحداث التغيير، (كن التغيير الذي تريد حدوثه في العالم) غاندي.
