لا تثق أبــداً..!!
لا تثِق أبداً بفكرةٍ لم تَرِدْ على خاطرك أثناء المشي (فريدريك نيتشه).
حمل المشي مكانة عظيمة في كل من التقاليد الفلسفية الغربية والشرقية، فهو يبعث شعوراً بالهدوء النفسي والسكينة، والتعاطي مع الطبيعة، وإذا كنت ترغب في العثور على شيء ما، فما من شيء غير النظر، فإذا نظرت من حولك ستجد ما تبحث عنه بالتأكيد، ويرى الفيلسوف وعالم الانثربولوجيا ديفيد أبرام أن العالم ينادينا، ولكننا غالباً ما نكون في عجلة من أمرنا لدرجة لا تجعلنا نلاحظ نداءه..
فالمشي يكتسب أهميته كلما فقدنا اتصالنا بالأرض. وممارسة المشي لا تتطلب طقوساً خاصة أو تعليمات معينة، فضلاً عن أنه غير مكلف، وغالباً ما يكون المشي تعبيراً عن الحرية والانطلاق، أيضاً نجده أمراً شائعاً في التحولات الدينية، حيث لجأ المهاتما غاندي إلى المشي كممارسة روحانية كي تصبح بعد ذلك ممارسة سياسية، حيث كانت مسيرته الشهيرة باسم «مسيرة الملح» قد ساهمت في استقلال بلاده عن التاج البريطاني.
كذلك طوافنا كمسلمين في دوائر بطيئة حول الكعبة يبرز شكلاً من أشكال السير المليء بالتأمل. فالمشي حاجة وضرورة في عصر الضغوط فمن منا لم يرغب بالمشي مسافات طويلة من أجل الراحة والتخلص من الضغوط والتأمل؟ وكما يُقال: البحث عن الحقيقة يبدأ بقدمي المرء.
وفي جنوب شرق آسيا، تركز مدارس الثيرفادا البوذية على الجانب الأكثر فلسفية للمشي، فالتأملات سيراً على الأقدام تعد طرقاً للتعمق في أفكارنا الداخلية، وتعظيم قوى التركيز في الحياة اليومية بشكل جذري.
وقد تطرقت الفلسفات الشرقية إلى السير وسط الغابات، ففي المثيولوجيا الهندوسية، كان على الفيلسوف راما، الذي طرد من مملكة أبيه، أن يقايض ملابسه الفاخرة بورقةٍ ولحاءِ شجرةٍ قبل أن يمضي عبر الغابات، وكانت إحساسات الواجب، والعدالة، والشجاعة مجرد عدد قليل من الفضائل الأساسية التي ينميها بينما يسير عبر غابات الهند المسحورة. أيضاً لا ننسى أرسطو فقد كان يعلم تلاميذه ماشيا، وقد أطلق عليهم اسم "المشاؤون"، وأصبحت المشائية بعد ذلك اصطلاحا للفكر الأرسطي ومن شايعه في التفلسف. يقول نيتشه: "إن المشي يجلب إلى الشفاه نفحات من الشعر المتكرر والعفوي، وكلمات بسيطة مثل وقع الخطى على الطريق".
يا ترى كيف نعزز ثقافة المشي في مجتمعنا من أجل صحة روحية وجسدية، والأهم هل أعددنا بيئة صحية للمشي الآمن؟
*نقطة تحول:
أصبَحَ العَالمُ مًثيراً للشَفَقة.
