البحث العلمي بعد كورونا

مع تسجيل أولى حالات الإصابة بـفيروس كورونا (19-COVID) في نهاية 2019 ميلادية في مدينة ووهان الصينية، والذي عقبه الانتشار السريع لهذا الفيروس حتى غزا العالم في بضعة أشهر، حتى أعلنته منظمة الصحة العالمية كجائحة في 11 مارس 2020 ميلادي، تغيرت مظاهر الحياة في أغلب دول العالم كإجراء وقائي احترازي للحد من انتشار هذا الفيروس. هذا التغير الواضح في جميع مناحي الحياة يمثل حالة تستحق الدراسة والمتابعة، خاصة بالنسبة للمهتمين بالسلوك الإنساني لما لمثل هذه الدراسات من دور حيوي مهم في فهم الواقع والتنبؤ بالآثار التي قد تخلفها هذه الجائحة على النواحي النفسية والاجتماعية، في ظل شح الأدبيات العلمية في هذه الجوانب.

ونظرا للحاجة الملحة لفهم وتتبع آثار هذه الجائحة، انطلقت عديد من المراكز البحثية والجامعات والمؤسسات ذات الصلة في أغلب أرجاء المعمورة بتقديم ما من شأنه المساعدة في فهم ومعرفة آثار هذه الجائحة على السلوك البشري، إضافة إلى السعي الحثيث لإيجاد لقاح لهذا الفيروس. وكان لمؤسسات مملكتنا الغالية دور حيوي في هذا الحراك العالمي في المجال العلمي، حيث بادرت العديد من الجهات - من بينها وزارة الصحة وجامعة الملك سعود ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية - في إطلاق مبادرات للدعم السريع للبحوث التي تتناول هذه الجائحة من الناحية التشخيصية أو العلاجية أو حتى من النواحي الاجتماعية والأخلاقية. الجدير بالذكر، أن مثل هذه المبادرات قد لاقت تفاعلا رائعا من المهتمين بالبحث العلمي يمكن أن يلمس في صفحات الجهات المقدمة للدعم على مواقع التواصل الاجتماعي.

بالإضافة إلى فوائد الدعم السريع الموجه للبحوث التطبيقية لدراسة كورونا والجوانب المتأثرة به، والذي قد يسهم في فهم الواقع والتنبؤ بالآثار التي قد تعقب هذه الجائحة، مما قد يستدعي وضع خطط استباقية للتدخل أو خفض تلك الآثار أو إزالتها - إن أمكن، فإن فوائد إضافية لمثل هذه المبادرات والجهود يمكن استثمارها لتكون لاعبا محوريا في إعادة رسم العلاقة بين البحث العلمي وحياة الناس لدى شريحة من المجتمع ترى أن البحث العلمي مجرد متطلب دراسي أو وظيفي إن لم يكن ترفا علميا، لا علاقة له بالعالم خارج أروقة المؤسسات التعليمية.

إضافة إلى ذلك، قد يوقد هذا الحراك العلمي الذي تقوم به المؤسسات الداعمة لبحوث كورونا والباحثين المهتمين بدراسة هذه الجائحة أو الجوانب المتأثرة بها شمعة على مكاتب الاهتمامات البحثية لدى الباحثين في مؤسستنا ومراكزنا البحثية، ليعيدوا ترتيب تلك الاهتمامات بما يتناسب مع الواقع وتتطلبه الظروف، فتتوجه البحوث لدراسة مشكلات قائمة بدلا من صرف الجهد والوقت والمال لدراسة مواضيع أقل أهمية أو أقل ارتباطا بواقع الحياة ومشكلاتها، ما من شأنه ردم الفجوة بين البحث العلمي والحياة اليومية.

وعليه، قد يكون من المفيد تتبع أثر مثل هذه المبادرات الداعمة للبحث العلمي، مما يسهم في تشكيل تصور عام لدى الجهات المعنية بهذا الحقل عن مدى إمكانية دفع عجلة البحث العلمي لما يرقى لمستوى التطلعات والطموح، بالإضافة إلى تتبع أثر هذه المبادرات في تصحيح التصور المشوه عن العلاقة بين البحث العلمي والتطبيقات الحياتية لدى شريحة من المجتمع، مما قد يسهم في إيجاد طرق ذات كفاءة عالية في إجراء التصحيح، على أمل أن تكون هذه المبادرات مكونا استراتجييا لبرامج وخطط المؤسسات، وليست فقط استجابة لحالة طارئة.

* مقال منشور في صحيفة مكة بتاريخ ٢٦ أبريل ٢٠٢٠م 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon lbhth_llmy_bd_kwrwn_shyf_mk.pdf4.19 ميغابايت